العنوان من معالم التجديد في مشروعه الحضاري (2)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 25-نوفمبر-2006
مشاهدات 101
نشر في العدد 1728
نشر في الصفحة 38
السبت 25-نوفمبر-2006
نعم.. حدثت هذه الأحداث الجسام، التي هزت كيان الأمة، وزلزلت وجدان الإسلاميين، فاستنفرتهم للمقاومة.. فلقد كان الإسلام على مر تاريخ الأمة، هو حصنها المنيع عندما تهدد الملمات والتحديات وجودها وهويتها.. وكانت صيحة «وا إسلاماه!» هي كلمة السر التي تتنادى بها الأمة، وتتداعى إليها عقولها وقلوبها...
(۹) تكامل دوائر الانتماء: الوطني.. والقومي.. والإسلامي.. والإنساني:
وفي مواجهة المضمون الغربي الضيق الأفق.. والانعزالي، لكل من «الوطنية» و«القومية».. والذي وجد له دعاة وأحزابًا تخندق بعضها عند «الوطنية والإقليمية»! وتخندق بعضها الآخر عند «القومية العنصرية».. وافتعل آخرون -کرد فعل- التناقضات بين الإسلام وبين الوطنية والقومية.. في مواجهة هذا الغلو رأينا الأستاذ البنا يبعث -بالتجديد- المنهج الإسلامي الذي يؤلف بين جميع دوائر الانتماء الوطني.. والقومي.. والإسلامي.. والإنساني.. فيسلكها جميعًا في سلم واحد.. فيعلن:
أ. أن «الإخوان المسلمين يحبون وطنهم، ويحرصون على وحدته القومية بهذا الاعتبار، ولا يجدون غضاضة على أي إنسان أن يخلص لبلده، وأن يفنى في سبيل قومه، وأن يتمنى لوطنه كل مجد وكل عز وفخار»..
إن الإخوان المسلمين يحترمون قوميتهم الخاصة باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود، ولا يرون بأسًا أن يعمل كل إنسان لوطنه، وأن يقدمه في العمل على سواه.
هذا من وجهة القومية الخاصة «أي الوطنية»..
ب. ثم هم بعد ذلك، يؤيدون الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض..
لقد نشأ الإسلام الحنيف عربيًّا ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسان عربي مبين، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين، وقد جاء في الأثر: «إذا ذل العرب ذل الإسلام» وقد تحقق هذا المعنى حين دال سلطان العرب السياسي، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم ومن إليهم. فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه.
وأحب أن أنبه إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة، كما عرفها النبي ﷺ فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: «ألا إن العربية اللسان، ألا إن العربية اللسان».
ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه؛ لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، فالوحدة العربية هي الحلقة الثانية في النهوض.
وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية.
ج. بقي أن نحدد موقفنا من الوحدة الإسلامية.
والحق أن الإسلام، كما هو عقيدة وعبادة، هو وطن وجنسية، وأنه قد قضى على الفوارق النسبية بين الناس، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ (الحجرات: ۱۰)، والنبي ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم»، «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم».
ولذلك، فالإخوان المسلمون يعملون للجامعة الإسلامية، باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام.
د. أما الخلافة الإسلامية، فإن الإخوان المسلمين يعتقدون أنها رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها.
والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة -رضوان الله عليهم- النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي ﷺ ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة واطمأنوا إلى إنجازها.
والأحاديث التي وردت في وجوب نصب الإمام وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالًا للشك في أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حورت عن مناهجها، ثم ألغيت، إلى الآن.
والإخوان المسلمون لهذا -يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم- وهم، مع هذا، يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بد أن تسبقها خطوات:
١. لا بد من تعاون تام ثقافيواجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها.
٢. يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين
هذه البلاد.
٣. يلي ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية.
٤. حتى إذا استوثق ذلك للمسلمين كان عنه الإجماع على «الإمام» الذي هو واسطة العقد، ومجمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظل الله في الأرض (۱).
هـ. ولي أن أقول -بعد هذا-: إن الإخوان يريدون الخير للعالم كله، فهم ينادون بالوحدة العالمية؛ لأن هذا هو مرمى الإسلام وهدفه، ومعنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).
وأنا في غنى، بعد هذا البيان، عن أن أقول: إنه لا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتماد، وبأن كلًّا منها تشد أزر الأخرى، وتحقق الغاية منها (٢).. لقد وفق الإسلام بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة..(۳)
فإذا أراد أقوام أن يتخذوا من المناداة بالقومية الخاصة «أي الوطنية» سلاحًا يميت الشعور بما عداها، فالإخوان المسلمون ليسوا معهم، ولعل هذا هو الفارق بيننا وبين كثير من الناس (٤).
وأما مصر، فإنها قطعة من أرض الإسلام، وزعيمة أمره (٥)، وفي المقدمة من دول الإسلام وشعوبه (٦) ونحن نرجو أن تقوم في مصر دولة مسلمة، تحتضن الإسلام، وتجمع كلمة العرب، وتعمل لخيرهم، وتحمي المسلمين في أكناف الأرض من عدوان كل ذي عدوان، وتنشر كلمة الله وتبلغ رسالته.. فالمصرية لها في دعوتنا مكانتها ومنزلتها وحقها في الكفاح والنضال.. ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للإسلام ولخير العالم كله... (۷).
وهكذا صاغ الأستاذ البنا، في هذه العبارات البالغة النفاسة، وبهذا الأسلوب العلمي، أعمق النظريات السياسية والاجتماعية المعاصرة في تعدد وتكامل في دوائر الانتماء، الوطنية.. والقومية.. والإسلامية.. والإنسانية.. مع الإشارة إلى دور مصر -الرائد والقائد- في تحقيق هذه الوحدة المنشودة لأمة الإسلام وهو الأمر الذي يستوجب على أهل الغلو، سواء أكانوا وطنيين يديرون الظهر لما وراء الوطن، الإقليم، أو قوميين يهملون الوطنية ويديرون الظهر لما وراء القومية، أو إسلاميين افتعلوا تناقضًا مزعومًا بين الإسلامية وبين الوطنيات والقوميات.. الأمر الذي يستوجب على سائر هؤلاء الغلاة أن يمعنوا النظر في هذا الذي كتبه الأستاذ البنا في هذا الموضوع.
فكل هذه الدوائر للانتماء هي درجات في سلم الانتماء الواحد يصعد عليها الإنسان المسلم -عقيدة أو حضارة- دونما تناقضات.. وبعبارة الأستاذ البنا: «فكل منها تشد أزر الأخرى، وتحقق الغاية منها دونما تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار...».
(۱۰) رفض التكفير لمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وفي مواجهة الغلاة الذين لا يرون في المجتمعات الإسلامية، وفي عقائد المسلمين المعاصرين إلا شوائب الكفر والجاهلية.. فيحكمون بها على الأمة... أو على النظم والحكومات والمجتمعات.. في مواجهة هؤلاء الغلاة يقدم المشروع التجديدي للأستاذ البنا الموقف الإسلامي الأصيل والمتوازن.
فنحن لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض. برأي أو معصية إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملًا لا يحتمل تأويلًا غير الكفر (۷).
«ولقد اندمجت مصر بكليتها في الإسلام بكليته عقيدته ولغته وحضارته، ودافعت عنه وذادت عن حياضه، وردت عنه عادية المعتدين. ومن هنا بدت مظاهر الإسلام قوية فياضة زاهرة دفاقة في كثير من جوانب الحياة المصرية، فأسماؤها إسلامية ولغتها عربية وهذه المساجد العظيمة يذكر فيها اسم الله ويعلو منها نداء الحق صباح مساء، وهذه مشاعرنا لا تهتز لشيء اهتزازها للإسلام وما يتصل بالإسلام».
والمعركة قائمة بيننا وبين الشوائب التي وفدت إلينا من الحضارة الغربية تلك «الحضارة التي غزتنا غزوًا قويًّا.. فانحسر ظل الإسلامية عن الحياة الاجتماعية المصرية في كثير من شؤونها المهمة، واندفعنا نغير أوضاعنا الحيوية، ونصبغ معظمها بالصبغة الأوروبية، وحصرنا سلطان الإسلام في حياتنا على القلوب والمحاريب، وفصلنا عنه شؤون الحياة العملية، وباعدنا بينه وبينها مباعدة شديدة، وبهذا أصبحنا نحيا حياة ثنائية متذبذبة أو متناقضة» (۸).
