العنوان من صفات الدعاة.. الشعور بمعية الله.. الحلقة الثانية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
مشاهدات 121
نشر في العدد 501
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
-«دعوني فإن الله سيمنعني» قالها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما أراد أن يجهر بالقرآن أمام صناديد قريش.
-يقول عبد الله بن مسعود بعد أن أسمع الكفار ما يكرهون من القرآن ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا.
-لقد كان ابن تيمية متيقنًا أن الله معه يسمع ويرى لذا؛ فإنه كان ينظر إلى ملك التتار وهو يكلمه وكأنه هباءةٌ حقارة أمام عظمة الله تعالى.
-والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامي كالقط قالها سلطان العلماء مجيبًا بها سؤال أحد تلاميذه.
ويتخرج من المدرسة النبوية جيلًا من الصحابة رضي الله عنهم ضربوا أروع الأمثلة في تاريخ البشرية بمواقفهم الفذة وإيمانهم الذي لا يلين.
فهذا أحدهم وهو «أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. اجتمع يومًا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعوه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعوه من القوم إن أرادوه» (١٦) وبثقة المؤمن بمعية الله.
وهو الضعيف جسديًا حتى كان بعض الصحابة يضحك في نحافة ساقية.
وهو الذي ليس له عشيرة يحمونه ويدرون عنه ما يلاقي.
وهو المسلم الذي تبع هذا الدين الجديد الذي يسفه آلهتهم.
وهو راعي الغنم المسمى عندهم «ابن أم عبد».
يقول «دعوني فإن الله سيمنعني» (۱۷) بهذا الإيمان فقط. ولا يملك سواه أتاهم ضحى وهم يلعبون وأمام صناديد قريش وزعمائهم يقف عند مقام إبراهيم «ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم -رافعًا بها صوته- الرحمن علم القرآن- فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟
قالوا: إنه يتل بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد آثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك» (۱۸).
ولكنهم عندما قالوا له ذلك لم يعرفوا ما الشعور الذي كان يعيش فيه ابن مسعود رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن وهم يضربونه، ولم يعلموا أنه أدرك بعد هذه التجربة الصغيرة مع أهل الباطل أنه قوي مع الله وهم ضعفاء لا يملكون سوى الضرب والتهديد، وهم أضعف من أن يقارعوا الحجة بالحجة أدرك ذلك إدراكًا لا يشك فيه أبدًا. لذلك أجاب أصحابه «ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا. قالوا: لأحسبك قد أسمعتهم ما يكرهون» (۱۹).
شهيد طاغية بني حنيفة
اختار الرسول صلى الله عليه وسلم شابًا من الخزرج ليرسل معه رسالة إلى طاغية بني حنيفة «مسيلمة الكذاب» ينهاه فيها عما يقوم به.
دخل على مسيلمة ليس معه إلا الله مستشعرًا بذلك، ورجال مسيلمة ملتفين حوله، عيونهم تكاد أن تأكل الصحابي الجليل «حبيب بن زيد الأنصاري» وما أن قرأ مسيلمة ما في الرسالة حتى غضب غضبًا شديدًا فسـأل حبيب، أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ لم يرهب الشرر الذي يخرج من عين مسيلمة ولا السيوف الملتفة حوله والجو المرعب الذي يخشاه وقال بكل شجاعة، شجاعة المؤمن إن الله معه الآن يراه ليس غافلًا عنه «يسمع ويرى» قال نعم فسأله- أتشهد إني رسول الله؟ ولم يكتف بلا إنما بالغ بالإنكار عندما رد عليه قائلًا أنا أصم لا أسمع، وما زال يكرر عليه السؤال وحبيب يكرر عليه نفس الجواب ومسيلمة يقطع في جسده بعد كل إجابة عضوًا حتى فاضت روح وذهب شهيدًا رضي الله عنه (۲۰).
إمام أهل الشام
عبد الرحمن بن الأوزاعي الفقيه الثقة، كانت له مواقف كثيرة مع الأمراء وكانوا يهابون ولا يهابهم. دخل على أبي جعة المنصور ذات يوم، يقول «فرأيه الرجال وقوفًا بين يدي بالسيوف. فلما رأيت ذلك. لم الله إلا وأنا مقتول، قال لي: ما تقول
دماء بني أمية؟ قلت: هي حراء قال رسول الله صلى الله عليه وساء -أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله-
قال: ويلك أليس الخلافة وراثة لنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت- لو كانت وراثة لكم ما حكم «عليَّ» الحكمين. ثم قال لي- قم فخرجت (۲۱).
ومع أنه كان لا يشك أنه سيقتل وكان من الممكن أن يداهن كما يفعل الكثير من العلماء أو يأخذ بالرخصة في قول ما يرضي الملك خوفًا من البطش الذي كان لا يشك فيه، ومع ذلك كله قالها وهو يشعر أن الذي أمامه عبد مثله لا يملك ضرًا ولا نفعًا وأن الله معه بكل كلمة يقولها وبهذا الشعور، نطق بكلمة الحق لا يخاف بالله لومة لائم.
قال محمد بن إبراهيم- فجمعت ثيابي والسياف قائمًا على رأس أبي جعفر، مخافة أن يأمر به فيقتل فيصيب دمه ثوبي.
قال- ما تقول في؟
قال- أعفني يا أمير المؤمنين.
قال- لا بد أن تقول.
قال- إنك لا تعدل في الرعية ولا تقسم بالسوية.
فتغير وجه أبي جعفر- فقام «إبراهيم بن يحي»- والي المدينة أيام المهدي- وقال: طهرني بدمه يا أمير المؤمنين؟
قال له ابن أبي ذئب- اقعد يا بني
فليس في دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله- طهور» (٢٤) ولا نزيد على ما قاله الإمام أحمد.
لا شك أنه كان ينظر إلى ملك التتار وكأنه هباءة أمام عظمة الله «خالق كل شيء» الذي كان يستشعر أنه معه يسمع ويرى.
الله والشعور بمعيته لتبدل الموقف غير الموقف...
إن هذا الاستحضار لا يتم هكذا دون تربية ومجاهدة لهذه النفس
ابن أبي ذئب الإمام الثبت
هكذا ترجم له الذهبي في التذكرة.
قال عنه الإمام أحمد «دخل على المنصور فلم يهبه أن قال له الحق وقال الظلم ببابك فاشِ وأبو جعفر أبو جعفر» (۲۲).
وذلك ما رواه محمد بن إبراهيم تلميذ بن أبي ليلى قال:
«كنت عند أبي جعفر المنصور-وعنده ابن أبي ذئب فقال -أبو جعفر: ما تقول في الحسن بن زيد؟. وكان واليًا للمدينة أيام المنصور».
قال- يأخذ بالشاحنة (۲۳) ويقضي بالهوى.
فقال له الحسن- الله الله، والله ما سلم عليه أحد وإن شئت فسله عن نفسك يا أمير المؤمنين.
شيخ الإسلام ابن تيمية
وذلك عندما أراد التتار مهاجمة دمشق بعد أن حطموا بغداد فخرج الناس من الشام هربًا إلى مصر وخرج معهم كبار العلماء والأمراء وأعيان الناس وفي هذا الوقت قرر ابن تيمية الذهاب لمقابلة ملك التتار يكلمه بالامتناع عن دخول دمشق- فذهب وقال للترجمان وهو واقف أمامه قل للقازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاضِ وإمام وشيخ ومؤذنين على ما بلغنا وأبوك وجدك كانا كافرين وعملا ما عملت عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت» (٢٥).
بهذه اللهجة كان يخاطب الملوك الذين حطموا بغداد وقتلوا أهلها، التتار الذين لا يعرفون إلا الدمار الذين كان يهرب الناس منهم قبل أن يصلوا إلى ديارهم.
سلطان العلماء
العز بن عبد السلام، لقبه بذلك تلميذه ابن دقيق العيد- كان مهابًا من السلاطين والأمراء وكانوا يحسبون له ألف حساب... «حزن عليه السلطان الملك الظاهر بيبرس كثيرًا عند موته حتى قال لا إله إلا الله ما اتفقت وفاة الشيخ إلا في دولتي» (٢٦) «طلع الشيخ عز الدين مرة إلى السلطان في يوم إلى القلعة فشاهد العسكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه يا أيوب ما حجتك عند الله إذا قال ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور فقال- هل جرى هذا فقال- نعم الخانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة- يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون فقال- يا سيدي هذا أنا ما علمت، هذا من زمان أبي فقال- أنت من الذين يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمه فرسم السلطان بإبطال تلك الخانة- يقول الياجي- سألت الشيخ لما جاء عند السلطان- يا سيدي أما خفته- فقال- والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان- قدامي کالقط» (۲۸)
نعم فلولا هذا الاستحضار لهيبة والاعتراف بالأخطاء، لا يتم دون تفكر مستمر بخلق الله العظيم والتفكر بقدرته التي أهلك بها الأمم السابقة والتي يهلك بها على مر العصور كل عتل جواظ مستكبر، لا يتم دون ذوبان كامل بهذه الدعوة المباركة وبكل متطلباتها
(۱) مريم ۸۸ إلى ۹۱.
(٢) النازعات ٢٤.
(٣) طه ٤2،٤3.
(٤) طه ٤٥.
(٥) طه ٤٦.
(٦) الظلال ٢٣٣٧/٤- الشرق.
(۷) طه ٤٧.
(۸) طه ٤٨.
(۹) القصص ۳۳.
(١٠) القصص ٣٤.
(١١) طه ٤٥.
(۱۲) الشعراء ٦١.
(۱۳) الشعراء ٦٢.
(١٤) الشعراء ٦٣.
(١٥) الظلال ٥/2598,٢٥٩٩- الشروق.
(١٦) سيرة ابن هشام 1/314.
(۱۷) سيرة ابن هشام 1/314.
(۱۸) سيرة ابن هشام 1/315.
(۱۹) سيرة ابن هشام 1/315.
(۲۰) أصل القصة في- أسد الغابة 1/443 الشعب.
(۲۱) الجرح والتعديل- للرازي 1/214
(۲۲) تذكرة الحفاظ 1/ 192.
(۲۳) الشاحنة - أي الحقد.
(٢٤) أدب الشافعي ص ٣٢٠.
(٢٥) القول الجلي في ضمن مجموعة المناقب ص ١٦٢.
(٢٦) طبقات الشافعية 5/102.
(۲۷) الطبقات الشافعية 5/82.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل