العنوان من ذكريات الحج والعيد
الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007
مشاهدات 95
نشر في العدد 1781
نشر في الصفحة 66
السبت 15-ديسمبر-2007
الزمان: قديم موغل في أعماق الماضي.
المكان: مكة عندما كانت قفرًا يبابًا في الوادي الأجرد. لا يعمرها إنس، وإنما تلم بها بين حين وآخر جماعات من الرعاة، يحطون رحالهم عند أطلال البيت العتيق التماسا للراحة والبركة، ثم لا يلبثون أن يشدوا الرحال ويضربوا في تيه الصحراء بحثا عن مساقط الغيث ومنازل المطر.
عند أطلال البيت العتيق حط إبراهيم رحله ثم تهيأ للعودة من حيث جاء تاركًا هاجر وولدها الرضيع مع جراب فيه تمر وسقاء فيه ماء، وأدارت هاجر عينيها في هذا التيه القفر فسألت مرتاعة أتتركنا هنا بهذا القفر الموحش؟ قال: نعم، فأمسكت هاجر عن الكلام برهة، ثم سألت إبراهيم عليه السلام: الله أمرك بهذا؟! أجاب: نعم، قالت: «إذن فالله لن يضيعنا» ولم تزد ..
وانطلق إبراهيم - عليه السلام - وظلت هاجر تتبعه بعينيها حتى غيبه منعطف الوادي، فأقبلت على وليدها تستمد منه الأُنس في وحشتها، والقوة على احتمال محنتها، فلما نفد الزاد الضئيل الذي تركه لها سيدها إبراهيم عليه السلام، ونفد الماء، وخف ثديها فلم يعد يبض بقطرة، إذ ذاك بدا لها أن تبحث هنا وهناك عن شيء يمسك الحياة على طفلها، فراحت تضرب فيما حول الأطلال دون أن تهتدي إلى شيء، وسعت إلى جبل الصفا فعرجت إلى قمته لتشرف من على الوادي، لعلها تلمح من بعيد أثرًا للحياة، وهبطت من الصفا وسعت مهرولة إلى المروة، فصعدت وحدقت فيما حولها لعل أحدًا غيرها يضرب في التيه، ولا أثر ولا أحد .. وأعادت الكرة.
وظلت هاجر تسعى مهرولة بين الصفا والمروة مرتين وثلاثًا وسبعًا، حتى وهنت قواها وهدها اليأس، فارتمت إلى جانب طفلها، لكنها لم تقو على احتمال رؤيته وهو يلهث ظمأً والحياة تتسرب من كيانه اللطيف، وغطت وجهها بلفاعها وقالت: لا أنظر موت الولد، ثم استسلمت لقضاء الله.
وتفتحت السماء لمشهد الأم تكابد من هموم أمومتها وتجلت رحمة الله، فتفجر نبع زمزم من تحت أقدام الوليد المبارك، وهرولت الأم إلى النبع فارتوت وسقت وليدها وردت الروح إلى الطفل وأمه، وبعثت الحياة في الوادي الأجرد، وقد استجاب الله لدعاء إبراهيم عليه السلام.
وتمضي الدهور والأحقاب والأم هاجر ملء القلوب، فكلما دار عام القمر دورته وأهلَّ عيدنا الأكبر، سعى الألوف من الحجيج بين الصفا والمروة مهرولين سبعة أشواط كما سعت هاجر من قبل.
لقد كانت الأمم الماضية تعرف الأعياد لهوًا ولعبًا وشرابًا وطربًا وجلبةً وصخبًا، بل إن بعض الأديان القديمة كانت تتخذ أعيادها الدينية من مادة الإباحية المستهترة والفوضى الخلقية السافرة، ويجيء الإسلام بموازينه العادلة ومعاييره الدقيقة الفاصلة، فيُلقي على فكرة الأعياد ضوءًا جديدًا يبعُد بها عن انحلال المادية وفجورها، تلك هي فكرة الأعياد في الإسلام، فالصبغة الأولى، كما يقول الأستاذ محمد عبد الله دراز، لأعيادنا الإسلامية صبغة روحية...
ولنستمع إلى هذا النشيد القوي الذي يتجاوب صداه في الطرقات وعلى ألسنة الذاهبين إلى العيد أفرادًا وجماعات وفي المساجد على ألسنة المصلين، أو المنتظرين لصلاة العيد، وفي البيوت على ألسنة المصلين عقب صلواتهم المكتوبة في أيام التشريق وفي منى عند الجمرات على ألسنة الحجاج لنستمع إلى هذا النشيد، إنه يفجر الروح فرحًا وابتهاجًا بإتمام رحلتها الشاقة الموفقة، رحلة الصوم أو رحلة الحج، ثم استبشارًا وتطلعًا إلى المستقبل بعين الثقة والأمل، إنه شعار الانتصار الروحي في التجربة الماضية والتصميم على متابعة هذا الانتصار الروحي في التجارب المقبلة، الله أكبر ولله الحمد ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل