; من هو اليهودي؟ | مجلة المجتمع

العنوان من هو اليهودي؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2001

مشاهدات 75

نشر في العدد 1450

نشر في الصفحة 26

السبت 12-مايو-2001

من هو اليهودي؟

.. سؤال معلق بلا إجابة

تبنى مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل في كتابه «دولة اليهود» فكرة إقامة دولة تجمع يهود العالم، وكان من الواضح منذ تبلور المشروع الصهيوني في بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م أن الهجرة هي الشريان الذي يغذي ذلك الكيان بالقوى البشرية، مما يقتضي البحث عن اليهودي حيثما وجد أولًا وقبل كل شيء.

ما يثير الانتباه أن قضية «من هو اليهودي؟» لم تطرح في الأوساط الصهيونية إلا بعد أن تمكن الكيان الغاصب من تكوين «شعب يهودي», عبر موجات من الهجرة المتدفقة، ویری الكاتب الصهيوني موشيه بن زئيف أن إثارة الأمر في وقت متأخر ينطوي على قدر كبير من التناقض؟ «فبينما كان اليهود يهاجرون بشكل جماعي إلى البلاد لم يكن هناك ما يدفعنا للتأكد مما إذا كانوا يهودًا حقيقيين، وعندما توقفوا عن الهجرة أصبح من المهم في نظرنا أن نستوضح ونستبين ما إذا جاء أحد إلى هنا تحت ستار اليهودية, في حين أن يهوديته ليست أمرًا مؤكدًا».

إثارة مسألة حقيقة المواصفات اليهودية لأفواج المهاجرين ليس من شأنها أن تؤثر على حجم التدفق البشري «اليهودي» إلى فلسطين المحتلة، الذي يخضع لاعتبارات براجماتية, وسياسة الباب المفتوح على مصراعيه، لكن المؤكد أن تفجر القضية من شأنه أن يؤدي إلى إشعال نقاط التوتر الداخلي في التركيبة السكانية اليهودية في فلسطين المحتلة على نحو يصعب تقدير أبعاده.

فالكيان الصهيوني يتحول وبشكل غير مسبوق إلى كيانات اجتماعية, وعقائدية, وسياسية معزولة في معسكرات متناقضة يشبه كل منها نموذج الجيتو اليهودي في أوروبا الشرقية، وربما رسمت حالة الطوارئ والحروب المتواصلة مع المحيط العربي ملامح التماسك الداخلي على الكيان الصهيوني، على اعتبار أن بروز عدو خارجي من شأنه أن يدفع الجبهة الداخلية إلى التكتل واستلهام معاني وحدة المصير التي تستدعي القواسم المشتركة إلى الأذهان، لعل هذه الحقيقة ذاتها هي ما يفسر أيضًا اندلاع الصراع التلمودي العلماني في الكيان الغاصب في أواسط الثمانينيات، فمرحلة «اللاسلم واللاحرب» مع العرب أتاحت المجال أمام تفشي أعمال العنف في الشارع اليهودي بمبررات تبدو شكلية للوهلة الأولى، كإحراق التلموديين لمحطات الحافلات التي تعرض إعلانات مبتذلة، وإغلاق بعض المناطق في وجه حركة السير في عطلة السبت، ولكن نظرة متأملة تحت السطح تؤكد أن تلك الحوادث هي قمة جبل الجليد لا أكثر، خاصة أنها ترافقت مع احتدام الجدل بشأن قضية «من هو اليهودي؟».

وجاء التهاب الموقف في سنوات الانتفاضة الشعبية الأولى (۱۹۸۷- ۱۹۹۳) مناسبة مواتية ليتواري الصراع الداخلي، الذي ما لبث أن كشر عن أنيابه مجددًا بعد انطلاق التسوية السياسية، فمع تراجع الحديث عن «عدو خارجي», وتدفق قرابة مليون مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق «مشكوك في يهوديتهم» توافر وقود لجولات أكثر عنفًا من النزاع في المجتمع الصهيوني.

قانون العودة: فتح الأبواب على مصراعيها

ينص «قانون العودة» الصهيوني الصادر في العام ١٩٥٠م على أنه «يحق لكل يهودي أن يهاجر إلى إسرائيل»، وجاء هذا القانون ليرث تدابير إجرائية وقانونية سبق أن اتخذت منذ قيام الكيان الغاصب في ١٤ مايو ١٩٤٨م، خلال ذلك لم يكن الكيان الصهيوني حريصًا على الإجابة عن السؤال الشائك: من هو اليهودي الذي يحق له الهجرة إلى فلسطين المحتلة بموجب القانون؟، ولذا فإن أحدًا في السلطة لم يكن معنيًّا بتفحص كل مهاجر, وما إذا كان قد ولد لأم يهودية بالفعل، أو أنه قد خضع لطقوس التهويد حسب «الهالاخاه».

ورغم حرص القيادة الصهيونية على إضفاء الصفة اليهودية على جماهير الوافدين من أصقاع الأرض؛ بغية الإقامة في «أرض الميعاد» فإنها لم تكن معنية بالتفتيش عن «المشكوك في يهوديتهم» لإعادتهم إلى بلدانهم، حتى عندما كانت الهجرة هي إحدى طموحات الراغبين في تحسين أوضاعهم الاقتصادية في شرق أوروبا وروسيا في تسعينيات القرن العشرين.

كان من الواضح أن تجاهل مدلول كلمة «يهودي» ليس ممكنًا إلى الأبد، وظهر الانشقاق على السطح عندما رفض القضاء الصهيوني اعتماد مدلول المرجعيات الحاخامية لهذه الكلمة، فلقانون العودة طبيعة علمانية تخالف الهالاخاه في فهمها لليهودي ومقاييسه.

والمشكلة تعود إلى نشأة الحركة الصهيونية التي انطلقت بوصفها حركة قومية أوروبية لليهود، لكنها وظفت البعد الديني ببراعة لأهدافها العلمانية؛ لكسب تعاطف التجمعات اليهودية ولإضفاء مصداقية تاريخية مزعومة من خلال نصوص التوراة المزعومة. لقد انتقل معظم المهاجرين إلى فلسطين المحتلة بدافع اقتصادي أو مصلحي أو استجابة لإغراءات الصهيونية وفرارًا من الملاحقات النازية، خاصة مع إغلاق الغرب أبوابه في وجوههم، وإلى جانب ذلك كانت تلوح الشعارات البراقة التي تمزج المنحى القومي بالخطاب الديني, وتتحدث عن دولة اليهود، وكانت فئات المهاجرين تنتقي البعد الملائم لها؛ فيركز بعضها على القومية العمانية، ولا يرى الآخرون سوى أرض الميعاد ونصوص التوراة. لقد كان ذلك منذ البدء إيذانًا بانشقاقات مقبلة ستظهر على السطح لا محالة بين الحين والآخر، بما تمتلكه من قدرات التدمير الذاتي.

لقد تخلل الإحصاء العام للسكان الذي أجراه الكيان الغاصب في العام ١٩٤٨م مفارقات شديدة الحساسية، لأنه تضمن إدلاء السكان بانتمائهم الديني والقومي، وبعد وصول أول نزاع إلى القضاء قررت المحكمة أنه يترتب على موظف الإحصاء أن يتسلم التصريح المعطى له بشأن قومية الناس ودينهم دون الاكتراث بحكم الهالاخاه بشأن حقيقة انطباق هذه الصفة، ولذا فقد أمرت المحكمة موظف التسجيل باستلام تصريح الشاكي بنيامين شليط وتسجيل أولاده على أنهم يهود رغم أن أمهم غير يهودية، لكن حكومة الكيان انقلبت في وقت لاحق على هذا الحكم لتصف اليهودي في قانون العودة أنه: «من ولد لأم يهودية أو تهود ولا ينتمي إلى دين آخر»، دون أن تشير- بقصد- إلى عبارة «حسب الهالاخاه».

هل يتحول الكيان الصهيوني في القرن الجديد إلى تجمع بلا هوية؟

الحسم المتحيل لأزمة الهوية

ومقابل الحسم الذي اعترى إحصاء السكان فإن قانون تسجيل السكان خضع لتقلبات بين التفسير العلماني, والمقاييس التلمودية بحسب التوجهات الأيديولوجية لوزير الداخلية، فالوزير یسرائیل بار یهودا أقر أن «الشخص الذي يصرح أنه يهودي سيسجل على أنه يهودي، ولا حاجة إلى برهان آخر»، فيما نصت صيغة الوزير موشيه حاييم شابيرا على أنه «يسجل على أنه يهودي من ولد لأم يهودية ولا ينتمي إلى دين آخر، أو من تهود حسب الهالاخاه».

التراجع الرسمي عن هذا التفسير أو ذاك لصفة «يهودي» كان يتم لأغراض براجماتية بحتة في الغالب، بما يحفظ للحكومة القائمة في حينه واستقرارها، أو بما يفي لتلك بوعودها السياسية للقوى السياسية المتطرفة أو العلمانية، أي أن هدوء القضية عاجلًا كان ينذر باندلاعها بشكل أعنف أجلًا، دون أن يجرؤ أحد على الزعم أنه يمتلك حلًا سحريًّا للمعضلة التي تمس جوهر «دولة اليهود» كما أرادها هرتزل منذ البدء.

لقد سعت حكومة بنيامين نتنياهو إلى مغازلة القوى التلمودية في الكنيست التي عملت خلال عهده على تعزيز حضورها في المؤسسات القانونية؛ بهدف حسم مسألة «من هو اليهودي؟» لصالحها، فيما شهد عهد إيهود باراك محاولات عكسية أسماها بـ «الثورة العلمانية», وسرعان ما تبين أنها مجرد تراشق في الاتهامات بين قادة «ميريتس» العلمانية و«شاس» المتعصبة، وكان واضحًا لعهدي نتنياهو, وباراك أن الاقتراب من نقطة الحسم يشبه إشعال فتيل مخزون البارود الكامن، ومن يجرؤ على القيام بذلك؟، ولذا فإن موشيه بن زئيف رأى أنه «مع مرور السنين يتضح شيئًا فشيئًا أنه لا تتوافر إمكانية لتكوين إجماع وطني في مسألة من هو اليهودي».

والحقيقة أن ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء صهيوني اكترث بالقضية في وقت مبكر، عندما أجرى استطلاعًا في أوساط حاخامي الكيان العبري طالبهم فيه باقتراح صيغة للصفة اليهودية التي يمكن اعتمادها مقياسًا من جانب الكيان الناشئ، واشترط عليهم أن تلائم هذه الصيغة «التقاليد المألوفة في جميع الأوساط اليهودية المتزمتة والليبرالية على اختلاف تياراتها، والظروف الخاصة للدولة بوصفها دولة يهودية ذات سيادة تضمن حرية التعبير والدين وكمركز لجمع الشمل».

وكانت المفاجأة أنّ أحدًا من الحاخامات الذين استطلعت آراؤهم لم يهتد إلى صيغة موفقة، بل إن القاضي الدكتور زيلبرج أوضح في حينه أن «التقاليد المألوفة في كل الأوساط اليهودية المتزمتة والحرة للتيارات على اختلاف أنواعها هي بمثابة أمر متناقض ولا توجد تقاليد أو آراء مشتركة كهذه».

تناقض صارخ

إنّ الأصوات التي تعلو عند الحديث المفعم بالعاطفية المصطنعة عن «الشعب اليهودي» و«المهاجرين اليهود إلى أرض الأجداد», تبدو خافتة عندما تحاول الإجابة عن سؤال: «من هو اليهودي؟»، فتتراوح بين التركيز على التطور التاريخي, والرصيد التراثي, والانتماء العرقي من جانب، أو الاختيار الإلهي, والتاريخ اليهودي بطابعه التلمودي من جانب آخر.

وكانت صحيفة «هتسوفيه» العبرية المقربة من التيار الصهيوني المتزمت قد نشرت في الخامس من أبريل ۱۹۸5 آراء لنخبة من القانونيين ومسؤولي الشؤون الدينية والخبراء الصهاينة بشأن مسألة الهوية، ومن جانبه رأى البروفيسور دانئيل العيزر أن هناك ثلاث طرق لتعريف «اليهودي»؛ هي: طريقة الهالاخاه، والطريقة الاجتماعية التي من شأنها تعريف بعض اليهود الذين اعتنقوا المسيحية على أنهم يهود بحسب انتمائهم الاجتماعي، والطريقة السياسية المدنية التي تطورت في الكيان العبري.

وأما عضو الكيبوتس دوف ريغل الذي يعد منظرًا لحركة الكيبوتسات التلمودية؛ فطالب المتجادلين في قضية الهوية هذه أن يطرحوا «أدلة قوية ومقنعة» بالنسبة لمشكلة «من هو شعب إسرائيل؟ وما هي القومية اليهودية؟»، ويضيف قائلًا: «إنكم تقولون أن من يعلن أنه يهودي فهو يهودي, ولكن الأمر ليس كذلك، فالإعلان يثبت حقيقة نفسية داخلية وليس حقيقة واقعية»، ويؤكد «لا يكفي للشخص أن يعلن أنه يهودي ليصبح يهوديًّا، فبالنسبة للشعب اليهودي فإن القانون والدين حقًا هما اللذان يقرران من هو يهودي أو ما هي اليهودية؟».

بدوره فإن الدكتور زيرح فارها فتبح وزير الأديان السابق يرى أن القضية برمتها هي «مشكلة اليهودية العلمانية التي لم تنجح في أن تبلور لنفسها قومية علمانية رغم محاولات متكررة»، ويحسم القضية باعتبارها «لا تمثل مشكلة، إذ إن كل من هو مناسب للتعاليم والقوانين الدينية مهما كان بعيدًا عنا يظل يهوديًّا حتى لو اعتنق الدين المسيحي»، فاليهودي برأيه لا يشترط فيه أن يكون يهوديًّا.

وتتضارب الآراء أكثر فأكثر, فالبروفيسور اليعازر شبايد يقول إن «للقومية اعتبارًا تاريخيًّا, واليهودي هو الذي ولد لأبوين يهوديين، سواء أكان محافظًا على الشعائر اليهودية أم لا أو إذا كان مؤمنًا أم لا، وحتى بالنسبة لعملية التهويد فإنّ الشخص الذي يتم تهويده يصبح ابنًا بالتبني للشعب اليهودي، وهذا بمثابة تبن قانوني»، على حد وصفه.

الصهيونية أرادتها دولة لليهود فكانت دولة لتجمعات متباينة. 

بالمقابل يستبعد البروفيسور أهارون أنكر هذا الفهم «فالقومية اليهودية ليست كذلك، فهي مندمجة اندماجًا عضويًّا بالدين اليهودي, ولا يمكن بناء قومية علمانية»، ويؤكد أن قومية من هذا النوع «لا تستطيع إبقاءنا يهودًا إلى الأبد»، كما يعتقد، ويقدم البروفيسور برمياهو برنوبر الذي نشأ في الاتحاد السوفييتي السابق وصفًا مغرقًا في العاطفية للهوية اليهودية فيقول: «إنني يهودي لأن شعب إسرائيل رضي بالتوراة وبعبء الوصايا العشر، إننا يهود لأننا أبناء هذا المكان «فلسطين المحتلة»».

والطريف في مقياس برنوبر أنه أشار إلى عامل المكان الذي لا يمكن إنكار الارتباط التاريخي والقانوني للعربي الفلسطيني به، بينما ينسج المسؤولون الصهاينة الأساطير حول انتماء الروسي, والأثيوبي, واللاتيني إلى أرض فلسطين التاريخية.

ويسخر قاضي المحكمة العليا سابقًا الدكتور إسحق كيستر من الرأي القائل إنّ شعور الشخص أنه يهودي كاف لأن يكون يهوديًّا، كما یری جان بول سارتر مثلًا وتيار عريض من المنظرين اليهود, فاليهودي باعتقاده هو «من ولد لأم يهودية أو اعتنق الدين اليهودي بصورة شرعية».

من يحسم أزمة الهوية؟: تبدو تركيبة الكيان الصهيوني السكانية أشبه بـ«مختبر بشري»، فحسب بيانات العام ۱۹۹۲ يشكل الأوروبيون والأمريكيون قرابة ٤٠% منها، وتتوزع ٢٠% منها على أصول أفريقية، و١٧% على أصول آسيوية «غير فلسطينية»، وتبلغ نسبة فلسطيني المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ قرابة 20% من السكان، ورغم المدلولات العميقة لهذا التوزيع الذي تميل فيه نسبة اليهود الغربيين إلى الضمور لحساب اليهود الشرقيين بما يعزز الانقسام الإثني، فإنّ الانفصام الداخلي يبدو أكثر تعقيدًا على أرض الواقع لأن هذه النسب تتوزع على خريطة من الجزئيات العرقية, والطائفية, والأيديولوجية والطبقية, بل اللغوية أيضًا، التي يصعب حصرها.

ولا يمكن تجاهل حرص صانع القرار على إيجاد تعريف فضفاض يستوعب هذه الفسيفساء العرقية والعقدية في إطار الكيان العبري دون أن يتجرأ على استثناء أحد مكوناتها التي ستنقلب عليه، ويشجع التهجير الجماعي لكل من يعتقد بيهوديته إلى فلسطين المحتلة، وبكلمة آخرى يتضح أن صانع القرار غير معني في الأصل بإيجاد حل لمعضلة «من هو اليهودي؟» بقدر ما يتوجب عليه ترضية جميع الأطراف, ونزع فتيل الأزمة, وربما استثمارها سياسيًّا لصالحه.

ومع عدم قدرة المؤسسة القانونية على البت في القضية يكون المجال متاحًا لأن يعلو صوت القوى المتطرفة والعلمانية؛ لأن تضغط باتجاه حسم القضية على طريقتها، والمسألة هنا أعقد من مجرد معسكر تلمودي مقابل معسكر علماني، فالتلموديون منقسمون على أنفسهم بشكل يفوق التصور، والشقاق يصل إلى حد الإخراج من الملة اليهودية بالكامل بسبب التباين الطائفي، كما يستعر النزاع بين اليهودية الأرثوذكسية التي تسود في فلسطين المحتلة، واليهودية المحافظة والإصلاحية التي تمثل الأغلبية في الخارج، لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، كما لا يمكن تجاهل الشقاق التاريخي بين الأرثوذكسية النصية والحسيدية الروحية.

يقود هذا إلى الإقرار أنّ المعسكر التلمودي أعجز من أن يطرح تصورًا موحدًا للهوية اليهودية لا يستثني كل التجمعات العقدية، فيما يزداد حنق القوى العلمانية التي تنهمك في تراشق الاتهامات مع المعسكرات العقدية المتنفذة والحريصة على الانقضاض على المؤسسة القانونية لاستبعاد الآخرين من الصفة اليهودية.

المؤثرات الخارجية

لقد انبعثت الهوية اليهودية الجديدة، التي أتاحت قيام الكيان الصهيوني، من موجة العداء لليهود في أوروبا, ومن الملاحقة النازية ومعسكرات الاعتقال ورواية أفران الغاز، بل إن المفكر اليهودي بولندي الأصل إسحق دويتشر يستنتج أن البيئة التي أحاطت باليهود وناصبتهم العداء هي التي منحت الصفة اليهودية القدرة على الاستمرار في الحياة والتجدد، وبدون ذلك «لم يكن بوسع اليهود إلا نادرًا أن يستمروا في البقاء إلى أيامنا هذه بوصفهم جماعة محددة، إذ إنها ستكون قد ذابت بالكامل» في محيطها غير اليهودي,

ويذهب دويتشر إلى الإقرار أنّ «هتلر قام بأكبر مساهمة لإعادة إنعاش الهوية اليهودية»، من خلال الهولوكوست الذي يمثل شهادة ميلاد لـ «وعي يهودي جديد وأمة يهودية جديدة»، وبقدر ما كان الهولوكوست محرضًا على انبعاث هوية يهودية مستقلة ضمن دولة لليهود، كانت المواجهة مع العرب, وعقدة الأمن ورواية إلقاء اليهود في البحر, بواعث على تبلور قواسم مشتركة وطيدة في «دولة الأقليات».

ولذا فإن مشكلة تعريف صفة اليهودي لم تبرز إلا مع المحاولة القسرية لافتعال هوية يهودية بمعزل عن الانتماءات القطرية ومواصفات كل جماعة يهودية حول العالم، ومن ثم إطلاق تعريف جامع مانع على هذا الخليط المنتزع من جذوره.

یهود غیر یهود

وكان إسحاق دويتشر قد ألقى محاضرة في فبراير ١٩٥٨ ونشرت في كتاب بعد وفاته في العام ١٩٦٧ تحدث فيها عن «اليهودي غير اليهودي»، ويعني بهذا التعريف فئات من اليهود الذين ينظر إليهم على أنهم يهود رغم تلاشي يهوديتهم، وقد يكون كثير منهم من المتنصلين من اليهودية في الأصل، أو من المؤمنين بعقائد مادية لا دينية.

إن الكيان الصهيوني كان ومازال يعتبر «اليهود غير اليهود» أيًّا كانوا على أنهم يهود بوسعهم العودة إلى أرض اللبن والعسل، ويعيد هذا الوصف إلى الأذهان أولئك الذين «يكتشفون» يهوديتهم فجأة بدافع نفعي.

ففي السنوات الماضية كانت هواتف الوكالة اليهودية في موسكو ووارسو, لا تكف عن الرنين من فرط مكانات الذين اكتشفوا جذورهم اليهودية, ويطالبون بتيسير هجرتهم إلى «أرض الأجداد».

وبالطبع فإن موظفي الاستيعاب في مطار بن جوريون يساعدون أولئك الذين لا يعلمون شيئًا عن أبجديات اليهودية في اكتساب صفة «مواطنين إسرائيليين» على خلفية يهوديتهم المزعومة، وإلا لما كان الكيان الصهيوني قد تمكن من مضاعفة سکانه ست مرات منذ قيامه.

..دولة منزوعة الهوية؟

على الكيان الصهيوني أن يختار واحدًا من احتمالين: إما أن يتحاشى الإجابة عن السؤال الذي لا إجابة عنه، فيستمر في نسج تعريفات فضفاضة ومتذبذبة للصفة اليهودية، وهو الاحتمال الذي يتماشى مع إحدى خصائص الدولة التي ليس لها حدود سياسية ثابتة.

لكن ذلك الخيار سيبقى إحدى نقاط ضعف الكيان الذي أرادته الصهيونية «دولة اليهود»، لكونه قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة، بقدر ما يوفره من مشروعية براجماتية لاستيعاب المزيد من المهاجرين من أنحاء العالم بغض النظر عن حقيقة هويتهم، بما يعوض الفجوة البشرية التي يعاني منها الكيان.

وأما الاحتمال الثاني المطروح فيتمثل في حسم القضية من أساسها وتجاوز العقبة الكأداء.

والواضح أنّ نية صانع القرار لم تتجه للجسم طيلة ٥٣ سنة، فضلًا عن نصف قرن من الصهيونية السياسية السابقة لقيام الكيان، وذلك لأنه بكل بساطة غير ممكن التطبيق دون التسبب في أزمة داخلية مرشحة لإشعال حرب أهلية.

ولاشك أن تبلور هوية يهودية جديدة مرتبطة بالمكان, من خلال جيل الصابرا مثلًا، المولود في فلسطين المحتلة والذي تشكل نسبته ٦٠,٧% حسب بيانات العام ۱۹۹۲م، يبدو للوهلة الأولى مؤهلًا للقفز على تنازع الهوية بين «التجمعات اليهودية» في فلسطين، عبر آلية الاندماج التي تسعى لبناء شخصية مميزة في خصائصها. بيد أن هذا يشبه الطموح الحالم لا أكثر، ما دام أن الاندماج بقي أشبه بعملية خلط الزيت بالماء، فيما تنزع الدولة التي تعرف اليوم الكثير من «الهويات اليهودية» إلى استلهام نموذج الأقليات الذي لم تنج منه القوى السياسية الكبرى بعد أن خسر العمل والليكود معظم مقاعدهما في الكنيست خلال ربع القرن الماضي لصالح تشكيلة واسعة من «أحزاب المصالح» التي تعبر عن جماعات إثنية, وطائفية متنازعة تتزايد قدراتها الاستقطابية، وتعود بالأذهان إلى مواطن هذه التجمعات الأصلية، ومن المؤكد أن هذه النزعة آخذة في التفاقم لتبدد أوهام الهوية اليهودية الواحدة.

وإلى جانب هذا التطور يلاحظ تكريس الانقسامات العقائدية والأيديولوجية التي يرافقها عنف واضح في الخطاب والممارسة، ابتداء بالتلاسن بين زعماء «شاس» وقوى اليسار، أو بين الحاخامية الأرثوذكسية وزعماء اليهودية الإصلاحية، أو حتى من خلال العنف السياسي الذي كشفت حادثة اغتيال إسحق رابين رئيس وزراء الكيان الأسبق عن جانب منه.

وقد يلوح مخرج واقعي من الأزمة برمتها لا يستبعد أن ينال حظه من التأييد في بعض تجمعات اليسار الهامشية، وهي إلغاء الصفة اليهودية للكيان والشعب بالكامل، ويتسق هذا المنحى مع الحديث عن مرحلة «ما بعد الصهيونية» التي تردد التبشير بها في العقد الماضي.

فالدولة التي يفترض أنها استجمعت مقوماتها الأساسية؛ السكان والأرض والسلطة، بوسعها «افتراضًا» في «حقبة السلام» أن تعيش بشكل طبيعي كغيرها من دول المنطقة والعالم، ومجرد الإقرار بفكرة كهذه- على استحالتها- يعني التراجع عن طروحات الصهيونية، وإسقاط صفة تمثيل يهود العالم عن الكيان، وقطع صلاته الحيوية بهم، إلى جانب ما يستدعيه الأمر من إعادة النظر في المنظومة القانونية المعمول بها, وفي مقدمتها قانون العودة اليهودي، علاوة على إعادة قراءة القضية الفلسطينية.

إن هذا يعيد القضية إلى المربع الأول، فهل كان البرنامج الصهيوني واقعيًّا منذ قيامه؟ وكم هو العمر الافتراضي لهذا الكيان القائم في الأصل على هوية يرفض تحديدها؟!.

الرابط المختصر :