; من ملامح الفكر الماركسي- مسألة الطبقات الاجتماعية وسلم العصابة السلطوية إلى الحكم | مجلة المجتمع

العنوان من ملامح الفكر الماركسي- مسألة الطبقات الاجتماعية وسلم العصابة السلطوية إلى الحكم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

مشاهدات 81

نشر في العدد 413

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

  • الشيوعية أيديولوجية قائمة علي التعصب الفكري الأعمى والقسوة البوليسية.. 

يتوقع المفكرون الغربيون أن الفكر الماركسي/ اللينيني سوف يواجه ردة بشرية في يوم ما، ويعتقد هؤلاء أن المشكلات التي برزت في العالم بسبب انتشار الشيوعية في أوروبا وغيرها إنما هي مشكلات إنسانية بالغة الخطورة، فقد وقفت القوى البشرية أمام الامتهان البالغ لإنسانية الإنسان في النظم الشيوعية، ورأت عجز الشيوعيين أنفسهم عن حل المشاكل الإنسانية التي أحدثتها الماركسية، وما حدث من نزع قوى الفطرة وسلبها من الإنسان في تلك المجتمعات، وإزاء هذه الأيديولوجية الفكرية التي تجعل من نفسها متمثلة بالحزب قوة عليا، ومن البشر المحكومين آلات صامتة، أو قدرات مسخرة في إطار طبقة خادمة دنيا، فإن القهر المتولد من هذه الطبقة الجديدة، سوف يؤدي في نهاية الشوط إلى انسلاخ الإنسان من تلك النظم في يوم ما، بحثا عن إعادة معاني الإنسانية إلى الإنسان، ولا سيما معنى الحرية التي هي من أخص خصائص الإنسانية، وقد بشر المفكرون الإسلاميون باندحار الفكر الشيوعي وزواله من الوجود قبل أن يطلق المفكرون الغربيون مقولاتهم تلك وإن كان «أوريل» في فكرته عن المستقبل يرى بأن الجيش البشري في حركة تقدم دائمة من العبودية إلى الحرية، فإن هذا يقود إلى سؤال يستوضح المرء فيه عما إذا كانت الحرية هي الحال الطبيعية للإنسان، أم أنها حدث تاريخي عرضي له حدوده الجغرافية والزمنية، لقد أجاب بعضهم على ذلك بأن الحرية تتحقق من خلال ممارسة أسلوب معين من التفكير، ذلك التفكير الذي يُسلم بأهمية الفرد وقيمته في المجتمع، وافتقاد الفرد لهذا المفهوم للحرية في المجتمعات الماركسية يؤدي إلى شعور ذلك الفرد بالحقد والنقمة على نظام دولته، ويؤدي إلى ترقب لحظة الانفكاك من ذلك النظام، طلبًا لرد الحرية واكتمال إنسانيته التي فقد بعض عناصرها في ظلال النظام الماركسي.

  • كيف يحقق الإنسان نفسه في نظام ماركسي؟ وكيف يشعر بإنسانية إذا فقد الشعور بالحرية؟ 

إن الدليل الذاتي على حرية الفرد ليس هو الممارسة البدنية، وتحقيق الإنسان لنفسه ليس توقيت نظام الطعام والنوم، الركوب بالناقلة أم بالسيارة، إن ذلك لا يتحقق إلا من خلال حرية التفكير الإنساني، الذي يحقق إنسانية الإنسان ويشعره بقيمته في الجماعة، وهذا التفكير هو الذي يجعل من المجتمع وعاء واحدًا يضم عددًا من الأفراد الذين يستطيع كل منهم أن يعبر عن نفسه وعن ذاته من داخله.

إن المجتمع أداة تخدم الأفراد، وتفسح لهم المجال للاستقلالية الوجدانية على الأقل، وهذا ما رفضه الماركسيون فالإنسان في نظر ماركس ولينين لا يحقق ذاته إلا في حالة واحدة، وهي الحالة التي يقبل فيها بضرورة تحويل نفسه إلى صورة الإنسان الذي يتحد مع المجتمع دون أن يتميز عليه بأية فضيلة وأي مفهوم آخر، أي أن يكون الإنسان دمية عصرية تنطق ولا تتحرك وتؤدي ما يطلب منها، ومعنى هذا الكلام عمليًا، أن الفرد في المجتمع الماركسي يجب أن يتنازل عن حقه في التعبير عن ذاته إلى من ينوب عنه «وهو عادة لا يمثله»، وهذا هو الذي يعتبره الآن كل من يعيش في مجتمع الشيوعية مشكلة إنسانيته المسلوبة.

  • الطبقات الاجتماعية والبروليتاريا وعصابة السلطة:

على أن هناك مشاكل أخرى حملها النظام الماركسي للإنسان، ذلك أن المفهوم الماركسي عن الطبقات الاجتماعية- أي تقسيم المجتمع إلى طبقات حسب ملكية وسائل الإنتاج، أدى إلى اعتقاد الماركسيين بأن التاريخ اختارهم منقذين ومخلصين للإنسانية من شقائها، لقد أخذ الماركسيون فكرة «الصفوة» أو الجماعة المختارة من فكرة الحق الإلهي للملوك، ووضعوها في إطار علمي جديد طرحوه في نظريات البروليتاريا، ويكون بذلك أن البروليتاريين يعتقدون أن التاريخ الذي اختارهم في هذه المرحلة قد أعطاهم حق القيادة والتشريع المطلق المستبد، ثم انطلق زعماؤهم باحثين عن القيادة فبلوروا النظرية ذاهبين إلى أن البشر جميعًا حتى البروليتاريا لا يمكن الوثوق بهم، ولا يمكن بهذا أن يعرفوا حقائق الأمور، وما هي مصالحهم التاريخية الحقيقية، لذا فمن الضروري في رأي ماركس، أن تنتقل سلطة اتخاذ القرارات من البروليتاريا إلى ممثليهم الذين عينهم التاريخ لقيادتهم إلى الطبيعة المختارة إلى الحزب الشيوعي وجهاز الحزب الحكومي الذي عليه أن يحمل عبء القيادة بكل سرور، ولكن بما أن هذه الطليعة المختارة المتمثلة بالحزب هم أفراد يمكن أن يكون لهم أخطاؤهم من مسؤولية قيادتهم للخروج بهم من قفار المجتمع الإقطاعي والرأسمالي إلى جنة الشيوعية المزعومة، يجب أن تنتقل إلى مجموعة أصغر من القادة وفي أغلب الأحيان تتركز سلطة اتخاذ القرارات في يد رجل واحد يأخذ لنفسه ويحتكر كل صلاحيات أعوانه، وهكذا يقوم مجتمع المستقبل الذي تعمه المساواة على أبشع صورة من عدم المساواة في السلطة والنفوذ.

إن النظر إلى البشر على أنهم طاقة منتجة ينطوي على امتهان خطير لإنسانيتهم، وقد يكون مما يمكن المجادلة فيه، أن التركيز على الإنتاج يمنح العمل الإنساني نغمة خاصة، يمكن أن يشعر المرء بها من ذلك السعي الدائب للريكارديين لإيجاد تفسير لقيم السلع مبني على قيمة العمل، ولكن التركيز على وظيفة الإنسان كصانع للسلع، يحمل إغفالا كبيرًا للغاية أو الغرض من الإنتاج، ألا وهي إشباع حاجات الإنسان وتوفير الرفاهية له، وينقل هذه الأفكار إلى السياسة، تصبح سياسة تأجيل الحاجات الشخصية في مراحل النمو الاقتصادي المبكرة، إن لم يكن دائمًا هو الحال كما هو مع الماديين- هي الطريق السهل أمام السوفييت على أن مشكلة عادة ترتيب أوليات الإنفاق في الاتحاد السوفييتي، أو في أي مكان آخر من العالم الشيوعي، لم تكن هكذا ببساطة مشكلة اقتصادية، فإنها تحمل في ثناياها دلالات أشد عمقًا على مبدأ التنقيح الذي يسير عليه الشيوعيون السوفييت بعد ستالين، وهنا كما هو الحال دائمًا، وقف القادة السوفييت مترددين حائرين، فإن الأمر يحتاج لا إلى استبدال ألفاظ بألفاظ أخرى، ولكنه يحتاج إلى تحويل هام جوهري في قوانين القيمة.

المفكر الماركسي بين الميكافيلية والخيال واللاإنسانية:

انطوى فكر ماركس وغيره من مقتني النظريات الشيوعية على عناصر خيالية وهمية أثرت في فكرهم الاقتصادي وفلسفتهم الاجتماعية، فقد ذهب الماركسيون في أن تحقيق الشيوعية الكاملة هو خاتمة المطاف ونهاية الطريق للمجتمعات الإنسانية وهو الغاية المنطقية التي تعبر عن الإنسانية- كما زعموا - أرقى تعبير وأصدقه، وهو المقصود النهائي الذي تسير إليه كافة المجتمعات، فالماركسيون يسعون إليه بإرادتهم وقيدهم، وغير الماركسيين من الإقطاعيين والرأسماليين يتحركون نحو الشيوعية أيضًا على الرغم من نواياهم ورغباتهم الشخصية، وهذا كله نوع من الجمال أو التخيل والتوهم المفتعل المقصود، والسؤال؟ كيف قبل ماركس هذا التفكير الخيالي طالما رفض حجج وأفكار الاشتراكيين الخيالين قبله؟ رفضها؛ لأنها خطأ وفراغ عقول، لكننا مع موقفه الرافض ذلك، نجد أثارًا واضحة من فكر أولئك الخياليين في تذكر ماركس نفسه، وهذا هو الذي فتح أبوابًا كبيرة لها علاقة بالجدل العلمي للفكر الماركسي بين الشيوعيين أنفسهم، على أن وجود ذلك التخيل الذي يصورونه بفكرة المثالية التي بنيت على فكرة عاطفية ينذر بأن الغاية من ذلك، سوف تستغل في تبرير الوسيلة الاستبدادية المتبعة، وهذا هو بالضبط ما حدث في الاتحاد السوفيتي والبلاد الشيوعية الأخرى، فقد استغلت الغاية لتبرير الوسيلة، كما استغلت في تبرير تصرفات لا يمكن أصلا أن نقف على قدميها في أي مجتمع إنساني.

وهذا بخلاف أن الحرية ليست في الحقيقة غاية أو هدفا يسعى المرء لبلوغه لذاته، فالحرية وسيلة ضرورية حيوية لكي يستطيع الفرد أن يمارس حقه في الاختيار، الذي هو الحصيلة النهائية لعملية الحرية، على أن المجتمعات التي تقوم على أفكار خيالية، تميل لأن تكون من الناحية العملية، مجتمعات غير إنسانية؛ لأن مؤسسي هذه المجتمعات غالبًا ما يكونون من ذلك النوع من الرجال الذي يمثل الحلم لديهم كل شيء، أما الطريق الذي يسلكونه لبلوغ أحلامهم وتحقيقها، فيكون ذا أهمية قليلة، إن الخياليين لديهم عادة استعدادات قوية للتعصب، والتعصب يسمح بشرور كثيرة منها القسوة، أي أنه لا يمانع في استخدام القسوة في ظروف ما من أجل تحقيق المكاسب الافتراضية التي يرجى تحقيقها في المستقبل.

والمجتمعات الخيالية دائمًا تنجب من أهلها نوعًا من المبشرين لها، الذين يتولون تبرير تكهناتها وتصرفاتها بأساليب خيالية أيضًا، ومن ثم ينتهي الأمر بهؤلاء المبشرين إلى أن يصيروا رجال بوليس وممثلي الاتهام أو جلادين وبيروقراطيين.

الرابط المختصر :