العنوان من هنا نبدأ
الكاتب وليد شلبي
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001
مشاهدات 83
نشر في العدد 1479
نشر في الصفحة 48
السبت 01-ديسمبر-2001
طغت أحداث سبتمبر على ما سواها من أحداث، ودار العالم كله في فلكها، بل زاد البعض ليؤكد أنه سيؤرخ بما قبلها وما بعدها، ويبقى السؤال المحوري والأهم: أين نحن من هذا كله؟ فمع إدانة أحداث سبتمبر، جاءت الإدانة المماثلة لما تتعرض له أفغانستان من حملة لا يبررها سوى وضوح المقاصد الأمريكية وسقوط الأقنعة. إن رفض التيار الإسلامي الواضح لضرب أفغانستان، كان بمثابة حجر الزاوية لنبض الشارع والمقياس الحقيقي له الذي عبر بوضوح عن مدى تلاحم هذا التيار بالقاعدة الشعبية، لقد وضح أن التيار الإسلامي على وعي تام بالمخططات، وأدرك حقيقة ما يرمي إليه الغرب من السعي للسيطرة على منطقة بحر قزوين، بل السعي لإعادة تنظيم العالم كله تبعًا للمنهج الأمريكي، والقضاء على كل مصادر الرفض للتبعية الأمريكية، كما يعني أن كل من يرفض أو تسول له نفسه رفض سياسة أمريكا سيكون هذا مصيره وتلك عاقبته.
بعد هذا العرض السريع يبقى السؤال المحوري والأهم: ماذا نحن فاعلون؟ وما دورنا وقد يكون الدور علينا؟ هل نسلم قيادتنا لأمريكا وندور في فلكها أم نقف متفرجين؟ وهل هذه الأحداث بعيدة عنا بحيث لا تشغلنا ولا تأخذ حيزًا من تفكيرنا ولا نعيرها بالًا؟ إن المتابع يدرك تمامًا أنه قد أعلنت حرب ضد الإسلام، وقد كثرت فلتات ألسنة المسؤولين الغربيين، والمرء يعرف بفلتات لسانه، وفي تواتر الأنباء والتحليلات ما يؤكد أن الإسلام كله قد وضع في قصعة واحدة، وها هي الأمم تتداعى عليه، وهذا يؤكد أن المحنة قادمة وتطل برأسها من قريب للبعض ومن بعيد للبعض الآخر، فقط مسألة وقت ليأتي الدور على الجميع لينفرد الغرب بالعالم الإسلامي بلا صوت ينغص عليه سعيه لتحقيق أهدافه. وبناء على ذلك أصبح جميع العاملين للإسلام في مرمى السهام ومحط الأنظار، والكل آتٍ عليه الدور، فماذا نحن فاعلون؟ إن أول ما يجب علينا فعله هو التمسك بحبل الله المتين والتقرب إلى الله فهو مصدر القوة والعون، والالتجاء إليه والتضرع إليه بالسحر ليكشف عنا الغمة.
ثم يأتي الاستعلاء الإيماني على كل الأرض وما فيها ومن فيها، واستشعار عظمة ما نحمله من إيمان واثق بالله، وأن الله ناصر من ينصره، وأن وعد الله حق، فلنحاول نصرة الله في ذوات نفوسنا وواقع حياتنا ليتحقق لنا نصر الله عز وجل. وتأتي بعد ذلك ضرورة المحافظة على ثوابت الفهم الصحيح للإسلام وعدم الحياد عنها، وعدم تمييعها ولا إحناء الرأس لإرضاء أي طرف، فإذا میعت ثوابت أي عمل في محنة انهار العمل بعدها، أما بقاء العمل على ثوابته في المحن وعدم ترخصه فذاك أهم عوامل بقائه وانتشاره بعدها.
ولا بد من الالتزام التام والتحلي بالجندية في أجلى صورها؛ حتى لا يسبب أحد للعمل مكروهًا أو يجره لمتاهات هو في غنى عنها. ولا بد من تحلى الأفراد بالثبات وعدم الوهن والتراخي في التعامل مع المحنة، وأخذ كل الأسباب المعينة على الثبات كل بقدر جهده وطاقته، بحيث لا يبقى لأحد منا جهد مذخور، وليستشعر كل منا مسؤوليته. كما ينبغي ربط الأحداث الحالية بقضيتنا المحورية «فلسطين»، وعدم الانسياق خلف وسائل الإعلام في تناسيها، وضرورة تذكرها والعمل الجاد على فضح الممارسات في فلسطين وأفغانستان على حد سواء.
فإذا كان هذا واجب الفرد، فهو أوجب وأعم للعمل الإسلامي وجماعاته وتنظيماته المختلفة، ولينظروا إلى تعامل الإخوان المسلمين مع الأزمة الذي عبر بوضوح وجلاء عن منهجهم الوسطي المعتدل، فمع إدانتهم للاعتداء على أمريكا ومطالبتهم بالبحث عن الفاعلين وتقديمهم للمحاكمة، لم يفرطوا في حمايتهم للمقدسات الإسلامية والحفاظ على حرمة الدماء والأراضي الإسلامية وعدم المساس بها، وعدم الاعتماد على الشبهات في معاقبة شعوب بأسرها، وكشفهم الأهداف من وراء الحملة على أفغانستان.
إن في موقف الإخوان الرافض للحملة على أفغانستان دليلًا على ثبات منهجهم وعدم ترخصهم في التعامل مع الأزمات، وفي هذا دعوة لمختلف الاتجاهات والتيارات الإسلامية لتسلك هذا السبيل لتوحد الطاقات وتحاول الخروج من هذه المحنة بأقل خسائر. كما أن على قادة العمل الإسلامي بذل الجهد لتوحيد الصفوف، والعمل الجاد لحمايتها واستشعار المسؤولية العظمى الملقاة على عاتقهم: مسؤولية دورهم في الوقوف بجانب الحق في وجه الباطل، ومسؤوليتهم في حماية صفهم بل الإسلام كله، كما أن عليهم استشعار مسؤولية هدفهم لأستاذية العالم، وعدم التنازل عن هذا الهدف حتى في الظروف الحالكة، فإذا تهاونوا فيه الآن فلن يحققوه فيما بعد.
إن المحن الجسام هي محطات انطلاق وتغيير في حياة المسلم والعمل الإسلامي كله، لتكن إذًا هذه المحنة نقطة انطلاق للإسلام نحو عالمية تحقق لنا أستاذية العالم، ولعل في شغف الغرب الاطلاع على الإسلام ومبادئه أحد أهم مبشرات النصر القادم بإذن الله. إننا في حاجة لوحدة صف صلب لا يتطرق إليه خوف ولا وهن ولا تمييع، في حاجة لتوحيد الطاقات والجهود لمواجهة الهجمات بقوة وعزة وكرامة وعدم خنوع. وليكن قدوتنا في ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما كانت الهجرة -مع ما فيها من آلام ومتاعب ومحن- محطة انطلاق نحو نشر الرسالة، وكما كانت غزوة الأحزاب مبشرًا بفتوحات عظيمة، فلتكن هذه المحنة بداية للانطلاق نحو عمل جاد وجهد متواصل لحماية الإسلام والدفاع عنه، والذود عن حماه، والعمل على نشره في مختلف أنحاء العالم، وليكن شعارنا «من هنا نبدأ».