العنوان من مائدة النبوة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1976
مشاهدات 19
نشر في العدد 307
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 06-يوليو-1976
آراء القراء
من مائدة النبوة
عن
أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك
إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن
يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" (متفق عليه).
اشتمل
هذا الحديث على الحث على اختيار الأصحاب الصالحين، والتحذير من ضدهم.
ومثّل
النبي صلى الله عليه وسلم بهذين المثالين، مبينًا الجليس الصالح؛ فجميع أحوالك معه
وأنت في مغنم وخير، كحامل المسك الذي تنتفع بما معه من المسك؛ إما بهبة أو بعوض،
وأقل ذلك مدة جلوسك معه وأنت قرير النفس برائحة المسك.
فالخير
الذي يصيبه العبد من جليسه الصالح أبلغ وأفضل من المسك الأذفر، فإنه إما أن يعلمك
ما ينفعك في دينك ودنياك، أو يهدي لك النصيحة، أو يحذرك من الإقامة على ما يضرك،
فيحثك على طاعة الله وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ويبصرك بعيوب نفسك، ويدعوك إلى
مكارم الأخلاق ومحاسنها بقوله وفعله وحاله؛ فإن الإنسان مجبول على الاقتداء بصاحبه
وجليسه، والطباع والأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وأقل
ما يستفيد من الجليس الصالح -وهي فائدة لا يستهان بها- أن تنكف بسببه عن السيئات
والمعاصي؛ رعاية للصحبة، ومنافسة في الخير، وترفعًا عن الشر، وأن يحفظك في حضرتك
ومغيبك، وأن تنفعك محبته ودعاؤه في حال حياتك وبعد مماتك، وأن يدافع عنك بسبب
اتصاله بك ومحبته لك.
وتلك
أمور لا تباشر أنت مدافعتها، كما أنه قد يصلك بأشخاص وأعمال ينفعك اتصالك بهم،
وفوائد الأصحاب الصالحين لا تعد ولا تحصى، وحسب المرء أن يعتبر بقرينه، وأن يكون
على دين خليله.
وأما
مصاحبة الأشرار فهي مضرة من جميع الوجوه على من صاحبهم، وشر على من خالطهم؛ فكم
هلك بسببهم أقوام، وكم قادوا أصحابهم إلى المهالك من حيث لا يشعرون! ولهذا كان من
أعظم نعم الله على العبد المؤمن أن يوفقه لصحبة الأخيار، ومن عقوبته أن يبتليه
بصحبة الأشرار.
صحبة
الأخيار توصل العبد إلى أعلى عليين، وصحبة الأشرار توصله إلى أسفل سافلين، صحبة
الأخيار توجب له العلوم النافعة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة.
وصحبة
الأشرار تحرمه ذلك أجمع، قال الله تتبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ
يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا
وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ
الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾
[الفرقان: 27-29].
وقد
نزلت هذه الآيات في عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف؛ كان عقبة يكثر مجالسة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه وإن كان يكفر به، وكان لا يقدم من سفر إلا صنع
طعامًا يدعو إليه كثيرًا من أهل مكة، فصنع وليمة ودعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم إليها، فلبى الرسول دعوته، ولكنه أبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين،
ففعل وكان أبي بن خلف صديقه، فعاتبه وقال له: "صبأت"، فقال عقبة:
"لا، ولكن محمدًا أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي إلا إذا نطقت بالشهادتين،
فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم ففعلت"، فقال له أبي بن خلف:
"وجهي من وجهك حرام إلا إن أتيت محمدًا فوطئت قفاه، وبصقت في وجهه"،
فذهب إليه عقبة فوجده ساجدًا ففعل، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا ألقاك
خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف"، ثم أُسر يوم بدر فأمر الرسول عليًا
بقتله، فقال: "أأُقتل دونهم؟"، فقال الرسول: "نعم؛ بكفرك
وعتوك"، فقال: "ومن للصبية؟"، فقال الرسول: "النار"، ثم
قام عليٌّ فقتله.
وأما
أبي بن خلف فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي قتله في غزوة أحد؛ فقد كان هذا
اللعين حلف ليقتلن محمدًا، فبلغ ذلك رسول الله فقال: "بل أنا أقتله إن شاء
الله"، وعلم هذا أبيٌ فارتاع وقال لمن أخبره: "أنشدك الله، أسمعته يقول
ذلك؟"، قال: "نعم"، فلما كانت غزوة أحد جعل هذا اللعين يلتمس غفلة
من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحول دونه بعض المسلمين، فلما رأى ذلك رسول الله
تناول حربة فرماه بها، فوقعت في ترقوته فسقط على الأرض يخور كما يخور الثور.
وقال
الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا
الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].
والله
يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بعدله، وما ربك بظلام للعبيد.
عبد الله السند
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل