; من قتل ضياء الحق؟ | مجلة المجتمع

العنوان من قتل ضياء الحق؟

الكاتب عبيد الامين الفكي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1988

مشاهدات 85

نشر في العدد 879

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 23-أغسطس-1988

  • كان ضياء الحق قويًا وواضحًا في تبني قضايا أمته، فقد خبر فيه العالم الإسلامي داعية لحوحًا؛ لإشاعة التماسك ووحدة الصف الإسلامي.
  • توجه ضياء الحق الواضح والعنيد من أجل بناء باكستان قوية، أجج عليه مشاحنات الأصدقاء قبل الأعداء.
  • الكيان الصهيوني هدد أكثر من مرة بأنه لن يسمح لباكستان بإكمال مشروعها النووي.

فجعت الجمهورية الباكستانية الإسلامية والعالم الإسلامي قاطبة بوفاة الرئيس محمد ضياء الحق في ليلة الثامن عشر من الشهر الجاري إثر حادث انفجار الطائرة المقلة له والوفد المرافق له، وقد أدلت بعض الجهات الباكستانية المسؤولة بأن حادث الانفجار ناتج عن عملية تخريب. وقال المسؤول الباكستاني والذي رفض أن يكشف عن هويته: إننا جميعًا نعتقد أن هناك نوعًا من الأذى، وجميع القرائن تشير في هذا الاتجاه. وأردف قائلًا: إن الشكوك الباكستانية تتركز على دولة أجنبية مجاورة غير أنه لم يفصح عن اسمها، ومن جهة أخرى ذكر بعض المختصين ودبلوماسيين غربيين عن اعتقادهم أن الطائرة ربما دمرت بقنبلة أو أن صاروخًا مضادًا للطائرات قد أصابها، إذا أن المعروف عن طائرات س– ۱۳۰ لا تنفجر بكل بساطة. وأضاف أحد الدبلوماسيين الغربيين قائلًا: «إن لضياء الحق الكثير من الأعداء، ويمكن أن يكون الأمر واحدًا من عشرات الاحتمالات» كما كشفت جريدة «المسلم» الباكستانية أن الرئيس ضياء الحق فيما سبق قد تعرض لثلاث محاولات اغتيال في السنوات الأخيرة، وفي ذات الوقت أشارت الأوساط الفنية بأن الصندوق الأسود لم يکشف بياناته عن وجود أي عطل أو خلل فني بالطائرة، مما يؤكد بأن الحادث ناتج فعلًا عن عمل تخريبي. والرئيس ضياء الحق لم يكن رئيسًا ذو فعالية محدودة تنتهي بالحدود الجغرافية لبلاده، وإنما كان نجمًا سياسيًا على المستوى الإقليمي والدولي، فقد استطاع خلال سنوات حكمه الإحدى عشرة أن يمتص حقول الألغام المتفجرة داخل حدود بلاده ومن حولها بإدارة سياسية ناضجة لم يعوزها ضخامة الإشكالات من أن تكسب الثقة الدولية.

النجم الذي أفل:

عبر العالم الاسلامي عن صدمته في ضياء الحق بإبداء مظاهر الحزن وإعلان الحداد ، وتوافد عشرات الرؤساء ورؤساء الوفود لتشييع جنازته في «إسلام آباد» فضياء الحق القائد الإسلامي اللامع كان قويًا وواضحًا في تبني قضايا أمته، فقد خبر فيه العالم الإسلامي داعية لحوحًا لإشاعة التماسك ووحدة الصف الإسلامي، ومتبنيًا جسورًا لقضايا الإسلام وتحقيق رفاء شعوبه، وقد عبر عن ذلك بصدق مما أكسبه المكانة المرموقة التي ظل يتمتع بها. وفي المقابل فقد جرت هذه السياسة عداوات مميتة له ولباكستان من قبل المتربصين بالأمة الإسلامية، وقد عبر الرئيس -المغفور له- عن تمسكه بقضايا أمته عبر المشكلات الأساسية التي تفجرت خلال فترة حكمه، بدءًا بالقضية الأفغانية التي يعد ضياء الحق بكل المقاييس الحامي الأمثل لصون توجهاتها وتسديد خطوات الجهاد المستمر ضد أعدائها، فقد فتح دولته لأكثر من 4 ملايين مهاجر، ومدهم بالكثير من الاحتياجات الضرورية على ضيق ذات اليد في بعض المناحي، وكان وراء وحدة الصف للمجاهدين وتزويدهم بالسلاح، والدفاع عن قضيتهم في المنظمات الدولية مما أسفر عن الحل السلمي بعد مفاوضات دامت سنوات عدة .

وقد شهد قبل رحيله خروج أكثر من نصف القوات السوفياتية عن أفغانستان. وأما بالنسبة لقضية الشرق الأوسط فقد كان ضياء الحق من أحزم القادة المسلمين في الدفاع عن الحق العربي، ولم تقف الباكستان قط في عهده موقفًا دون مواقف أكثر الدول العربية حماسة للقضية الفلسطينية. وموقف الباكستان من قضية فلسطين موقف مبدئي لا يتأثر بالمسائل المصلحية الموقوتة فهو رقم لا يقبل القسمة ، وقد أكد ضياء الحق هذا الموقف بكثير من الالتزامات الدولية، وتبني بلاده لمشاريع انسحاب الكيان الصهيوني عن كامل التراب الفلسطيني والعربي المحتل.. أما فيما يتعلق بفتنة الحرب العراقية–الإيرانية فقد سعت إدارة ضياء الحق بجد وحزم من أجل إيجاد حل فوري للأزمة، وتطويقها بقدر الإمكان حتى لا تتسع دائرتها، وقد حظيت خطواته بكثير من القبول إلا أن تشابك الأمن وتكاثف المساعي الدولية لاستمرار التمزيق البشري والاقتصادي كان أقوى من وساطة وسعيه.

 وفي نطاقه الإقليمي فقد كان ضياء الحق ضمانة السلام الأكبر في شبه القارة الهندية ذات الإشكالات المتفجرة «الهند –بنغلاديش– سيلان» وبرغم اتساع هوة التناقض مع تلك الأنظمة إلا أن دور باكستان ظل الأكثر تميزًا والأوضح نهجًا في إحلال الأمن ونزع فتيل الاشتعال من طلائع الانفجار الكامن.

عملاق باکستان:

باكستان الدولة الفتية نسبيًا وذات البناء السكاني المتجمع من مختلف أرجاء الهند؛ مما أورثها وضعًا سياسيًا شديد التداخل، ويمتاز باختلاط دوائر القبلية والطائفية والسياسة في شتى دروبها. وقد شهدت الباكستان أوضاعًا سياسية عديدة وكثيرًا ما جنت معاناة إضافية من جرائها، حتى جاء ضياء الحق في عام ۱۹۷۷ وركز جهوده في حل الإشكالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بعيدًا عن الحلول الجاهزة ونقل تجارب الآخرين دونما تبصر. فقد سلك نهجًا عمليًا، وأراده أن يتأطر بالعقيدة الإسلامية في مختلف المراحل، ففتح العمل الإسلامي الشعبي سبل التقدم وممارسة حرية تقعيد الأسس العملية، وصياغة المناهج الإسلامية في الاقتصاد والسياسة والإدارة والثقافة والإعلام والتربية، وقد جنت الباكستانمن ذلك التوجه تضاؤل هوة الازدواجية بين الثقافة الغربية الوافدة والصناعية بحكم سيطرة حضارتها وبين الأصالة الإسلامية والتكوينية للشعب الباكستاني المسلم، وأنجزت قيادة ضياء الحق في مجال حضور الذات الثقافية إنجازات واسعة ،فقد أعادت اعتبار للغة العربية فأضحت اللغة الثانية في البلاد بحكم الدستور، وكما أن اللغة العربية هي لغة القرآن والحضارة الإسلامية، فإن مجال الدراسات الإسلامية هو الآخر يعد معبرًا رئيسًا للأصالة الفكرية، فقد اعتبرت قيادة ضياء الحق أن المعاهد الإسلامية الكثيرة والمنتشرة في أرجاء باكستان تعد مدارس حكومية معترفًا بها من قبل الدولة، ويعامل خريجوها معاملة قانونية، وأكثر من ذلك فقد انتشرت كليات الشريعة وأقامت الدولة جامعة إسلامية تشتمل على كل التخصصات الإسلامية الحديثة... وفي المجال الاقتصادي فقد تطورت الباكستان وخرجت من دائرة الدولة المديونية غير المنتجة الى دولة مصدرة لكثير من الصناعات والمواد الغذائية، ويكفي أن نسبة معدل النمو فيها تقرب من 6.3 وقد أنجزت كل متطلبات الدولة الاقتصادية من بناء للقواعد التحتية وصياغة توجهها الانتاجي بصورة علمية؛ مما أهلها لأن تدخل النادي الذري الدولي بكل كفاءة ،بالرغم من المعارضة الدولية الواسعة التي شنت على نهج ضياء الحق في امتلاك القنبلة الذرية... وقد كانت المعارضة في هذا شديدة في شكلها ومطردة في قوتها، وقد تولت كبرها الهند والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إلا أن إدارة ضياء الحق الإستراتيجية رفضت المساومة على أمنها وحرية القرار فيها... فأضحت باكستان ليست دولة متماسكة اقتصاديًا وسياسيًا فحسب، وإنما عملاقًا حقيقيًا في ميزان القوى الدولية في جنوب آسيا.. فأوغرت بذلك صدور أعدائها وأعداء الأمة الإسلامية، ويكفي أن الكيان الصهيوني هدد أكثر من مرة بأنه لن يسمح لباكستان بإكمال مشروعها النووي... ولم ترضخ باکستان ضياء الحق لإرجاف الصهيونية... ولهذا نسجت المؤامرة.... 

عداوات قاتلة:

إن توجه ضياء الحق الواضح والعنيد من أجل بناء باكستان قوية تحظى باحترام العالم، قد أجج عليه مشاحنات الأصدقاء قبل الأعداء، وهو وضع طبيعي إلى حد كبير، فكثير من الأصدقاء –الغرب خاصة– يريد أصدقاء يفرض عليهم سطوته وكبرياءه، ولا يريد أندادًا يملون عليه شروطهم في الصداقة؛ ولذا فإن ضياء الحق عندما يواجه أعداءه كان كثيرًا ما يكون وحيدًا دونما دعم دولي يسند  انطلاقاته العادلة خاصة فيما يتعلق بأسس بناء الدولة على النهج الإسلامي وحيادها من ثم عن المعسكرين، وانعتاقها من التبعية لمناهجهما، وكما حدث ذات الموقف من الجهود الرامية إلى استثمار المشروع النووي، فقد تجمع الأعداء والأصدقاء في صف واحد« الاتحاد السوفياتي- الولايات المتحدة–الهند» وكما حظيت سياسته الاقتصادية والإستراتيجية الداخلية بكثير من المعارضة الدولية في نهجها المتحرر والمالك الأصيل للقرار فيها، كذلك تواصلت العداوات مع سياسته الخارجية لما تميزت به من صدق في التبني وجدية في ملاحقة المواقف، وندية لا تقبل الانصياع حتى مع العملاقين... فقد كسبت مواقفه من القضية الأفغانية عداء الاتحاد السوفياتي بصورة واضحة، وكان موقف باكستان يتطابق تمامًا مع مواقف المجاهدين الأفغان؛ ولذا فإن الدعم لهم ليس موقفًا سياسيًا مرحليًا، وإنما هو موقف ذاتي أصيل يعبر عن مبادئ راسخة، وبذلك كسبت القضية الأفغانية مركز تحرك جيد أمدها بالقوة الشرعية ودعم جهودها من أجل تحرير أفغانستان من اللوثة الشيوعية والقوات السوفياتية الداعمة لها... وأما فيما يتعلق بالهند فإن سياسة ضياء الحق قد أثارت مخاوفها من وجود دولة قوية وقادرة على حماية قرارها في شبه القارة الهندية، مما يعني عدم تفردها بشؤون المنطقة.

 كما أثار حفيظتها البرنامج النووي وتوجهات الباكستان في التحرر من الضغوط الدولية، بما في ذلك موقفها الثابت تجاه قيام حكم إسلامي في أفغانستان، في ذات الوقت الذي يسعى فيه ضياء الحق إلى تأسيس دولة إسلامية علمية في باکستان.

أصابع الاتهام:

مثلما صرح أحد الدبلوماسيين الغربيين بأن أعداء ضياء الحق كثيرون، فإنهم وإن لم يشتركوا في المؤامرة عليه إلا أنهم تلقوا خبر مصرعه بارتياح بالغ -مع أنه لا شماتة في الموت -فقد تمنى كل أولئك وفي مراحل سابقة لو اختفى عن المسرح السياسي حتى لا يفتقدوا مزيدًا من المصالح التي يأملون في الحصول عليها من سيطرتهم الإقليمية، وعلى الرغم من المؤامرة كما رجح مصدر باكستاني مسؤول بأن وراءها دولة أجنبية إلا أن الترجيح دونما معلومات موثوقة يظل رجمًا بالغيب؛ إذ إن كل الدول المحيطة بباكستان لها مصلحة في غياب ضياء الحق –باستثناء الصين– وليست حكومة أفغانستان بأكثرها حرصًا على ذلك. 

رغم العداء المكشوف بينهما... وبجانب الأهمية في تحديد الفاعل فإن العبرة التي نستقرؤها تظل أكبر أهمية، فقد تبين أن أعداء الإسلام لا يقبلون منطق التنافس الشريف من أجل التقدم، وإنما هو عباد ظلام يدمرون من خالفهم وسعى في تلمس أسباب تقدمه بعيدًا عنهم، وكما حدث أن قتل قادة نيجيريا المسلمين بدءًا بأبي بكر تقاوة وأحمد بيلو ووورا بمرتضى الله الرفاعي، فقد تبدر عبدة الأوثان اغتيال الرئيس محمد ضياء الحق – لما وجدوه من صدق في توجهه الإسلامي وجهوده التقدمية العملية من أجل إقامة وطنه بدور قيادي، وبالرغم من أن غياب ضياء الحق يحدث فراغًا كبيرًا إلا أن باكستان قادرة على إيجاد بديل، والأمل ما زال كبيرًا في أن يظل النهج الإسلامي رائد التوجه نحو التقدم مما يخرج المسألة من دائرة الأشخاص إلى دائرة الفكرة والنهج.

الرابط المختصر :