; من ظواهر الارتكاس في الفكر المعاصر اللعب بالألفاظ | مجلة المجتمع

العنوان من ظواهر الارتكاس في الفكر المعاصر اللعب بالألفاظ

الكاتب الشيخ عثمان صافي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1975

مشاهدات 0

نشر في العدد 269

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 30-سبتمبر-1975

من ظواهر الارتكاس في الفكر المعاصر اللعب بالألفاظ

بقلم الشيخ عثمان صافي

من يتأمل الفكر الإسلامي في عصوره الزاهرة يجد- دون أن يخامره ريب، بأنه بلغ القمم، يشهد بهذا المسلمون والموالون والأعداء. ونظرا لتشعب المعارف الإسلامية والعلمية وتوسعها لدرجة يدهش لها الناظر، فلقد كانت المبتكرات الفكرية والنتاج الذهني عرضة لأن يصاب بكارثة من جراء توالد المعاني لدرجة يكاد لا يتصورها العقل. سيما وأن المسلمين ظلوا يواجهون خصوما على مر العصور ولكنهم- أي المسلمين، لم يفقدوا الوعي في أية حقبة من تاريخهم، فقد كانوا راصدين- دون أخذ قسط من الراحة لكافة المكائد التي كانت تحاك للإسلام ودعوته، بل لقد كان سهرهم على عقيدتهم سجية تنساب في عروقهم انسياب الدم فلا غزو- بعد ذلك. أن نجدهم يتحركون تلقائيا كلما ظهرت بادرة أو مؤشر خطر يهدد ما نذروا أنفسهم لحمايته والحفاظ عليه، ونقله على خير وأفضل ما يكون سلامة، إلى الأجيال التي تأتي بعدهم.

والبراهين على ما نذكره كثيرة لا تحصى منها اكتشاف قوانين اللغة العربية من حرف ونحو ومعاني وبيان وبديع وإملاء وغير ذلك ومنها متابعة ما خلفه الإغريق من قواعد المنطق حتى ال بهم الأمر إلى اكتشاف قوانين تلتزم كأدب وأصول في المناظرة والبحث، ومنها- وهو موضوع حلقتنا هذه، اهتمامهم الفائق بالألفاظ ودلالاتها حتى صنفوا تلك الدلالات إلى عام وخاص، ومطلق ومقيد، وحقيقة ومجاز، ولغوي وشرعي واصطلاحي وعرفي وغير ذلك مما هو معروف من البحوث اللغوية التي نرجو أن تأتي مناسبات لتوضيحها حسبما يمليه البحث ويقتضيه المقام.

ومن أبرز اهتماماتهم بهذا الصدد، مبالغتهم في التدقيق على تحديد مدلول اللفظ والتشدد في الالتزام بقواعد المنطق فيما يتعلق بالتعريفات فمن المعروف أن الكلمة في اللغة، وعلى الأخص في اللغة العربية يمكن أن تستعمل في التعبير، مع احتمالات أن تكون لها مدلولات شتى، بل أن اللفظة الواحدة، قد تجدها في عدد من الاختصاصات والمعارف، ويكون لها في كل اختصاص منها مدلول يختلف عن الآخر، ويتجاذب اللفظة أحيانا طوائف لا يحصون من الناس، كل منهم يفيد منها في كلامه، ويكون مقصوده باستعمالها غير مقصود الآخرين.

ولو أن أمر الألفاظ ترك على عواهنه، إذن لحدثت التباسات لا حصر لها، كفيلة أن تقوض دعائم الفكر بأسره، وخشية أن يحصل اختلال من هذا القبيل، أولى المسلمون في عصورهم المختلفة، أولوا اللفظة اهتماما بالغا، حتى دخلت في العديد من الأبحاث التي- على تكاثرها- تعني باللفظة لجهة مدلولها، والهدف: هو ضبط المدلول، خشية أن يقع لبس- أي ليس مما كان بسيطا أو نسبيا، بين لفظة وأخرى، أو مدلول وآخر للفظة واحدة.

ومن أبرز الأساليب وأهم الوسائل لضبط مدلولات الألفاظ فرض المسلمين قواعد هي غاية في الأحكام للتعريف ،بل يمكن القول، بأن أحدا من العلماء لم يكن يتقبل تعريفا للفظة ما، ما لم يخضعه للاختبار، ويجري عليه تعديلات يصحح بواسطتها خروجه عن القواعد، التي من أهمها أن يكون جامعا مانعا، أي جامعا لأفراد المعرف- بفتح الراء- مانعا من دخول غيره فيه، وكثيرا ما يرى المتتبع للعلوم والمعارف الإسلامية أن السلف رحمهم الله لم يكونوا يسلمون بتعريف دونما إخضاعه للفحص ومعايير الفن، ولم يكن أحد يجد تحرجا في ذلك، بل تظل التعاريف عرضة للنقد مهما تطاول عليها الزمن..   

        والمسلمون، لم يكتفوا بضبط مدلولات الألفاظ، بل تعدوا ذلك إلى ربط مفهوم اللفظ بواقعه. وخرجوا بثلاثة عناصر رئيسية فيما يتصل بهذه القضية: اللفظ وهو الكلمة المؤلفة من حروف، ومفهومها وهو المعنى الذي تدل عليه، والثالث يدعى الماصدق، والمقصود به الواقع الذي يتجسد فيه المفهوم. على سبيل المثال: المسلم، والمؤمن- بالمفهوم الشرعي أي الناجي من يحمل وصفها- هما لفظان مختلفان في الحروف، ومتباينان في المفهوم ضرورة أن مدلول لفظة- مسلم- هي غير مدلول لفظة- مؤمن- والشاهد على ذلك سؤال جبريل للرسول عليه الصلاة وإسلام مرتين، إحداهما الإسلام والأخرى عن الإيمان. هذا فيما يتعلق باللفظين ومفهوم كل منهما. وأما حين نأتي إلى- الماصدق- نجد أنه واحد، وهو الشيء الذي يصدق عليه اللفظان معا بمفهوميهما، وهو الإنسان المصدق برسالة محمد عليه الصلاة والسلام.

        ولكن ما علاقة هذا البحث بالعقائد، وما المسوغ لأن نلحقه يعلم الكلام؟

في صيف عام 1387 هـ - 1967 م. كلفت من قبل جمعية التربية الإسلامية بإدارة مدرسة القرآن الكريم وبإعطاء دروس للطلاب الثانويين بالعقيدة فيها، ووجدت نفسي يومذاك، منساقا- دون شعور- إلى أن أكرس ذلك الصيف لتعريفات أمليتها على الطلاب لعدد من أمهات الألفاظ ذات الانتماء العقائدي، وأعان الله على بلوغ الرقم الثلاثين. وما من لفظة عرضنا لمناقشتها، إلا واكتشفت أن المفهوم الذي يحمله الطلاب عنها هو مفهوم خاطئ، والخطأ عرض مما يشاع من تفسيرات في المجالات الثقافية، أو تناقله الألسن غلطا أما مقصودا، أو عن غير قصد. واستيقنت آنذاك، أن من أهم الواجبات التي يتحملها المختصون بالشئون العقائدية، إعادة النظر في القضية الخطيرة هذه، وضبط المدلولات لتلك الألفاظ التي غدت مشاعا لمن يحملون ألقاب المثقفين زورا وهم لا يثقفون، أو المفكرين وهم غارقون في التأملات الخاطئة.

        والقضية هذه تتطور بصورة مخيفة من جانبها السلبي هذا، فلم تعد المشكلة مجرد أخطاء تنزلق فيها بعض الأقلام، أحيانا، ولكنها غدت قضية- معضلة- تهدد، لا العقائدية وحسب، بل ترقي لأن تضع العقل البشري في قفص الاتهام. ولقد تخيرنا في الحلقة هذه، أن نطلق اسم اللعب بالألفاظ- على المسألة هذه.

فبعد أن كانت الأغلاط تنجم عن ضعف عند المفكر أو الكاتب، أو تتسبب عن عدم اطلاع، أذابها تتحول إلى ما يشبه الكارثة ووجه كونها كذلك- وعلي الأخص ما ألمحنا إليه من أنها تكاد تصيب العقل بمساس، أن الإنسان إنما كرمه الله تعالى بالعقل وجعله ناطقا،- خلق الإنسان علمه البيان ومن مستلزمات ذلك، بل من مقوماته ودعائمه الأساسية، أن يحسن استعمال الألفاظ التي يستخدمها في التخاطب، فيتحاشى المغالطة، كان يسمي الأشياء، بغير مسمياتها، أو يقول القولة ويريد سواها، أو يصرح بمعنى ويبطن ضده، وما إلى ذلك. وإذا نحن ألقينا نظرة متفحصة على مزاولة الإنسان لنعمة الله هذه، نجد التجاوزات على أوسع نطاق، بل يبلغ اللعب بالألفاظ درجة تصل إلى حد الإجرام، بل تزيد.

        لعله أن لنا- بعد أن أطلنا الحديث على القارئ الكريم أن نذكر السبب الذي أوحى بهذه الحلقة، وهو- ذاته- السبب الذي كتبت الحلقة السابقة في موضوعه.

 فمن خلال البحث الماضي، اتضح لنا كيف استطاعت مجلة روز اليوسف- بفنية، أن تقلب الحقائق، حتى زعمت الماركسي مسلما. ولدى التأمل يتبين، أنها مارست- في خطتها هذه- طريقة اللعب بالألفاظ كوسيلة للوصول إلى هدفها المبيت وفيما يلي نماذج حية ومكامنه لهذه الأبحاث، نختارها من التعريفات الفاسدة للمجلة. قال الشرقاوي- في تعريفه اليسار:

- إن اليسار جبهة عريضة عميقة، تضم كل القوى التي تؤمن بالتقدم وتناضل من أجل العدالة الاجتماعية، وتصوغ الزمن الذي يصبح فيه الإنسان بحق أخا للإنسان حيث لا الحاجة تسحق الإرادة، ولا الاستغلال يقهر الكبرياء. ولا الضيق يمتهن الشعور- إلخ. إلخ عموميات ممنوعة، تحظرها تواعد المنطق، ولكل فئة أن تدعي أمثال هذه الأهداف.

ويعود ليعرف اليسار تعريفا آخر: اليسار هو إرادة التغيير والتطور هو أزمات الرجال والنساء ماضية في صراعها مع قوى القهر والاستغلال والتخلف، لكي تحرر الإنسان وتجعل له قبضة قادرة على المصير، ولتجعل من هذا الكوكب الذي وكل فئات الاشتراكيين جنبا إلى جنب إلى يعيش فيه الإنسان- مرة أخرى عموميات وطريقة خطابية وشعرية في التعريف، ولكل مذهبية أن تدعي هذه الأهداف، ولكن على طريقتها.

ولكن الكاتب- الصحفي الذي يتحدث بلسان المفكرين الفلاسفة، يعرج على تعريفاته لينقضها، فيفتح الطريق لإدخال الماركسية في اليسار، ترشيحا لإدخال الإسلام فيما بعد.. - أن هدف اليسار هو تحقيق الاشتراكية التي هي أمل البشرية وربيعها حقا- في طريق النضال من أجل هذه الاشتراكية يقف الاشتراكيون نعيش فيه ركنا أمنا سعيدا جديرا بأن جوار الاشتراكيين العلميين. الماركسيون والشيوعيين ..  حتى أن اختفوا هم أيضا فيما بينهم!-!- أي مكن إذن أن يعزل الماركسيون والشيوعيون من جبهة النضال في سبيل الاشتراكية وهم من طلائع هذه الجبهة.. !!-

نعتذر إلى القارئ الكريم أن أخذنا من وقته في قراءة ما يصح أن يدعى هذرا من القول في قواعد المنطق وحسب أصول البحث العلمي، وهكذا الصحافة- حين لا تمتلك مرتكزات مبدئية- فإنها، بلسانه قلم، وفنية لعب بالألفاظ ومدلولاتها، لا تخجل أن تنتهي إلى النشاز، والشرود التام عن التدقيق والمنهجية العلمية في البحث وبذا أمكن للكاتب أن ينتهي إلى القول: ثم ما هذا الاتهام البالي للشيوعيين والماركسيين بأنهم ملاحدة، وبأنهم أعداء للدين، وبأنهم ورثة دعوة يهودية تهدم الأديان؟!!- ولا يجد غضاضة في- أن تتحالف قوى الشعب لا يمكن أن يكون تحالفا حقيقيا إلا إذا اتسع لكل الذين يؤمنون به..  ولا يمكن أن يكون طاقة تصنع تطور هذا الوطن إلا إذا أثرى بكل الطاقات الوطنية مهما تكن العقائد والأفكار والفلسفات- وهكذا يضرب هذا الكاتب وحدة الأمة الإسلامية على الإسلام، ويرغب للإسلام أن لا يكون له من دور إلا أن يخنع أهله لا للماركسية اللبنية وحسب، بل- لكافة العقائد والأفكار والفلسفات!- روز اليوسف 4 أغسطس 1975-

        نموذج آخر: تعريف للإسلام هذه المرة! ففي معرض مناقشة- الشرقاوي لفضيلة شيخ الأزهر، في مقابلة أجرتها معه آخر ساعة عند 20 أغسطس- يقول الشرقاوي: تقول يا صاحب الفضيلة: إن المسلم الصادق يكتفي بإسلامه عن أي مذهب آخر، وإن الله -سبحانه وتعالى- يقول في وضوح لا لبس فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: 3). الإسلام دین يا صاحب الفضيلة..  فيه العقيدة و الشريعة جميعا..  أما المذاهب فهي فلسفة واقتصاد وعلم اجتماع..  فمن الذي وضع المذهب في مواجهة الدين أو بديلا عن الدين؟!

إن من عنده مسحة من العلم، أو أي إلمام بالشئون المذهبية والعقائدية لا يخجل من كتابة هذا الكلام، بل ومن قراءته فالإسلام- في نظر الكاتب، هو دين، ولكنه ليس بمذهب، بل لا يقابل بالمذهبية ولا الفلسفة أو الاقتصاد وعلم الاجتماع يقصد، لكل من هذه المسميات حقولها، دونما تعارض! وطالما وضع هذا الطوق على الدين، فلا غزو بعد ذلك أن يمتدح الاتحاد السوفيتي الذي صلى في عاصمته- موسكو- والصين التي عنده مصحف منها-!- روز اليوسف 11-8-1975.

وأخجلتا على العلم والعلماء، والفكر والمفكرين، إنها لمهزلة لا تضاهيها مهزلة أن يبلغ بالفكر هذا الدرك من التدهور، وفي مصر موطن الجامعات ومصدر المعرفة. مرة أخرى معذرة للقارئ، له الحق أن يضيق، بقراءة المزيد!

الشيخ عثمان صافي

الرابط المختصر :