; من ذكريات هذا الشهر: بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى | مجلة المجتمع

العنوان من ذكريات هذا الشهر: بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى

الكاتب علي عبد العزيز

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1984

مشاهدات 64

نشر في العدد 672

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-مايو-1984

  • التاريخ الإسلامي مملوء بدروس تجرد الأمة لله وتميز الشخصية المسلمة فيها

تحويل القبلة:

كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام حسب أصح الروايات التاريخية في شعبان من السنة الثانية من الهجرة المحمدية، حيث كانت في ربيع الأول على الأشهر ثم تم التحويل في شعبان من السنة الثانية يعني بعد ستة عشر شهرًا على التقريب.

 وبذلك يكون قد تم التحويل على مرحلتين: الأولى إلى بيت المقدس في الشام بوحي من الله دون اللفظ، ثم تولى إبلاغه ومضمونه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، والثانية إلى بيت الله الحرام بمكة بوحي من الله لفظًا ومعنى، كما جاء ذلك صريحا في القرآن الكريم: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ (البقرة: 150).

وعلى هذا فلابد من وقفة أمام هذا الحديث بشقيه كي نأخذ منه العبرة النافعة والدرس الناجح، ليكون نبراسا لنا في حياتنا ، ونورا نستضئ به في مسارنا، وهذا هو الغرض من وراء العرض لأحداثنا، فلم يكن الغرض من العرض للأحداث هو الذكرى دون العبرة ولا السرد دون المعالجة، ولذا جاء في التنزيل: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:176) ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (يوسف: 111)

1) الدرس الأول من التحويل هو التجرد لله من كل ما سواه:

أ - لقد كان تحويل القبلة أولًا عن الكعبة إلى المسجد الأقصى درسًا شافيًا يحدد معالم ويوضح هدفًا، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ (البقرة: 143).

كان العرب في جاهليتهم يعظمون البيت الحرام عصبية، باعتباره بيت أبيهم إبراهيم وكانوا يعدونه عنوان مجدهم القومي، كما جاء في خطبة أبي طالب يوم زواج خديجة رضي الله عنها من الرسول صلى الله عليه وسلم «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل....» لذلك كانوا يودون أن تكون قبلتهم الأولى هي قبلة أبيهم إبراهيم، تمامًا كما كانوا يأنفون أن يفيضوا في الحج من عرفات، كما كان الناس يفيضون حتى أمرهم الله بضرورة الإفاضة من حيث يفيض الناس ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ (البقرة:199)..

 ب - ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من كل ما سواه، فقد انتزعهم انتزاعًا مما كانوا فيه من نفرة وعصبية، تماما كما انتزعهم أن كانوا يسمون أنفسهم بالحمس، كما هو الحال الآن مع الجنس الآرى والسامي.... إلخ.

 انتزعهم من الاتجاه إلى البيت الحرام إلى الاتجاه إلى بيت المقدس، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية وبقايا العنصرية، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر كالنسب والحسب واللون والجنس «... الناس سواسية كأسنان المشط» .... ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (الحجرات: 13) ... «ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه».

 فلما استسلم المسلمون لأمر الله وانصاعوا لأمر رسول الله، وعلم الله منهم الصدق في النية والإخلاص في الطوية، وصار الأمر عندهم سواء، حين التولي إلى البيت الحرام أو إلى المسجد الأقصى رد الله عليهم ضالتهم وجمع عليهم أمرهم، وآتاهم مما يحبون وهو تحويلهم إلى قبلة أبيهم إبراهيم، تماما كما فعل بإخوانهم أصحاب بيعة الرضوان ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (الفتح:18).

ج – إن هذا الدرس إنما يدل على غيرة الله تبارك وتعالى على قلوب عباده، أن يخالطها شيء من أمور الحياة يشغلها، أو يكون فيه احتمال الانصراف بصورة أو بأخرى عنه سبحانه، بعد أن خالط الإيمان بشاشتها وذاقت طعم هذا الإيمان، نعم يغار على هذه القلوب، لقد غار على قلب إبراهيم عليه السلام حين علم سبحانه أن حب الولد الذي جاء على كبر قد يشوب الخلة، أو قد يزاحم القربي، فأمره بذبحه وقطع صلته حتى لا يكون فتنة ويكون القلب كله الله.

فلما علم الله منه الإذعان للأمر والرضا بالاختيار ، وخلص القلب وصفا للرب، رفع عنه الحرج، وترك له الولد، لأن الهدف قد تحقق والصارف قد زال، فلا داعي إذن للعذاب ولا حكمة حتى في العتاب، وصدق سبحانه إذ يقول ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ (النساء: 147) .... ومن هنا جاء قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚإِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (الصافات:103-104-105-106-107).

د - ونفس الشيء حدث مع يعقوب- عليه السلام- حين انصرف كلية بوجهه نحو ابنه يوسف عليه السلام، كما أشار سبحانه في قوله على لسان إخوة يوسف ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (يوسف: 9). 

وهنا بيت القصيد وهو الانعطاف الكلي نحو يوسف، والميل الكلي تجاه يوسف، حيث كان واضحًا لدى إخوته الأمر الذي كان دافعا لهم لارتكاب جريمتهم نحو أخيهم من ناحيته، ومن ناحية أخرى نحو أبيهم حين نالوا منه عليه السلام بقولهم ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (يوسف: 8)..

لقد بعد الولد وحرم الوالد وأسلمه ذلك إلى الحزن، حتى ابيضت عيناه وتعثر في ممشاه، كما قرره القرآن وحكاه ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (يوسف: 85).

ولكن عندما صبر واحتسب ولم يظن بالله إلا خيرًا كما حكاه القرآن على لسانه ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (يوسف: 86). يعني أرجو من الله الخير، ولا أظن فيه إلا الخير، ثم دعوته لأولاده بعد ذلك بعدم اليأس ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا (يوسف: 87)

كل ذلك -فضلًا عن غيره- عنده من الشمائل والسجايا باعتباره من الذين هدى الله، والذين أمرنا أن نقتدي بهم كما جاء تعقيبا على ذكرهم في كتاب ربهم ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه (الأنعام: 90).

 كل ذلك أهله أن يكون أولى بالرحمة وأحق بالإكرام، فرد الله عليه الغائب ولم يحرمه من المفقود، وجمع شمله على أحسن ما يكون الجمع حيث السؤدد والإعزاز، وصدق الله إذ يقول ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (يوسف: 100)

۲) الدرس الثاني من التحويل الثاني هو التميز في الاتجاه والانقياد:

 أ - أما الدرس الثاني فهو تميز الشخصية المسلمة والدولة المسلمة في الاتجاه والانقياد، كما ميزت في التصور والاعتقاد.

إن من أبرز الأمثلة على تميز الشخصية المسلمة في تصورها واعتقادها، هو عمر بن الخطاب فقد كان يتصور أن وأد البنات قيمة، وأن عبودية العجوة «من البلح» عقيدة، فلم يلبث حين شرح الله صدره للإسلام وخالط الإيمان بشاشة قلبه أن يخلق خلقًا جديدًا، ويحيا حياة أخرى بعد عدم، وصدق الله إذ يقول ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ (الأنعام: 122).؟

هذا المثل الذي كان هذا تصوره وذاك اعتقاده لم يلبث حين اعتنق الإسلام أن ينال شهادة تقصر دونها كل شهادات الدنيا مجتمعة، هذه الشهادة هي شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له يوما: «يا عمر ما سلكت فجا إلا وسلك الشيطان فجا آخر....».

ب - إذن إن التمييز ضرورة للشخصية المسلمة والجماعة المسلمة، وكما يكون في التصور والاعتقاد لابد أن يكون في القبلة والاتجاه، فهذه كتلك، لابد من التخصص فيها والاختصاص قد يكون واضحًا فيما يختص بالتصور والاعتقاد غير واضح في القبلةوالاتجاه، وهنا يتعين أن نعرض لبعض الأمثال بمافيها من مظاهر وأشكال:

1) لقد نهى الشارع عن التشبه في المظهر واللباس «من تشبه بقوم حشر معهم.... إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم.... لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال ولعن الله......».

۲) ونهى عن التشبه في الحركة والسلوك «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا... لا تتخذوا قبري عيدا.... لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»

 ۳) ونهى عن التشبه في القول والأدب «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم... إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد... إنما أنا بشر مثلكم فإذا نسيت فذكروني....».

4) ونهى عن التشبه في التلقي والاتباع نحن أولى بموسى منهم... لئن عشت القابل لأصومن التاسع والعاشر.... ما هذا يا عمر.... والله لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي.....».

 ج - ما كان هذا النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم تعصبا ولا عنصرية.... إلخ وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات. كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال والمظاهر وهي التصورات والعقائد التي تميز قوما عن قوم، وعقلية عن عقلية، وضميرًا عن ضمير، وخلقًا عن خلق واتجاها عن اتجاه، ومن هنا قالوا... «ترسم الخطر يقضي لا محالة بتماثل النتائج... وإن التصرفات آية التصورات.... وإن الطباع سراقة... وشبيه الشيء منجذب إليه» إن الإسلام اختار أمة لتكون خير أمة، وتكون شهيدة على الدنيا بأسلوبها وسلوكها، فلابد أن تكون في مكان الصدارة وموضع القيادة، وتستمد تقاليدها كما تستمد عقيدتها من المصدر الذي اختارها، لا من مصدر آخر واعتقاد آخر.

 إن القبلة ليست مجرد مكان وجهة يتجه إليها المسلمون في الصلاة، بقدر ما هي رمز للتمييز والاختصاص في التصور والاعتقاد والشخصية والدولة والهدف والاهتمامات والكيانات، ومن أجل ذلك ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (الحج: 78).

د- وبعد هذه العجالة يمكن التواصي بالآتي حتى نكون ممن عناهم الله تبارك وتعالى في كتابه بالبشرى: حين يقرأ الإنسان أو يستمع الإنسان أو يرى الإنسان أي شيء أو حدث فلابد أن يخرج منه، وقد انعقد عزمه على المضي به قدما منفذا ومطبقًا لأحسن ما سمع ولأجمل ما علم، وهنا يستحق البشرى المشار إليها في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر:17-18)

1) لابد من مراعاة حق الله على العباد، وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وإن من معاني العبادة «خضوع القلب وذله» لا لشيء من مال أو جاه أو ولد أو نسب، ولكن لله وحده الأحق بالعبادة دونغيره.

ب) ألا يكون المرء في دنياه فضلا عن دينه «إمعة إن أحسن الناس يحسن وإن أساءوا يسيء» ولكن عليه أن يوطد نفسه ويعقد عزمه على أنهم إن أحسنوا أن يحسن وإن أساءوا أن يتجنب إساءتهم.

هذا وبالله التوفيق

الرابط المختصر :