العنوان من عوامل الهزيمة: تعريب قضية فلسطين.. وعزلها عن مسلمي العالم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1973
مشاهدات 32
نشر في العدد 154
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 12-يونيو-1973
· العالم الإسلامي يتطوع للمشاركة في قضية فلسطين والعرب
يرفضون العون.. ويصرون على العزلة!
حينما تولد الأمة الواحدة.. فإن المشكلة القومية
تصبح مشكلة الأمن كلها أفرادًا وشعوبًا وقبائلَ وحينما يبرز كيان المسلمين كأمة
واحدة.. لها رب واحد ودين واحد وماض مشترك ومصير مشترك وعدو مشترك.. فإن أي خطر
تواجهه رقعة من أرض الوطن الإسلامي أو شعب من شعوبه هو خطر يهدد الكيان الإسلامي
جميعًا ويتصدى له المسلمون في موقف واحد.. لا يأخذ شكل المجاملة أو التأييد ولكن
كل عنصر إسلامي يعتبر أن المعركة معركته وأن المصير مصيره..
بل ذهب الفقهاء إلى تقرير قاعدة أكثر دلالة، هي لو
أن المغرب وجب على المسلمين في المشرق أن يفتدوها ولو أدى ذلك على كل مقدراتهم حتى
آخر فلس.
ولم يكن ذلك تقريرًا نظريًا فعندما أهان الروم
امرأة مسلمة في عمورية كان ذلك إهانة للأمة الإسلامية كلها ومساسًا بعزة الإسلام
فاستنجدت المرأة برمز الوحدة الإسلامية -وهو خليفة المسلمين -ولم يتردد المعتصم في
تجريد حملته العسكرية وإعلان الحرب على إمبراطورية روما بسبب ذلك ولم يؤخر من عزمته
وجلُ العرافين الذين أرادوا تخذيله بمحاذير غيبية مرئية كما يفعل فلاسفة الهزيمة
النفسية هذه الأيام.
تضامن العالم الإسلامي في مواجهة خطر ما.. مبدأ
ديني وحقيقة من حقائق الإيمان التي تتربى عليها الأمة ويقوم عليها البناء العقائدي
للمسلمين.. وتقرر على ضوئها فلسفتنا السياسية ومواقفنا..
وقد ظل المسلمون يسيرون على هذا المبدأ -باستثناء
مراحل الوهن الروحي -على امتداد تاريخهم الزاهر.. فكانت معارك التاريخ الفاصلة هي
معارك الصراع بين الجانب الإسلامي من جهة وجانب الكفار من جهة أخرى.
الحروب مع الفرس كانت معركة متصلة بين الجانب
الإسلامي الذي ضم شتات القبائل العربية المتناحرة -والتي لا يختلف حالها عن حال
القبائل العربية الحديثة(!)- وبين الجانب الوثني الذي يمثله الطاغية كسرى ونظامه
الجاهلي.
الحروب مع الروم باختلاف مراحلها منذ مطلع الفتح
الإسلامي كانت تمثل الصراع بين الخطر الروماني النصراني وبين شعوب المسلمين
المتحدة في جيش واحد والمقاتلة في معركة واحدة وهدف واحد.
الحروب الصليبية كان الجانب الإسلامي فيها خليطًا من
المسلمين جاء قائدهم من بلدة كردية ومن أصل غير عربي.. ليدافعوا عن بقعة مقدسة
تهمهم جميعًا (هي نفس البقعة التي يحتلها اليهود الآن).
استشعرها كل مسلم.. ثم انطلق ليخوض معركته ويؤدي
ضريبة الإيمان..
في حروب الأندلس كان جيش الفتح ينتمي لجنسية واحدة
هي الجنسية الإسلامية، ومن الصعب تصنيفه إلى أي عرق أو جنسية أو وطنية سوى ذلك..