فالمعركة معركة تنقية المجتمعات الإسلامية من الدخيل الذي أقام فيها الثنائية والتذبذب بين روح الإسلام وبين الروح المادية الإلحادية، روح اللذة والشهوة، التي تميزت بها الحضارة الغربية، وليست معركة الإسلام مع مجتمعات ارتدت عن الإسلام ونوره إلى جاهلية جديدة هي أشد ظلامًا من الجاهلية الأولى.. كما زعم ويزعم الغلاة الذين انحرفوا عن منهاج الإسلام الذي تبناه الأستاذ البنا.
(۱۱) في العدل الاجتماعي فقه الواقع.. وبرنامج الإصلاح:
وفي مواجهة المظالم الاجتماعية التي تطحن سواد الأمة -من قبل النهب الاستعماري.. ومن قبل الاستغلال الطبقي المحلي- قدم الأستاذ البنا صفحة من أروع صفحات العدالة الاجتماعية مطبقة على واقعنا المعاصر والمعيش.
فانطلاقًا من فلسفة الاستخلاف الإلهي للإنسان في الثروات والأموال، البريئة من غلو الرأسمالية المتوحشة.. وغلو الشيوعية المصادمة لفطرة الإنسان.. تحدث الأستاذ البنا عن الواقع الاجتماعي البائس للشعب وسواد الأمة.. وقدم الحلول المدروسة والناجعة لهذا الداء الاجتماعي الذي يشل طاقات البناء والانتماء لدى الملايين.
لقد جعل النهب الاستعماري لثروات بلادنا الفنان الشعبي سيد درويش (۱۳۰۹ - ١٣٤٢هـ / ١٨٩٢ - ۱۹۲۳م) يغني فيقول:
«يا مصر خيرك في إيد غيرك طلع بره»
وجاء الإمام حسن البنا لينبه إلى دور هذا النهب الاستعماري لخيرات البلاد في «انتشار الجماعة» وفي دعوتها لإقامة العدل الاجتماعي بين الناس.. فقال:
«إن الدعوة نشأت بالإسماعيلية.. يغذيها وينميها ما نرى كل صباح ومساء من مظاهر الاحتلال الأجنبي والاستئثار الأوروبي بخير هذا البلد..
فهذه قناة السويس علة الداء وأصل البلاء..
وفي الغرب.. المعسكر الإنجليزي بأدواته ومعداته..
وفي الشرق المكتب العام لإدارة شركة القناة بأثاثه ورياشه ومرتباته. والمصري غريب بين كل هذه الأجواء في بلده محروم وغيره ينعم بخير وطنه، ذليل والأجنبي معزز بما يغتصبه من موارد رزقه.
كان هذا الشعور غذاء ومدادًا لدعوة الإخوان، فبسطت رواقها في منطقة القناة، ثم تخطتها (۹).
إن المرافق العامة، وكل المنافع المهمة في جميع أنحاء البلاد، ودولاب التجارة والصناعة، والمنشآت الاقتصادية كلها في أيدي الأجانب المرابين.. تسيطر عليها أكثر من ٣٢٠ شركة أجنبية (١٠).
والثروة العقارية تنتقل بسرعة البرق من أيدي الوطنيين إلى أيدي هؤلاء الأجانب.. فالبلد ليس فقيرًا، ولكن النهب الاقتصادي الأجنبي جعل الأجانب الذين احتلوه أسعد حالًا من أهله وبنيه (١١).
وهذا الغنى الذي يحققه الأجانب من نهب ثروات مصر المسلمة، يقابله فقر مدقع يطحن المواطنين المصريين، فأكثر من ٦٠% من المصريين يعيشون أقل من معيشة الحيوان، ولا يحصلون على القوت إلا بشق النفس.. البلاد مهددة بمجاعة قاتلة، ومعرضة لكثير من المشكلات الاقتصادية، وهي من أكثر بلاد العالم المتمدن أمراضًا وأوبئة وعاهات.. وأكثر من ٩٠٪ من الشعب المصري مهدد بضعف البنية وفقد الحواس، ومختلف العلل والأمراض.. وهي مصر ما زالت الجاهلة، لم يصل عدد المتعلمين فيها إلى الخمس، والجرائم تتضاعف، حتى إن السجون لتخرج أكثر مما تخرج المدارس ... ومصر هذه لم تستطع إلى الآن أن تجهز فرقة واحدة في الجيش كاملة المعدات!
وكذلك حال كل بلد من بلدان العالم الإسلامي...» (۱۲).
وبعد فقه هذا الواقع الاقتصادي الاجتماعي، الذي تألق فيه الأستاذ البنا كإمام في فقه الواقع كما هو حاله في فقه الأحكام.. أخذ في تنزيل الأحكام الإسلامية على هذا الواقع المعاصر والمعيش فدعا إلى:
أ. «نظام اقتصادي استقلالي للثروة والمال والدولة والأفراد، أساسه قول الله تعالي: ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا ﴾ (النساء:٥) (١٣).
ب. واستقلال نقدنا عن فلك الاستعمار.
ج. «وتمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك».
د. «وتخليص المرافق العامة -وهي أهم شيء للأمة- من يد غير أبنائها، فلا يصح بحال أن تكون هذه المرافق بيد شركات أجنبية، تبلغ رؤوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات، ولا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني منها إلا البؤس والشقاء والحرمان».
هـ. «والعناية بالمشروعات الوطنية الكبرى، المهملة التي طال عليها الأمد! ويجب التحول إلى الصناعة فورًا.. فهذا التحول هو روح الإسلام! مع تشجيع الصناعات اليدوية المنزلية.. وإرشاد الشعب إلى التقليل من الكماليات والاكتفاء بالضروريات، وأن يكون الكبار في ذلك قدوة للصغار».
و. ويجب تكامل التنمية بين بلاد الإسلام، ذلك «أن الرابطة بينها وبين أم العروبة والإسلام.. تمهد لنا سبيل الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي، وتنقذنا من هذا التحكم الغربي في التصدير والاستيراد وما إليهما...» (١٤).
«فالجهاد الاقتصادي يجب أن يتوجه إلى خدمة الثروة الإسلامية، بتشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية.. والقرش الإسلامي يجب ألا يقع في يد غير إسلامية مهما كانت الأحوال، فلا نلبس ولا نأكل إلا ما صنع في وطننا الإسلامي» (١٥).
ز. كذلك يجب إصلاح الخلل المتمثل «في التفاوت العظيم، والبون الشاسع والفرق العظيم بين الطبقات المختلفة في هذا الشعب»، والذي أدى إلى وجود ثراء فاحش وفقر مدقع والطبقة المتوسطة تكاد تكون معدومة.. وذلك بتقريب الشقة بين مختلف الطبقات تقريبًا يقضي على الثراء الفاحش والفقر المدقع».
ح. «ومحاربة الربا.. وجمع الزكاة وفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي. بحسب المال لا بحسب الربح، يعفى منها الفقراء طبعًا، وتجبى من الأغنياء الموسرين، وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة (١٦) والتوسط بين الأغنياء الغافلين والفقراء المعوزين بتنظيم الإحسان وجمع الصدقات لتوزع في المواسم والأعياد» (۱۷).
ط. وإصلاح الخلل المتمثل في التفاوت الفاحش بين الملكيات الزراعية في الريف، وذلك أن «روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي، توجب علينا أن نعيد النظر في الملكيات في مصر، فتختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع، ونشجع الملكيات الصغيرة.. وأن نوزع أملاك الحكومة على هؤلاء الصغار.. حتى يشعر الفقراء المعدمون بأنه قد أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره ويهمهم شأنه» (۱۸).
هكذا كان فقه الواقع الاقتصادي والاجتماعي.. وفقه الأحكام الإسلامية في الثروات والأموال.. وتنزيل الأحكام على الواقع.. كما تجلى في المشروع الحضاري للإمام الشهيد حسن البنا ابن كلية دار العلوم.. الذي تفوق في هذا الميدان على كل الأحزاب والجماعات والجمعيات التي عاصرته.. وسبق كل علماء الاجتماع.. بل وحتى تيارات الشيوعية والاشتراكية في معالجة معضلات الفقر والتنمية والثروات والأموال.. ومآسي النهب والاستغلال، سواء منه الاستعماري الأجنبي أو الذي يمارسه المستغلون الوطنيون».
ومآسي النهب والاستغلال سواء منه الاستعماري الأجنبي أو الذي يمارسه المستغلون الوطنيون
(۱۲) سنة التدرج في الإصلاح: ولأن الإسلام دين الوسطية، فلقد اعتمد سنة التدرج في الإصلاح وهذا التدرج هو وسط بين «الجمود والثبات» وبين «الطفرة والانقلاب»!
وهذه السنة في التدرج، هي عامة في كل عوالم الخلق.. وفي سائر ميادين الاجتماع.. وكذلك في عوالم الأفكار.
لقد نزلت الشرائع بالتدريج.. ونزلت أحكامها على الواقع والوقائع بالتدريج.. وتكونت الثقافات -التي مثلت عمران النفوس الإنسانية- بالتدريج.. وقامت المدنيات -التي مثلت عمران الواقع المادي- بالتدريج.
أي أن كل ألوان الإصلاح قد حدثت وتحدث بالتدريج.. وكذلك الحال في التراجع والتخلف عن معالم الإصلاح ومنظومات قيمه وتشريعاته -حدث ويحدث هو الآخر- بالتدريج...
والناظر في منهاج النبوة وتطبيقاته.. وفي التراجع النسبي الذي تم بعد عصر الراشدين عن جوانب من هذا المنهاج -وخاصة في الشورى والعدل الاجتماعي من قبل الدولة... ثم في مشاريع الإصلاح والتجديد التي بدأت على مستوى الدولة- بالراشد الخامس عمر بن عبد العزيز (٦١ - ١٠١هـ - ٦٨١ - ٧٢٠م) رضي الله عنه... الناظر في كل ذلك يجد المنهاج الإسلامي، الذي يؤكد وينحاز إلى سنة التدرج في الإصلاح واضحًا كل الوضوح.
وانطلاقًا من هذه السنة -الكونية.. والاجتماعية- الحاكمة للإصلاح الحقيقي، وليس الهبات العفوية.. والانقلابات العنيفة.
واجه الأستاذ البنا «المتعجلين» الذين يريدون الوصول السريع إلى «المقاصد» دون المرور «بدرجات السلم» الموصلة إلى هذه «المقاصد»... ونبه إلى خطورة التطلع إلى تحقيق «الغايات» دون التأسيس لمقومات هذه الغايات وسلوك طريق «المراحل» التي تفضي إلى هذه الغايات....
ذلك أن المنهاج الإسلامي في الإصلاح ليس منهاج القفز المباشر على «الدولة»، وإنما هو منهاج التربية للأمة –أولًا- لتأتي الدولة بعد ذلك ثمرة ناضجة نضوجًا طبيعيًّا، ولتجد هذه «الدولة» «أمة مهيأة ومتقبلة للمنهاج الإصلاحي لهذه الدولة الجديدة.. فضلًا عن حالات هذه الدولة الجديدة وإطارات مؤسساتها.
فإصلاح الأصول أولًا.. وإعادة صياغة الإنسان هي نقطة البدء وتكوين الجيل «الواعي» و«القادر» على حمل الرسالة الإصلاحية هو المهمة الأولى لأي رائد من رواد الإصلاح الحقيقي في منهاج الإسلام.. وما تجربة النبوة وصناعة الجيل الفريد في المرحلة المكية لتأتي بعد ذلك «الدولة» و«القانون» والمؤسسات و«الفتوحات والسياسات» داخلية وخارجية إلا الشهادة الصادقة على أن هذا هو منهاج الإسلام في الإصلاح.
وفي حالة الأستاذ البنا ودعوته وحركته فإننا نلمح وعيه بهذه الحقيقة حتى وهو لا يزال في مرحلة التفكير بمشروعه الإصلاحي -قبل تكوين الجماعة سنة 1928م- فهو يتحدث عن الزلازل التي أصابت الإسلام وأمته ودولته.. ويقول: «إنها ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه والتأسيس بعد التدريس». (19) ...! فالبجد والعمل نقطع مراحل:
(1) التنبيه...
(2) والتكوين...
(3) والتدريس...
(4) والتأسيس...
نعم.. كان الرجل واعـيـًا بـحـقـيـقـة سنة التدرج والمرحلية في هذا المشروع الإصلاحي.. وانطلاقًا من هذا الوعي تحدث إلى «المتعجلين» الذين يريدون «حرق المراحل» ..... فقال:
«أيها الإخوان المسلمون».. وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم اسمعوها مني كلمة داوية.. إن طريقكم هذه مرسومة خطواته، موضوعة حدوده ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول.. أجل! قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات. ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة ويحين القطاف، فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة..
ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول.. ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هو منكم ببعيد!
أريد أن أكون صريحًا معكم للغاية فلم تعد تنفعنا إلا المصارحة.. أعدوا أنفسكم.. وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيًّا بالإيمان والعقيدة، وفكريًّا بالعلم والثقافة، وجسميًّا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل جبار عنيد، فإني فاعل إن شاء الله(20)!
(13) القوة.. والثورة:
وانطلاقًا من هذا المنهج في التدرج بالإصلاح، ورفض القفز على المراحل، وخرق تسلسلها .. عرض الأستاذ البنا للموقف من «الثورة».. فتحدث عن أن الإسلام إنما جاء ثورة كبرى بكل ما تحمل هذه الكلمة من مضامين، وفي كل ميادين الإصلاح والتغيير.. فهو الذي نقل وينقل الناس والمجتمعات من الجاهلية إلى الإيمان.. ومن الظلمات إلى النور .. وهو الذي يحيي موات النفوس والمجتمعات بما يحدثه فيها ولها من تغيير جذري وعميق وعامل في كل الميادين، وعن هذه الحقيقة قال الأستاذ البنا:
«إن الإسلام ثورة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، يزلزل الأوضاع الفاسدة، ويحطم صروح البغي والعدوان الشامخة، ويجدد معالم الحياة وأوضاعها، ويقيمها على أثبت الدعائم. إنه ثورة على الجهل... وثورة على الظلم بكل معانيه: ظلم الحاكم للمحكوم.. وظلم الغني للفقير.. وظلم القوي للضعيف».
وثورة على الضعف بكل مظاهره ونواحيه: «ضعف النفوس بالشح والإثم، وضعف الرؤوس بالغباء والعقم، وضعف الأبدان بالشهوات والسقم» (۲۱).
لكن الأستاذ البنا ينبه على أن «الجماعة» ليس في نيتها استخدام العنف الثوري الذي تخشاه الحكومات؛ لأن منهج الجماعة هو الإصلاح بالإسلام، وفق منهاج التدرج عبر الإعداد المرحلي... اللهم إلا إذا فرض الآخرون على الجماعة هذا العنف الثوري، باستخدامه ضدها، وعندئذ تكون مكرهة على رد العدوان بمثله.
وفي صياغة هذه المعادلة الصعبة ميز بين إعداد القوة التي هي طريق الإصلاح والتغيير، وبين الثورة التي هي أعنف مظاهر القوة.. والتي لن يلجأ إليها «الإخوان» ابتداء، ولن يسلكوا سبيلها إلا إذا فرض عليهم، كما يفرض القتال على المؤمنين، وهم له كارهون!
وفي تحديد هذا المسار الدقيق –والشائك- قال الأستاذ البنا:
«يتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟
وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟
أما القوة، فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته... فالإخوان لا بد أن يكونوا أقوياء، ولا بد أن يعملوا في قوة.. وأول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح.
والثورة: أعنف مظاهر القوة..
إن الإخوان سيستخدمون القوة العملية، حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة.
أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها.. وإن كانوا يصارحون.. بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال فسيؤدي حتماً إلى ثورة (٢٢)... إني أرى الوميض خلال الرماد يوشك أن يكون له ضرام (۲۳).
أيها الإخوان: ... «إن قيل لكم: أنتم دعاة ثورة، فقولوا: نحن دعاة حق وسلام نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا، ووقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا، وكنتم الثائرين الظالمين» (24).
هكذا حدد الرجل أن التدرج في الإصلاح.. والمرحلية هي سبيل الإصالح والتغيير.. وأن القوة هي السبيل لقطع هذه المراحل، والوصول إلى المقاصد والغايات:
(1) الإصلاح بالإسلام.
(2) وتحرير الوطن الإسلامي.
(3) وإقامة الدولة الإسلامية.
(4) وإعادة الأمة كلها إلى كامل شريعة الإسلام.
وهكذا تألق التجديد الإسلامي في هذا المشروع الحضاري لهذا المجدد العظيم: الإمام الشهيد الشيخ حسن البنا.. الرجل الملهم والمبارك والرباني. والذي لا نغالي إذا قلنا إنه -ودعوته وجماعته- قد مثلوا أبرز معالم التجديد -على مستوى جمهور الأمة- في القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي. والذي بارك الله في «البذرة» التي بذرها، كما لم يبارك في بذرة أخرى على كثرة «البذور» التي بذرت في ذلك التاريخ. حتى وصلت آثارها إلى كل قارات الأرض وجميع مدن هذا العالم الذي نعيش فيه..
وإذا كانت سطور هذه الصفحات قد قدمت إشارات إلى بعض معالم هذا المشروع الحضاري الذي صاغه هذا الإمام الشهيد.. فإن هناك حقائق كثيرة يمكن الإشارة إليها في هذا الختام... ومنها:
أن الدراسة الوافية لهذا المشروع الإصلاحي لن تتأتى إلا بعد الجمع والتحقيق والدراسة والنشر للأعمال الفكرية الكاملة للأستاذ البنا.. وتبويبها تبويبـًا مـوضـوعيـًّا وتاريخيًا.
وأن الناظر في معالم مشروعه الحضاري يتمنى أن ترتفع الصحوة الإسلامية إلى الآفاق التي حلق فيها هذا الإمام العظيم!
رحمه الله رحمة واسعة.. وبارك في العطاء الذي قدمه، وفي الجهاد الذي جاهده.. وسدد الخطا على هذا الدرب، لتجديد دنيا المسلمين بتجديد دين الإسلام.
المراجع:
(۱) من يقرأ رسالة الدكتور عبد الرزاق السنهوري عن «فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية»، والتي أنجزها بباريس سنة ١٩٢٦م يميل إلى أن الأستاذ البنا لم يكن بعيدًا عن فكر السنهوري في خطوات إحياء الخلافة الإسلامية.
(۲) رسالة المؤتمر الخامس ص ٤٥ ٥٠، طبعة دار الاعتصام، القاهرة، سنة ١٩٧٧م.
(۳) مجموعة رسائل الإمام الشهيد، رسالة نحو النور، ص ٦٣٦٢.
(٤) رسالة المؤتمر الخامس، ص ٥٠، طبعة دار الاعتصام.
(٥) مجموعة الرسائل، رسالة إلى الشباب، ص ۸۸ .
(٦) المصدر السابق، رسالة الإخوان المسلمون تحت راية القرآن، ص ۹۹.
(۷) المصدر السابق، رسالة دعوتنا في طور جديد، ص112. 114.
(۸) المصدر السابق، رسالة التعاليم، ص 271.
(۹) المصدر السابق، رسالة دعوتنا في طور جديد، ص 121. 120.
(10) المصدر السابق، رسالة المؤتمر الخامس، ص ١٦٥، ١٦٦.
(۱۱) المصدر السابق، رسالة بين الأمس واليوم، ص ١٤١.
(۱۲) المصدر السابق، رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، ص ۲۳۱ .
(۱۳) المصدر السابق، رسالة بين الأمس واليوم، ص 141.
(١٤) المصدر السابق، رسالة الإخوان المسلمون تحت راية القرآن، ص ۱۰۰
(١٥) المصدر السابق، رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، ص ٢٣٨ ، ٢٤٠، ٢٤٣،244.
(١٦) المصدر السابق، رسالة التعاليم ص، 279.
(۱۷) المصدر السابق، رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، ص ۲۳۱، 233، 243، 242.
(۱۸) المصدر السابق، رسالة دعوتنا في طور جديد، ص ۱۲۳.
(۱۹) المصدر السابق، رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، ص ٢٤٢.
(۲۰) المصدر السابق، رسالة المؤتمر الخامس، ص ۱5۱، ۱5۰
(۲۱) المصدر السابق، رسالة المؤتمر الخامس، ص 1611،162.
(22) الفكر السياسي للإمام حسن البناء، ص ٣٦٩ وهو ينقل عن جريدة الإخوان المسلمون اليومية، ٢٣ شوال سنة ١٣٦٥هـ - ١٩ سبتمبر سنة ١٩٤٦م.
(۲۳) مجموعة رسائل الإمام الشهيد، رسالة المؤتمر الخامس، ص ۱6۸ - ۱۷۰ .
(٢٤) المصدر السابق، رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، ص ١٩٦.
(٢٥) المصدر السابق، رسالة بين الأمس واليوم، ص144.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل