العنوان من يحمي المسيحيين العرب.. الإسلام.. أم الفاتيكان؟؟ .. الهوية الحضارية
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2010
مشاهدات 59
نشر في العدد 1925
نشر في الصفحة 32
السبت 30-أكتوبر-2010
خلت الورقة الأولى من البنود المتعلقة بعلاقة الفاتيكان بالمسلمين والتي ظهرت في الورقة النهائية من البند 95 إلى 99 وذلك لغرض في نفس الفاتيكان
أقوال المفكرين نصارى ترد على مزاعم الفاتيكان:
مكرم عبيد: نحن مسلمون وطنًا ونصارى دينًا.. والوحدة العربية من أعظم الأركان التي يجب أن تقوم عليها النهضة في الشرق العربي
د. أنور عبد الملك: منذ الفتح العربي الإسلامي لمصر دخلنا بالتدريج في إطار دائرة الحضارة الإسلامية كما أن لغتنا هي العربية لغة القرآن
د. رؤوف نظمي: الأمة مرجعيتها واحدة وهي الإسلام بما له من تراث وعقائد وأصول
ورقة العمل ادّعت على غير الحقيقة ابتعادها عن السياسة.. رغم أن مخططها حديث في العمق السياسي للبلاد الشرقية
الوثيقة علقت التعايش مع المسلمين على علمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية.. متجاهلة غرابة - بل وشذوذ - تعليق التعايش مع الأغلبية على تنازلها عن ذاتها وأصولها
في البند 90 من الوثيقة: إن جميع الأوساط الكنسية في الشرق الأوسط تخطت روح العداء لليهودية.. وإن العداء للصهيونية موقف سياسي وينبغي النظر إليه على أنه خارج كل خطاب كنسي
في البند 91 تتحدث الوثيقة عن: شوق المؤمنين (الكاثوليك) ورعاتهم إلى فتح باب الحوار مع اليهودية.. والصلاة المشتركة... انطلاقا من المزامير وقراءة وتأمل نصوص الكتاب المقدس
الوثيقة أصرت في البند 95 على التنصير للمسلمين - الذين يعترفون بالمسيحية ويعظمون رموزها - مع الامتناع عن التنصير لليهود - الذين ينكرون المسيحية ويلعنون رموزها
تناولنا في العدد الماضي ميثاق العيش المشترك والعهد الدستوري الذي أعطاه الرسول للنصارى، وقارنا بين ذلك العهد النبوي وبين وثيقة الفاتيكان الجديدة، التي تمتلئ بكل أنواع الكراهية والحقد والتآمر على المسلمين، وذكرنا أنفسنا والفاتيكان والقراء بالموقف الفاتيكاني من الإسلام وحضارته، ليس في التاريخ القديم الذي يعرفه الكافة، والذي قادت فيه الكنيسة الكاثوليكية الغربية حربًا صليبية ضد الإسلام وأمته وحضارته دامت قرنين من الزمان (489 - 690هـ / 1069 - 1291م)، بل أشرنا إلى مواقف الفاتيكان من الإسلام وأمته وحضارته في الصفحة المعاصرة في تاريخنا الحديث.
وفي هذا العدد، نتناول بالتعليق خمس مقدمات لتفنيد وثيقة الفاتيكان الجديدة.
هناك خمس مقدمات، أولاها: هي الطريقة التي صيغت بها هذه الوثيقة «ورقة العمل».. وهي طريقة مألوفة ومتبعة في المؤتمرات الكنسية - وخاصة الغربية - ومن أشهرها «مؤتمر كولورادو» الذي عقدته الكنائس الإنجيلية الأمريكية لتنصير المسلمين في مايو سنة 1978م.
لقد كتبت أولاً «ورقة الخطوط العريضة».. وصدرت عن الفاتيكان في سنة 2009م .. ووزعت في حدود النخبة الكنسية لكاثوليك الشرق في 19 يناير سنة 2010م.
وكان عدد بنود ورقة الخطوط العريضة اثنين وتسعين بندًا .. ولقد ذيل كل محور من محاورها بعدد من الأسئلة كي يجيب عنها المختصون الذين وزعت عليهم هذه الخطوط العريضة.
ولحاجة في نفس يعقوب «الفاتيكاني» خلت ورقة الخطوط العريضة هذه من البنود التي تتعلق بعلاقة الفاتيكان بالمسلمين.. وهي البنود التي ظهرت في الورقة النهائية «ورقة العمل».. والتي وردت في البنود من 95 إلى 99...
وبعد جمع الإجابات عن الأسئلة أعيدت الصياغة، لتصدر «ورقة العمل» هذه مكونة من 123 بندًا.
هكذا صيغت «ورقة العمل»، التي هي جدول أعمال اجتماع «مجمع سينودس» أساقفة كاثوليك الكنائس الشرقية، الذي انعقد في حاضرة الفاتيكان بروما في المدة من 10 إلى 24 أكتوبر سنة 2010م.
تلك هي الطريقة المثلى للإعداد للمؤتمرات.. والتي يجب أن يتعلم منها الذين تبدد حياتهم وجهودهم كثرة المؤتمرات والندوات.
وثاني هذه المقدمات: ما ادعته ورقة العمل هذه من ابتعاد هذا المجمع «السينودس» عن السياسة .. وذلك عندما جاء في البند 43:
«وقبل كل شيء ينبغي أن نذكر بأن هدف مجمع «سينودس» هو دعوي محض، ولا يتناول القضايا الاجتماعية والسياسية للبلاد إلا بطريقة غير مباشرة».
وهي دعوى لا ظل لها من الحقيقة على الإطلاق... فورقة العمل هذه في معظمها حديث في السياسة، وفي العمق السياسي للبلاد الشرقية.. وإلا، فماذا تكون قضايا، مثل:
- الصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي».
- وعلمنة المجتمعات الإسلامية.
- والتصدي والمواجهة لظواهر «الإسلام السياسي»، و«الأسلمة».
- بل وطلب التدخل الخارجي الغربي - السياسي والديني - في شؤون أوطان الشرق؟!
إنها ورقة عمل سياسية، تمثل جدول أعمال سياسيًّا، يعقده بطاركة وأساقفة هم زعماء سياسيون في كنائس الشرق المحرومة مساجده من الاقتراب من التفكير في مثل هذه السياسات - على الأقل في كثير من هذه البلاد!
وثالث هذه المقدمات: هي طبيعة هوية الأوطان التي تعيش فيها هذه الكنائس.. ففي تحديد هذ الوطن وهويته تقول ورقة العمل هذه في البند 106:
«إننا ننتمي إلى الشرق الأوسط ومعه تتحدد هويتنا».
وعلى امتداد بنود هذه الوثيقة ينتشر مصطلح «الشرق الأوسط» بدلا من «الوطن العربي»، أو «الشرق الإسلامي»، أو حتى «المشرق»!
ومعروف أن مصطلح «الشرق الأوسط»، قد صاغه الاستعمار الإنجليزي أثناء الحرب العالمية الثانية، ليجعل من هذه المنطقة «مجرد جغرافيا» مجردة من الهوية العربية الإسلامية، وذلك حتى تقبل في أحشائها الجسم الغريب - جسم الدولة الصهيونية - التي لا هي عربية ولا هي إسلامية، والتي بدأ «الحمل» الاستعماري بها منذ وعد «بلفور» في 2 نوفمبر 1917م.
وعندما بدأت الإمبريالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في وراثة الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة (الإنجليزية والفرنسية والإيطالية) وأمسكت بزمام الحماية للكيان الصهيوني استخدمت هذا المصطلح «الشرق الأوسط» عنوانًا على كل مشاريعها الاستعمارية، من «مشروع أيزنهاور» لملء الفراغ في «الشرق الأوسط» عقب حرب السويس 1956م... وحتى مشاريع الشرق الأوسط الجديد و«الشرق الأوسط الكبير»، التي سعى إليها اليمين الديني الأمريكي، في ظل الحملة الصليبية الغربية على الإسلام والمسلمين بعد سقوط الشيوعية ومعسكرها سنة 1991م، وتوحد قبضة الغرب في مواجهة «الخطر الأخضر» (الإسلام).
ومعروف كذلك، أن هذا المصطلح (الشرق الأوسط) إنما يعبر عن فلسفة هيمنة «المركز الغربي» على «الأطراف» حتى لكأنها العبيد والرقيق التي تسمى بالنسبة لموقعها من «السيد الغربي».. فالشرق الأدنى هو «أدنى» في موقعه من «المركز الغربي».. والشرق الأقصى، هو «أقصى»، في موقعه من «المركز الغربي».. و«الشرق الأوسط»، هو «أوسط» في موقعه من «المركز الغربي».. فهو اصطلاح يجسد «تبعية الأطراف» للمركز الغربي المهيمن.
ورقة الخطوط العريضة المؤتمر «سينودس» صدرت عام 2009م وتم توزيعها على النخبة الكنسية لكاثوليك الشرق في يناير 2010م وكان عدد بنودها 92 بندًا.
لذلك، كان هذا المصطلح الشرق الأوسط منذ نشأته الإنجليزية وحتى هذه اللحظات عنوانًا على المقاصد الإمبريالية الغربية، التي تريد تحويل وطن العروبة وعالم الإسلام إلى «مجرد جغرافيا» مجردة من الهوية الحضارية العربية الإسلامية، كي تقبل هذه «الجغرافيا» الكيان الصهيوني، وكي يتم صبغ هذه «الجغرافيا» بهوية التغريب والحداثة الصادرة من مركز الهيمنة الغربية إلى «الأطراف»!
ولأن هذه هي المقاصد الغربية الصهيونية من وراء استخدام هذا المصطلح، بديلا عن مصطلحات «الوطن العربي» و«الشرق الإسلامي»، كان الرفض لاستخدامه من قبل تيارات الوعي العربي والإسلامي، وفي القلب منها القيادات المسيحية الوطنية والقومية التي أكدت - دائما وأبدًا - أن انتماءها هو إلى العروبة الثقافية والقومية وإلى الإسلام الحضاري الذي مثلته وتمثله الحضارة العربية الإسلامية، التي أسهمت في بنائها، وانتمت إليها كل شعوب الشرق الإسلامي على اختلاف أقطارها وتعدد دياناتها وأعراقها.
وإذا شئنا نماذج لهذا الوعي الحضاري - العربي.. الإسلامي - الذي صاغه وأعلنه قادة مسيحيون علمانيون.. و«أكليروس»، والذي أكد «الهوية العربية الإسلامية لكل شعوب الشرق العربي الإسلامي.. فإننا نقدم للفاتيكان كلمات:
1- الزعيم القبطي البارز مكرم عبيد باشا (1889) - (1961م).. الذي كتب سنة 1939م - أي حتى قبل قيام جامعة الدول العربية سنة 1945م يقول:
«المصريون عرب».. والوحدة العربية من أعظم الأركان التي يجب أن تقوم عليها النهضة الحديثة في الشرق العربي.. إنها حقيقة قائمة وموجودة ولكنها في حاجة إلى تنظيم لتصير أوطاننا جامعة وطنية واحدة... (1).
لقد استخدم مكرم عبيد مصطلح «الشرق العربي»، ولم يستخدم مصطلح «الشرق الأوسط» الذي ابتدعه الاستعمار .. وتبناه الفاتيكان.
كذلك أعلن مكرم عبيد عن تزامل العروبة الثقافية والقومية مع الإسلام الحضاري في تكوين هوية الشرق - بكل أبنائه ودياناته - فقال كلماته الجامعة:
نحن مسلمون وطنًا، ونصارى دينًا، اللهم اجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين (2).
2- والمفكر الحضاري البارز الدكتور أنور عبد الملك الذي كتب يقول:
منذ الفتح العربي الإسلامي دخلنا بالتدريج في إطار دائرة أسميناها منذ إنشاء جامعة الدول العربية سنة 1945م، الدائرة العربية ولكنها، في الواقع، هي دائرة الحضارة الإسلامية.. فالإطار الحضاري للإسلام يشمل المرحلة القبطية «أي المسيحية المصرية»، كما أن لغتنا هي العربية، لغة القرآن (3).
- والمفكر الحضاري الدكتور رؤوف نظمي، الذي قال:
الأمة مرجعيتها واحدة، وهي الإسلام، بما له من تراث وعقائد وأصول، والأساس هو أن يكون للأمة مرجعية واحدة، فإذا كانت الأمة إسلامية فمرجعيتها الإسلام، وإذا كانت كونفوشيوسية فمرجعيتها الكونفوشيوسية. إن أغلبية الأمة مسلمون والمطلوب هو توجيه الجهود للعمل مع الأغلبية التي لا تزال على مرجعيتها التاريخية، وعلى تراثها الحضاري وعلى عقيدتها.
وإذا كانت المرجعية الإسلامية هي مرجعية الجميع، تنتهي المشكلة، فالمطلوب هو أن يكون مشروعنا حضاريًّا من حضارتنا وحضارتنا إسلامية؛ فالمطلوب أن يكون الإسلام هو المرجعية العامة للجميع (4).
4 - والمفكر الدكتور غالي شكري (1935) - (1998م) الذي كتب يقول:
إن الحضارة الإسلامية هي الانتماء الأساسي لأقباط مصر.. وعلى الشباب القبطي أن يدرك جيدًا أن هذه الحضارة العربية الإسلامية هي حضارته الأساسية.. إنها الانتماء الأساسي لكافة المواطنين.
صحيح أن لدينا حضارات عديدة من الفرعونية إلى اليوم، ولكن الحضارة العربية الإسلامية قد ورثت كل ما سبقها من حضارات، وأصبحت هي الانتماء الأساسي، والذي بدونه يصبح المواطن في ضياع.. إننا ننتمي - كعرب من مصر - إلى الإسلام الحضاري والثقافي، وبدون هذا الانتماء نصبح في ضياع مطلق.. وهذا الانتماء لا يتعارض مطلقا مع العقيدة الدينية. بالعكس.. لماذا؟ لأن الإسلام وحد العرب، وكان عاملاً توحيديًّا للشعوب والقبائل والمذاهب والعقائد (5).
ومع هؤلاء المفكرين الحضاريين المسيحيين - الذين اخترنا مجرد نماذج منهم - وقف كثير من أهل الفكر من رجالات «الأكليروس».
5- فالأنبأ موسى -أسقف الشباب في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية- شهد فقال: «من جهة الهوية العربية نحن مصريون عرقًا، لكن الثقافة الإسلامية هي السائدة الآن، كانت الثقافة القبطية هي السائدة قبل دخول الإسلام (6)، وأي قبطي يحمل في حديثه الكثير من تعبيرات إسلامية، يتحدث بها ببساطة ودون شعور بأنها دخيلة عليه، بل هي جزء من مكوناته.
نحن نحيا بالعربية؛ لأنها هويتنا الثقافية، ومقتنعون بالطبع بأن فكرة العروبة فكرة سياسية واقتصادية وثقافية، بالإضافة لوحدة المصير المشترك.
ومصر دائمًا دولة مسلمة ومتدينة، ولكن بدون تطرف.
ونحن نرفض المسيحية السياسية لأن المسيح قال: «مملكتي ليست بالعالم».. ولو حدثت المسيحية السياسية تصبح انتكاسة على المسيحية» (7).
6- والأنبا «يوحنا قلته» -نائب البطرك الكاثوليكي في مصر - الذي أعلن انتماء المسيحيين الشرقيين إلى الحضارة الإسلامية وفخرهم واعتزازهم بهذا الانتماء فقال:
«أنا مسلم ثقافة مائة في المائة، وكلنا مسلمون حضارة وثقافة.. أنا عضو في الحضارة الإسلامية، كما تعلمتها في الجامعة المصرية.. تعلمت أن النبي ﷺ سمح لمسيحيي اليمن أن يصلوا صلاة الفصح في مسجد المدينة.. إنها الحضارة الإسلامية التي تجعل الدولة الإسلامية تحارب لتحرير الأسير المسيحي.. والتي تعلي من قيمة الإنسان كخليفة عن الله في الأرض... وإنه ليشرفني وأفخر أنني مسيحي عربي أعيش في حضارة إسلامية.. وفي بلد إسلامي، وأساهم وأبني مع جميع المواطنين هذه الحضارة الرائعة» (8).
تلك هي الهوية الحضارية العربية الإسلامية لبلادنا - وطن العروبة وعالم الإسلام - الشرق العربي الإسلامي - كما آمن بها، وانتمى إليها، وأعلن عنها هؤلاء المفكرون اللامعون أبناء المسيحية الشرقية، التي هي مكون بناء في هذه الحضارة العربية الإسلامية.. اجتمع على هذا الموقف.. وعلى هذا الانتماء العلمانيون و«الأكليروس»، على حد سواء.
أما هذا الذي زعمته «ورقة العمل» الفاتيكانية، فهو ردة على موقف المسيحية الشرقية لحساب الموقف الإمبريالي الغربي، الذي يريد بلادنا مجرد جغرافيا بلا هوية حضارية، لتتمدد فيها «إسرائيل»، ولتستورد هوية لقيطة، لا علاقة لها بالعروبة ولا بالإسلام!
* ورابع هذه المقدمات: حول حديث هذه الوثيقة الفاتيكانية عن العلاقة «الكاثوليكية، اليهودية».
فعلى الرغم من عدم اعتراف اليهودية بالمسيحية، وموقف التراث الديني اليهودي من المسيح -عليه السلام- ومن أمه -مريم العذراء- عليها السلام... وهو الموقف الذي يبلغ -في الإساءات- الحد الذي يجعل القلم يعف عن ترديد فحشه وتجاوزاته.. والذي يجعلنا نكتفي بإشارات قليلة لهذا الموقف اليهودي من المسيحية والمسيح لإظهار المفارقة العجيبة في موقف الفاتيكان من اليهودية.
ففي الأوساط اليهودية التي تحدثت معاهدة الفاتيكان مع «إسرائيل» في 31/12/1993م عن العلاقة الفريدة بين الكاثوليكية والشعب اليهودي والذين يسميهم الفاتيكان: «الإخوة الكبار.. والإخوة الأعزاء».. في هذه الأوساط اليهودية، أصبح من العادات الشعبية المألوفة البصق ثلاث مرات عند مشاهدة كنيسة أو صليب، مع ذكر الآيات التوراتية التي تشتم الأغبياء وتسبّهم.. من مثل: «فلتحتقرهم كليًّا وتمقتهم» (سفر التثنية: 7: 26).
وينص التلمود على أن عقوبة يسوع في الجحيم هي إغراقه في غائط يغلي!!.. وفي «مشناة توراة» (الشروح الشفوية للتوراة - التي دونها موسى بن ميمون) (1135) - (1204م)، ولخص فيها التلمود - في هذه الشروح يقول اليهودي - كلما سمع اسم يسوع: «أهلك الله الاسم الشرير.. وفليبلى الاسم الشرير، يسوع الناصري وتلامذته»!!
وفي التلمود، أمر لليهود بإحراق أي نسخة من الإنجيل علانية إذا أمكن.. وفي الثالث والعشرين من مارس سنة 1980م أحرقت مئات النسخ من الإنجيل بصورة احتفالية بمدينة القدس، تحت رعاية المنظمة الدينية اليهودية «ياد لعاخيم»، التي تتلقى المعونات المالية من وزارة الشؤون الدينية والإسرائيلية!!(9).
على الرغم من هذا الموقف اليهودي الثابت والشائع من المسيحية ورموزها ومقدساتها.. فإن هذه الوثيقة الفاتيكانية قد أفردت للعلاقات الكاثوليكية مع اليهودية واليهود ضعف المساحة التي أفردتها للعلاقة مع المسلمين!!
ولم يقف الأمر عند «المساحة» وإنما تعدى ذلك إلى طبيعة ونوع العلاقات...
فالعلاقة لا تقف -فقط- عند «اليهود»، وإنما تتعداهم لتشمل «اليهودية» أيضا .. فالبند 85 -من الوثيقة الفاتيكانية- مخصص للحديث عن «الأساس اللاهوتي للعلاقة باليهودية - كما يخص اليهود بشرف الانتساب إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام عندما يخصهم «بالمكان الملحوظ لشعب نسل إبراهيم»!
وفي البند 86 - عندما تصف هذه الوثيقة المسيحيين بأنهم «شعب الله»، تجعل حملهم لهذا الشرف امتدادًا لليهود شعب الله المختار، فيقول:
«شعب الله هو شعب العهد الجديد في استمرارية لشعب العهد القديم»!
وتؤكد - الوثيقة - هذا المعنى وهذا الامتياز اليهودي - في البند 86 الذي يتحدث عن: «الشعوب المتجهة نحو شعب الله: «أولهم ذلك الشعب الذي نال العهود والمواعيد، ومنه ولد المسيح بحسب الجسد».
كما يشير -هذا البند- إلى اهتمام الكنيسة واستعدادها الطيب في علاقاتها مع اليهودية».
وفي البند 87 تشير «ورقة العمل» هذه إلى «الوثيقة المجمعية الثانية»، كلمة الله، التي تعتبر العهد القديم بمثابة تهيئة للإنجيل، وكجزء لا يتجزأ من تاريخ الخلاص.. وتبين الأهمية التي يشغلها الشعب المؤتمن على العهد الأول بالنسبة للكنيسة، وتعني هذه الرؤية الأساسية، كم هو جوهري للكنيسة «الحوار مع الإخوة الأكبر »!!.. حتى ولو لم يكن هذا الحوار سهلا.
* وفي البند 91 تتحدث الوثيقة الفاتيكانية عن:
«شوق المؤمنين (الكاثوليك) ورعاتهم إلى فتح باب الحوار مع اليهودية.. والصلاة المشتركة.. انطلاقًا من المزامير، وقراءة وتأمل نصوص الكتاب المقدس؛ فالصلاة تخلق لدى الطرفين استعدادًا طيبًا يسمح باستدعاء روح الله، لطلب مواهب السلام والاحترام المتبادل والمصالحة، والصفح المتبادل، والعون المتبادل لإقامة علاقات دينية جديدة».
* وعلاوة على كل هذا الشوق إلى كل هذه الآمال - التي لا تجد بالطبع، أي تجاوب من قبل اليهود... يثني البند 93 من هذه الوثيقة - «على رغبة التعمق في التقاليد اليهودية، بدراسة جادة من الناحية التاريخية واللاهوتية خاصة على المستوى الجامعي في الكليات اللاهوتية»:
ولتحقيق كل هذه المهام.. والآمال.. والأشواق الكاثوليكية، في العلاقة اللاهوتية مع شعب الله المختار المؤتمن على العهد الأول.. نسل إبراهيم.. الشعب الذي نال العهود والمواعيد.. الإخوة الأكبر... والإخوة الأعزاء.. لتحقيق هذه الآمال، أقام الفاتيكان خمس مؤسسات تحدث عنها البندان 88، 94، وهي:
1- مجلس الأديان للمؤسسات الدينية - في مدينة القدس.
2- ولجنة الحوار مع اليهود في بطريركية القدس الدينية.
3- ولجنة الحوار على مستوى الكرسي الرسولي مع الرابينية الكبرى لـ«إسرائيل».
4- ولجنة العلاقات الدينية مع اليهود.
5- ونيابة بطريركية للمسيحيين الناطقين باللغة العبرية.
وإذا كان هذا مفهومًا وطبيعيًّا - أن «تشجب» الوثيقة - في البند 90 - «المعاداة للسامية» - حتى بالمعنى الشائع في الغرب والذي يساوي بين اليهود وبين السامية - مخرجًا الشعوب السامية من هذا الإطار.
إذا كان هذا مفهومًا - في وثيقة صادرة عن الفاتيكان تخطط لرعاياه الشرقيين- فإن الكارثة والمأساة الملهاة هي تبرؤ الكنيسة الكاثوليكية من معاداة الصهيونية!!... التي اغتالت الأرض المقدسة - أرض المسيح - واقتلعت المسيحيين - مع المسلمين - من ديارهم .. ففي هذا البند 90 تقول الوثيقة الفاتيكانية:
«إن جميع الأوساط الكنسية في الشرق الأوسط تخطت روح العداء لليهودية.. وإن العداء للصهيونية هو موقف سياسي وبالتالي ينبغي النظر إليه على أنه خارج كل خطاب كنسي»!!
أي إنها تطلب استبعاد معاداة الصهيونية من كل الخطابات الكنسية.. وكأن معاداة الصهيونية رجس من عمل الشيطان يجب أن يتطهر منه الخطاب الكنسي الذي يريده الفاتيكان حتى من الكنائس الشرقية التي أدخلتها الصهيونية - في بلد المسيح- إلى نفق مظلم ومسدود.
إنه الغرام المتبتل في محراب اليهودية... والعاشق للحوار مع اليهود.. شعب الله المختار.. نسل إبراهيم الخاص.. المؤتمن الأول على العهود والمواعيد.. الإخوة الأكبر.. والأعزاء..
مع البراءة من العداء للصهيونية - التي تمارس الفصل العنصري ضد المسلمين والمسيحيين - والتي أدانتها الأمم المتحدة سنة ١٩٧٤م كشكل من أشكال العنصرية ..
هكذا فكر الفاتيكان .. وهكذا أراد فرض هذا الفكر على كنائسه المستقلة ذاتيًّا.. كما يقول - في فلسطين والمشرق العربي الإسلامي!
* خامس هذه المقدمات حول ما جاء في هذه الوثيقة عن علاقة الكاثوليكية مع المسلمين...
* لقد تحدثت في البند 95 عن التقدير للمسلمين... وليس للإسلام!
* وعن الاعتراف بالمسلمين.. وليس بالإسلام!
* وبعد أن تحدثت عن الاتفاق مع اليهودية في اللاهوت.. أعلنت الاختلاف العميق مع الإسلام في العقائد والأصول!
* وأصرت على التنصير للمسلمين - الذين يعترفون بالمسيحية ويعظمون رموزها - مع الامتناع عن التنصير لليهود.. الذين ينكرون المسيحية ويلعنون رموزها!
* وقررت أنه لا صعوبات في الحوار مع اليهودية - التي لا تعترف بالمسيحية - بينما تحدثت في البند (96) عن الصعوبات في الحوار مع المسلمين - فضلا عن الإسلام.
* وعلقت التعايش مع المسلمين على علمنة الإسلام والمجتمعات الإسلامية... متجاهلة غرابة - بل وشذوذ – تعليق التعايش مع الأغلبية على تنازل الأغلبية عن ذاتها وأصولها... وإلا فهل يجوز للمسلمين - مثلا - أن يعلقوا التعايش مع المسيحيين على التنازل عن التثليث؟!
«إن أي تعايش راسخ الأركان بين أي منظومات أو أنساق فكرية أو دينية أو سياسية، إنما يقوم على الاعتراف المتبادل والقبول المتبادل والاحترام المتبادل بين فرقاء هذه المنظومات والأنساق... اعتراف الجميع بالجميع... مع اختصاص كل فريق بشريعته أو برنامجه في الإصلاح.. والمشكل في واقعنا الديني هو أن الأقلية لا تعترف بدين الأغلبية - كدين سماوي - .. بل وتريد من الأغلبية التنازل – بالعلمنة - عن ذاتها وأصولها»!!
* كما تذهب هذه الوثيقة - في البند 96 - إلى الغمز واللمز حول «أقدمية» وجود المسيحية قبل الإسلام.. مع تجاهل أن الوثنية وعبادة «العجل أبيس» هي أقدم من الديانات السماوية الثلاث.. وأن الإسلام يرتب توالي الشرائع والنبوات - منذ آدم إلى محمد - عليهم السلام - كدرجات صعدتها البشرية على سلم الإيمان، حتى جاءت الشريعة الخاتمة المؤمنة بالكل والتي لا تفرق بين أحد من رسل الله!
* وكذلك ذهبت الوثيقة - في ذات البند - 96 - إلى الغمز واللمز، بالإشارة إلى ما أسمته «جذور» الإسلام في الوسط اليهودي والمسيحي.. مع أن حديثها عن الاختلافات العميقة في الأصول بين الإسلام والمسيحية ينفي الحديث عن هذه «الجذور»!
كما تدعو هذه الوثيقة - في البند 98 - إلى مراجعة الكتب الدينية في مناهج التعليم بالبلاد الإسلامية «لتنقيتها» - كما تقول - من «الأحكام المسبقة والصور النمطية عن الآخر»... متجاهلة أن الصور النمطية الإسلامية عن المسيحية تعظم رموز المسيحية واليهودية وكل النبوات والرسالات وتعترف بكل الكتب السماوية، وكل الشرائع الدينية، وتعترف بالمسيحية دينًا سماويًّا، وتقول عن إنجيل المسيح - عليه السلام: إن فيه هدى ونورا.. بينما الصور النمطية لليهودية واليهود عن المسيحية والإسلام... وكذلك تصورات المسيحية والمسيحيين عن الإسلام، هي الإنكار والاستنكار والإقصاء والإلغاء، والانتقاص- بل وحتى الإهانة والازدراء للرموز الإسلامية... حتى ليحق لنا أن نتساءل:
- من يعترف بمن؟.. ومن ينكر من؟!
- ومن يحترم من؟.. ومن يزدري من؟!
نعم، تلك هي الأفكار الرئيسة لما جاء بهذه الوثيقة الفاتيكانية خاصًّا بالعلاقة مع المسلمين.. وهي أفكار تنطلق في جوهرها من عبارات البابا «بنديكتوس السادس عشر» التي قال فيها عن دين الإسلام - دين التوحيد الخالص والتنزيه الكامل أغرب وأعجب ما يمكن أن يقال... قال:
«إن الإسلام ليس دين توحيد على نمط اليهودية والمسيحية، لا ينتمي إلى الوحي نفسه الذي تنتمي إليه اليهودية والمسيحية» (10)!
لقد نسي عظيم الفاتيكان أن يسأل نفسه:
- أين هو التوحيد عند الذين جعلوا الله خاصًا بقبيلة من القبائل، وجعلوا الشعوب الأخرى آلهتها؟!
وأين هو التوحيد عند الذين جعلوا «الأب» -كما هو الحال في الأرسطية الوثنية مجرد محرك أول للعالم-... حرّكه .. وانقطعت علاقته برعايته وتدبيره ليتولى الخلق والرعاية والتدبير - العقل الأول - الكلمة الابن يسوع «خالق كل شيء، الذي به كان كل شيء، وبدونه لم يكن شيء، وهو الألف والياء والبداية والنهاية، والأول والآخر» (يوحنا: 2 - 3 ، رؤيا يوحنا 22 : 13).
نعم، لقد أعادت هذه الوثيقة - في البند 96 - إثبات ما قاله «بنديكتوس السادس عشر» عند زيارته للأراضي المقدسة فلسطين - في مايو سنة 2009م - عندما قال للمسلمين الفلسطينيين: «بالرغم من أصولنا المختلفة، لنا جذور مشتركة.. نشأ الإسلام في وسط كانت فيه اليهودية، وكذلك فروع مختلفة من المسيحية.. كما أن التراث العربي المسيحي له أهمية خاصة في الحوار مع المسلمين، ويجب تنميته – (أي التراث المسيحي) .. بدرجة أكبر»!
كما طالبت الوثيقة - في البند 96 - المسلمين أن يغيروا إسلامهم، وذلك بقطع علاقاته بالسياسة - وعلمنته - لأن «هناك غالبًا صعوبات في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين خاصة بسبب أن المسلمين لا يفصلون بين الدين والسياسة».
الأمر الذي يذكرنا بتصريح المتحدث باسم الفاتيكان، تعليقًا على دعوة 138 عالمًا مسلمًا الفاتيكان للحوار، وصولا إلى كلمة سواء.. عندما قال:
«إن الحوار مع المسلمين صعب؛ لأنهم يؤمنون أن القرآن من عند الله»!!
لقد اتخذت هذه الوثيقة موقف الإقصاء للإسلام عندما قطعت – في البند 99 - «بأن عقائدنا مختلفة اختلافًا عميقًا.. قالت ذلك عن الإسلام الذي يعترف بالمسيحية ويعظم رموزها.. بينما أسرفت في التودد لليهودية واليهود إلى الحد الذي تبرأت فيه من معاداة الصهيونية التي اغتصبت وطن المسيح عليه السلام!.. وألزمت بذلك المسيحيين العرب والفلسطينيين ضحايا هذه العنصرية الصهيونية!
تلك هي نظرة هذه الوثيقة الفاتيكانية للعلاقة المسيحية بين المسلمين الذين يمثلون البحر المحيط بالقطرة المسيحية الشرقية التي تعيش فيه!
الهوامش:
(1) مكرم عبيد، مجلة «الهلال»، عدد أبريل سنة 1939م.
(2) صحيفة «الوفد»، عدد 21/1/1993م.
(3) مجلة «أخبار الأدب»، عدد 30/4/2000م.
(4) مجلة «منبر الحوار»، ص 41، 42، عدد خريف سنة 1989م، بيروت.
(5) صحيفة «الوفد» عدد 21/1/1993م.
(6) في الحقيقة كانت الثقافة الهلينية اليونانية الغازية هي السائدة في الشرق قبل الإسلام.
(7) د. سعد الدين إبراهيم الملل والنحل والأعراق، ص 529 - 534، ط. القاهرة سنة 1990م.
(8) «الأنبا يوحنا قلته»، من حوار دار عقب محاضرة لي - عنوانها: «أثر البعد الديني في الاشتراك في العمل العام دعت إليها لجنة مسيحية ممثلة لكل الطوائف، هي اللجنة المصرية «للعدالة والسلام».. وكان جمهور المحاضرة نخبة من الطوائف المسيحية.. ولقد عقدت الندوة بفندق الحرية - مصر الجديدة في 9/11/1991م، انظر كتابنا: «في الإسلام والسياسية الرد على شبهات العلمانيين»، طبعة مكتبة الشروق الدولية القاهرة سنة 2009م.
(9) إسرائيل شاحاك: «الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود»، ص 28، 29، 36. ترجمة: حسن خضر، طبعة دار سينا، القاهرة، سنة 1994م.
(10) صحيفة «لوموند» - الفرنسية – من مقال للكاتب «هنري»، نقلا عن د. عمار الطالبي - صحيفة «البصائر» الجزائرية في 10/7/2006.
(*) مفكر إسلامي.