وعندما زحفت جيوش العدوان على الدويلات الإسلامية التي تفرقت بسبب الضعف الذي أصاب
حماسها الديني.. والركون إلى الدنيا تحركت جيوش «المرابطين» و«الموحدين» من المغرب
واجتازت البحر إلى الأندلس وسجّلت انتصارات تاريخية حاسمة على جيوش النصارى
الإسبانية في معارك «الزلاقة» و«الأرك»، وأخرّت احتلال الأندلس سنين طويلة وحمتها
من الزوال.
▪ وإذا تجاوزنا التاريخ القديم
إلى تاريخ فلسطين الحديث نجد أن التضامن الإسلامي كان ماثلًا في مراحل الصمود
المختلفة.. فعندما كانت القضية في بدايتها وكان الصراع يدور داخل إطار فلسطين بين
الفلسطينيين وأطراف المؤامرة البريطانية - اليهودية.. عبر إلى فلسطين الشيخ السوري
عز الدين القسام وأعلن الجهاد الإسلامي ضد المعتدين وقاتلهم حتى استشهد دفاعًا عن
فلسطين وتضامنًا مع شعبها ودخلت إلى الميدان كتائب المتطوعين المسلمين من كل مكان،
وزحف رجال «فدائيان إسلام» الإيرانيين والشباب الإسلامي في إندونيسيا وباكستان
لمشاركة الأمة العربية التي هبّت قاطبة للدفاع عن المقدسات الإسلامية في فلسطين.
والتزم العالم الإسلامي بالموقف العربي من
إسرائيل.. في المحافل الدولية وفي مجال المقاطعة السياسية والاقتصادية مما دفع
بالصهاينة وحلفائهم إلى التآمر ضد الحكومات الإسلامية وتسليم السلطة في كثير من
بلاد العالم الإسلامي إلى عناصر لا إسلامية جرّت بلدانها للصف الإسرائيلي.. كما هو
الحال في بعض البلدان الإفريقية والآسيوية.
▪ وكان يمكن للشعوب الإسلامية
أن تلعب دورًا أكثر إيجابية وأن تحدث أثرًا حاسمًا في نتائج الصراع العربي الإسرائيلي..
وهذا هو الشعور السائد لدى الشعوب الإسلامية. لكن ثمة معوقات كانت تقف دون
المشاركة الحقيقية والتدخل الفعال في المعركة.. ومعظم هذه المعوقات بكل أسف هي من
صنع السياسة العربية الحمقاء التي ظلت تسود المنطقة منذ أوائل الخمسينيات والتي
كان يدعمها ويغذيها النفوذ الاستعماري في المنطقة العربية ويستثمرها في مواطن
الشعوب الإسلامية من ناحية أخرى.
• لقد حرص الحكام العرب على إبعاد العنصر الإسلامي
ومحو الصبغة الدينية عن القضية -في الوقت الذي اعتبر اليهود أن الدين هو صميم
قضيتهم وعصبها- وبذلك حطم هؤلاء الحكام العامل المشترك الذي يربط الشعوب العربية
مع شعوب القارة الإفريقية وآسيا وأجزاء من أوروبا حيث ينتشر الإسلام وتستقر ملايين
المسلمين، وساعدوا في عزل الأمة العربية عن أكبر رصيد دولي كان يمكن أن يقف معها،
بل ذهبوا في التهجم على الإسلام ومحاربته مما جعل الكثير من هذه الشعوب تنظر إليهم
بارتياب وتشكك وربما اعتبرتهم أعداء لدينها ومقدساتها.. كما أنهم افتعلوا الكثير
من العداء مع بعض هذه الدول باسم اليسارية والاشتراكية ومحاربة المعسكر الغربي.
● حرص الكثير من هؤلاء الحكام
على عزل الشعوب الإسلامية عن القضية الفلسطينية.. وإبقاء القضية عربية صرفة.. وقد كان
وراء هذه السياسة أطراف كثيرة.
فهناك الحكام العرب «القوميون» الذين كانوا يحلمون بإمبراطورية
عربية تكون طوع بنانهم خصوصًا فيما يتعلق بخطهم السياسي تجاه القضية الفلسطينية..
وقد كان هؤلاء الحكام يخشون أن تغرق هذه الأحلام في خضم الوحدة الإسلامية الكبرى..
وأن تنهزم مخططاتهم وسياساتهم أمام المبادئ الإسلامية الواضحة..
وهناك الماركسيون الذين ازداد نفوذهم في حكومات
الهزيمة الحزيرانية.. وهؤلاء كانوا يخشون أي وحدة إسلامية لا تقوم على الأممية
الشيوعية ولا تكون ضمن المنظومة الاشتراكية الدائرة في فلك المعسكر السوفيتي. وهم
بصفة خاصة ضد الوحدة الإسلامية، عقيدة وسياسة. ويشاركهم هذا الموقف المعسكر
الشيوعي العالمي بكل سياساته ومؤامراته.
وهنالك الغرب وعملاء الغرب، هؤلاء يفضلون دمار
العالم الإسلامي حتى الحضيض دون أن يشهدوا صحوة العملاق الإسلامي.. ولا شك أن أي
خطوة لإشراك العالم الإسلامي في هذه القضية يعني أن سياساتهم العدوانية في أرض إسلامية
أخرى ستواجه بمقاومة عالمية من شعوب المسلمين جميعًا..
وقد لعب اليهود دورهم الطبيعي في إذكاء الخلاف بين
العرب وبقية الدول الإسلامية غير العربية.. وقد كان إيلي كوهين خلف توتر العلاقات
السورية التركية حينما ألقى خطابًا في دمشق طالب فيه بلواء الإسكندرونة.. وكانت
حكومة القاهرة تساند مكاريوس ضد مسلمي قبرص الأتراك مما أساء للعلاقات التركية
المصرية ووقف أحد حكام القاهرة مع الإمبراطور هيلا سيلاسي ضد مسلمي الصومال
وإريتريا وتعرضت باكستان لهجوم الشيوعيين العرب.. وصادق الحكام الثوريون جوليوس
نييريري سفاح زنجبار.. إلخ..
وقد تميزت مواقف العالم العربي من قضايا المسلمين
الكبرى بسلبية غريبة كما أن العلاقات الدولية كانت مقطوعة تقريبًا ولما انطلقت
دعوة «المؤتمر الإسلامي».. تحركت جميع تلك الدوائر في حركة دعائية طاغية تتحدث عن
«الحلف الإسلامي» وتركز الهجوم عليه وعلى دعاته وتعلن رفضها له في أي شكل وفي أي
صيغة.
ومع ذلك فعند اندلاع الحرب وقف العالم الإسلامي إلى
جانب العالم العربي.. قطعت غينيا علاقاتها مع إسرائيل وأعلنت موريتانيا أن جيوشها
على استعداد لدخول المعركة وطلبت الصومال الإذن لها بإرسال قواتها إلى الجبهة
واستعد الجيش الباكستاني والمتطوعون وهبطت طائراته المقاتلة في الجبهة الشرقية.
واتخذت الدول الإسلامية موقفًا موحدًا في الأمم
المتحدة ونسقت جهودها.. ثم اجتمع رؤساء هذه الدول في المغرب في مؤتمر عام انبثقت
منه الأمانة الإسلامية العامة، وتتابعت المؤتمرات الوزارية لمتابعة نشاط المؤتمر،
وكانت القضية المركزية التي تتركز حولها جهود المؤتمر هي قضية فلسطين.
وقد شهدت الشهور الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في موقف
الشعوب الإسلامية.. حينما أعلنت الدول الإفريقية المسلمة موقفها بوضوح إلى جانب
الحق العربي وحملت منظمة الوحدة الإفريقية على اتخاذ موقف أكثر عدالة وجرأة تجاه
القضية الفلسطينية.
والفضل في هذا التحول يرجع إلى تغير السياسة
العربية تجاه إفريقيا.. فحينما كانت الأنظمة اليسارية قبل حزيران تركز على التضامن
اليساري لخدمة المصالح الشيوعية والسوفيتية.. أصبحت العلاقات العربية الإفريقية
اليوم تقوم على دعامة جديدة وتخاطب الإخاء الإسلامي والمشاعر الإسلامية لدى الشعوب
الإفريقية. وفي ظل التعاون الإسلامي شهدت العلاقات العربية الآسيوية تحسنًا
ملحوظًا مع شعوب القارة المسلمة وأصبحت هذه الشعوب أكثر قربًا من العالم العربي
وأكثر حماسًا لقضاياه.
إن العالم الإسلامي سيؤدي الكثير من أجل القضية
العربية إذا اعتدلت السياسة العربية وتفهمت عمق الروابط التي تشدها إلى الأمم
الإسلامية واستثمرت هذه الروابط استثمارًا حسناً.. إن مشاكل العالم الإسلامي هي
مشاكلنا والمسلمون في كل مكان يواجهون أخطارًا حقيقية لا تقل عن أخطارنا، فلو
وقفنا إلى جانبهم بروح الإخاء الإسلامي لوقفوا معنا بلا تحفظ في قضايا القومية.
إن الأمم الإسلامية تمثل رقعة جغرافية شاسعة على
خريطة العالم.. وتتحكم في أهم المناطق وأكثرها حيوية.. فلو طردت إسرائيل من هذه
الرقعة لواجهت عزلة كبرى.. ولاختنقت تجاريًا واقتصاديًا وإستراتيجيًا.. إسرائيل
كانت تحاصر العالم العربي وتقف على أرض إسلامية فلو شاركت الدول الإسلامية في
برامج المقاطعة العربية لواجهت دول العدوان أزمة تجارية طاحنة.
• إنّ الدول الإسلامية تبلغ في تعدادها أكثر من
أربعين دولة وهي دول متعددة الميزات والأهميات فلو وقفت جميعها كمعسكر واحد خلف
القضية العربية ومارست وجودها الدولي في الضغط بمختلف الوسائل على الدول الكبرى
وعلى الأمم المتحدة وعلى حليفتها إسرائيل بوجه خاص.. لأثمر هذا الموقف أكبر انتصار
سياسي ممكن.. ولأوجد رصيدًا دبلوماسيًا هائلًا خلف السياسة العربية.
• كما أن العالم الإسلامي في مقدوره أن يدعم العالم
العربي دعمًا مباشرًا.. وهو دعم خالص من غير قيد أو شرط ودعم صادق من جهة تؤمن
بالحق العربي وتسانده باعتباره قضية من قضايا الإسلام المعاصر.
• ويمكن أن تدعم الدول الإسلامية العالم العربي
إعلاميًا فيتوصل الصوت العربي إلى مواقع لا يبلغها المد العربي وتتفرد بها
الصهيونية الدولية.. ويمكن أن تدعمه سياسيًا ومعنويًا.
• يمكن أن تقدم الدول الإسلامية معونتها الاقتصادية
للعالم العربي عن طريق التنسيق التجاري والاقتصادي وعن طريق القروض والمعونات.
• يمكن أن تقدم الدول الإسلامية دعمًا عسكريًا
هائلًا للعالم العربي الذي يقع تحت الابتزاز السوفيتي والغربي.. فهنالك جيوش
بأكملها مستعدة للزحف تجاه الجبهة.. كما حدث من قبل في حزيران.. وهناك العتاد وقطع
الغيار متعددة المصادر وهناك المستشارون والخبرة وهنالك التسهيلات الإستراتيجية
باختصار فإن ما يمكن أن يجده العرب من مساعدات من الدول الإسلامية.. لا يقل عما نلهث
خلفه من الدول الكبرى التي تمرغ كرامتنا وتمتهن حريتنا قبل أن تعطينا ريعها.. وأن
الدعم الإسلامي هو دعم خالص وصادق وبلا شروط أو منة..
وإذا كانت السياسات الحمقاء التي سيطرت على السلطة العربية وقادتها إلى الهزيمة قد ولت ولو جزئيًا فلا بد من وقفة جديدة نراجع فيها سياستنا تجاه العالم الإسلامي الذي ننتمي إليه ونشكل جزءًا من كيانه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل