العنوان من دروس التجربة السودانية (٦).. السودان ومستقبل الحل السلمي
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000
مشاهدات 76
نشر في العدد 1400
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-مايو-2000
جلس بجانبي لكن لم ينتبه إلى وجودي، وعندما فوجئ بي أتحدث متدخلًا في الندوة لم يتمالك نفسه، فقام وعانقني مرحبًا بحرارة، ومعاتبًا أنني لم أنبهه إلى وجودي بعد غياب قسري لمدة 5 سنوات.
كان ذلك هو الدكتور حيدر إبراهيم علي - الباحث السوداني والمهاجر خارج السودان منذ فترة طويلة، ومدير مركز الأبحاث لشؤون السودان -.
وعندما هاتفته بعد ذلك لتحديد موعد للقاء؛ لتعويض ما فات من حوارات، ورغبة في معرفة ما يتوقعه للسودان لم يتيسر اللقاء، وكان السبب في حد ذاته مؤشرًا طبيعيًّا لما أريد الحديث حوله؛ حيث كان يتأهب للسفر إلى السودان بعد غياب طويل سألته: عودة دائمة؟، أجاب: أدعو الله ذلك، ولكني أذهب الآن لمدة قصيرة؛ لأستعد بعد شهر لنقل كل نشاطي الفكري والبحثي للسودان، ووعد بإرسال ما قد يشفي بعض غليلي عن السودان، ذلك البلد الحبيب الذي ارتبط بالتاريخ المصري على الدوام، والذي لا يحظى من المراقبين حتى الإسلاميين منهم بالعناية الكافية.
أخبار ثلاثة تغنيك عن التحليل
أولها: استئناف السفارة الأمريكية نشاطها في الخرطوم رغم ما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية من أخبار تحاول التقليل من أهمية الحدث.
وقبلها بقليل: كانت العودة الضخمة لقيادات حزب الأمة المهاجرة مع استقبال شعبي حافل، وترحيب حكومي من كل أطراف النزاع الداخلي.
ثالثًا: تحديد موعد الانتخابات المقبلة في أكتوبر ۲۰۰۰م للرئاسة والبرلمان،
وينتظر المراقبون في ظل هذه التطورات عدة أمور:
۱ – ما فرص الحل السلمي على الأقل بين الأطراف الشمالية؟
٢- تقلص دور المعارضة الخارجية التي تصر على عدم اللحاق بقطار الحل السلمي.
٣- بقاء المعارك المحدودة في جنوب السودان، وإمكان تحول النزاع إلى جنوبي جنوبي.
٤- تفكك المؤتمر الوطني الحاكم وتحويله إلى حزبين مع إمكان وجود تحالفات ائتلافية جديدة، فما الذي يرجح هذه التوقعات المثيرة؟
تطورات قادت إلى الحل السلمي:
أول هذه التطورات يتعلق بالمؤسسة الحاكمة في السودان، وهي المؤتمر الوطني العام آخر تجليات ثورة الإنقاذ حتى الآن.
فقد أدرك الإسلاميون الحاكمون في السودان كما يقول الصادق المهدي - وهناك اتفاق كبير على ذلك - خطأ التوجهات السابقة التي اعتمدت سياسة إقصاء الفرقاء الشماليين، وإعلان الجهاد لحسم معركة الجنوب عسكريًّا، والعمل على إيجاد أممية إسلامية يتزعمها السودان، وطرأت تغييرات يراها الكثيرون إستراتيجية بينما لايزال البعض يتوجس منها:
- فقد انسحبت الحكومة من المؤتمر الشعبي الإسلامي فتجمد نشاطه.
- وتبنت القيادة السودانية سياسة انفتاح سياسي جديد، فألغت قانون التوالي السياسي وسمحت للأحزاب السياسية بالنشاط الحر دون قيود، وأغلقت ما كان يسمى ببيوت الأشباح، وأطلقت سراح كافة المعتقلين السياسيين، وهم قلة قليلة مما شجع أكبر أحزاب المعارضة على العودة بعد لقاءين حدثا بين السيد الصادق المهدي والرئيس البشير من ناحية، والدكتور الترابي من ناحية أخرى.
- ووافقت الحكومة على شروط «مبادرة الإيجاد»، التي تنظم المفاوضات بينها وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون جارانج، وبذلك اتجهت إلى تعظيم فرص الحل السلمي لمشكلة الجنوب دون إهمال العمل العسكري.
- قبلت الحكومة السودانية المبادرة المصرية - الليبية المشتركة، وعملت على أن تكون هي الإطار الأوسع لحل شامل، يشمل الفرقاء الشماليين وحركات التمرد في الجنوب، مما ساعد على إطلاق مبادرات لجذب الأحزاب الشمالية وتشجيعها على العودة.
- حدث الانقسام الكبير في القيادة السودانية ذات الرأسين بقرارات البشير في الرابع من رمضان، مما حجم وجود الدكتور الترابي، وكان مجرد مشاركته في السلطة يثير قلق دولة مثل مصر، وكذلك أمريكا التي فشل الترابي في إقناعها باعتداله الحقيقي.
- صعوبة الوضع الاقتصادي الذي تتفاقم أزماته وتتزايد في ظل:
- حرب مستمرة منذ ١٠ سنوات تنفق صباح كل يوم أكثر من مليون دولار.
- حصار دولي وإقليمي يفاقم الأزمات؛ حيث لا تمويل للمشروعات أو الاستثمارات.
- غياب الأصدقاء عن دعم السودان.
- هجرة ملايين السودانيين للخارج مما يزيد من نزيف العقول والأموال.
- نجحت الحكومة السودانية في فك الحصار الإقليمي حولها، فاستأنفت علاقاتها السياسية مع القاهرة وأسمرا، كما نجحت في إقناع الولايات المتحدة وبريطانيا بفتح سفاراتها من جديد، وصدر قرار أخير بتأييد النظام السوداني في معالجة قضايا حقوق الإنسان، وتم اختيار ممثل السودان نائبًا لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة ٥٦ بالإجماع.
- تم إجراء انتخابات طلابية حرة شاركت فيها مختلف القوى السياسية.
تردي وضع المعارضة الخارجية:
منذ تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي خارج السودان أصبح أسيرًا لمجموعتين سياسيتين فرضتا أجندتهما على التجمع، مما ساهم في تردي أوضاعه، ففشل في تحقيق أهدافه الأولى جنوبية «حركة جارانج»، والثانية شمالية «العلمانيون»، وها هو حزب الأمة عاد إلى السودان بعد العودة المبكرة للأمين العام السابق للحزب الاتحادي الشريف الهندي، ويتوقع مراقبون عودة الحزب الاتحادي الديمقراطي وقياداته قريبًا؛ للحاق بقطار الحل السلمي، الأولى يقودها جارانج الذي يسعى إلى تأجيج الصراع، واستمرار الحرب عكس رغبة قوى جنوبية أخرى تسعى للحل السلمي، ويرتبط خارجيًّا بأمريكا ذات الإستراتيجية الجديدة التي تأمل في ضم السودان إلى القرن الأفريقي الموسع، وبذلك يبتعد عن الشمال الأفريقي العربي الإسلامي، وينفصل عن مصر التي ترغب أمريكا في إشراكها مع الكيان الصهيوني لإنشاء كيان شرق أوسطي كبير تنضم إليه تركيا، وقد تنضم إيران فيما بعد.
والجناح الثاني هو القوى الشيوعية السابقة التي تحولت إلى المعسكر الغربي العلماني، وانفصلت عن الحزب الشيوعي، وهذه لا أمل لها في الحكم حال بقاء القوى التقليدية «الأنصار والختمية»، وكذلك تشعر بمنافسة قوية من جانب الاتجاه الإسلامي الحديث، فارتمت في أحضان الغرب، وعملت على تنفيذ مخططاته بوعي أو بدون وعي، وتحالفت مع الحركة المسلحة الجنوبية، وأصبحت تبرر سياساتها التي كانت تهاجمها بالأمس، وقد تصدع التجمع المعارض بالخارج؛ نظرًا للخلافات الأيديولوجية العميقة والارتباطات الخارجية المشبوهة، وتعارض المصلحة العليا للوطن مع المصالح الضيقة لبعض مكونات هذا التجمع الفسيفسائية.
الانتخابات المقبلة:
جاء تحديد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة مفاجئًا على عدة مستويات:
أولًا: مستوى المؤتمر الوطني العام الحاكم؛ حيث لم يرحب الدكتور الترابي بالانتخابات.
ولم يظهر بعد هل سيتم رفع حالة الطوارئ متزامنًا مع الانتخابات أم أن الجار الجنوبي لمصر سيقلدها في إجراء الانتخابات في ظل قانون الطوارئ؟
ومن الواضح أن الانقسام بدأ يتكرس فعلًا داخل الحزب الحاكم، فهل سينتهي الأمر بقيام حزبين يتنافسان السلطة في مستقبل الأيام؟
ثانيًا: مستوى الوفاق مع الأحزاب الشمالية؛ حيث ينتظر أن يشارك حزب الأمة العائد من الخارج مع بقية الأحزاب التي تمارس نشاطها في ظل حزبية متطورة وغالبًا سيحصل «الأمة» على نصيب كبير، وقد يصل إلى أغلبية توافقية ائتلافية مع آخرين تمكنه من تشكيل الحكومة، وفي هذه الحالة سيتزايد الإحساس بوجود صفقة بين البشير والصادق المهدي على اقتسام السلطة، علمًا بأن قياديين في حزب الأمة أعلنوا امتعاضهم من قرب موعد الانتخابات؛ حيث لا يمكنهم استكمال استعداداتهم لتحقيق نصر حاسم، وأعلن بعضهم مقاطعة الانتخابات.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل ستلحق سريعًا بقية القوى الشمالية خاصة الحزب الاتحادي بقطار الانتخابات أم ستتأخر لتفوتها المسيرة الانتخابية، فتعود الكرة إلى ملعب البشير من جديد، الذي لم يرض بوفاق ناقص مع قوة شمالية رئيسة فقط، وسعى بجدية للاتفاق مع الحزب الاتحادي أيضًا، فالتقى شقيق زعيم الختمية، والحزب وعضو مجلس الرئاسة السابق، كما أعاد الممتلكات الخاصة بالأسرة إليها.
ثالثًا: مستوى القضية السودانية كلها: فها هي الأخبار تأتي عن هجوم عسكري للتجمع المعارض في الخارج على معسكرات للجيش قرب کسلا بعد أن استولت على قرية همشكوريب «أشهر بلاد السودان في تحفيظ القرآن الكريم» ولا يستبعد أن تشهد الخرطوم وبعض مناطق السودان تصعيدًا آخر لوقف المسيرة الانتخابية، وغالبًا ستفشل هذه المحاولات، وستتم الانتخابات وستسفر عن مناخ جديد وطيف سياسي جديد في السودان.
رابعًا: على المستوى الدولي خاصة العلاقات مع أمريكا التي تجعل من أهم شروط تعاونها مع الحكومات تطبيق معايير محددة في الحريات العامة خاصة إجراء انتخابات ديمقراطية حرة، فهل سيزداد تحسن العلاقات مع أمريكا التي أعادت فتح سفارتها من جديد قريبًا؟، وهل سترفع أمريكا مستوى تمثيلها في سفارتها بالخرطوم، وهل سيتوقف الضغط الأمريكي على كندا، فيستقر استثمارها في مجال النفط المهم؟، ويتشجع آخرون أحجموا عن الاستثمار فيقدموا بعد إحجام، وهل يستمر رضا أمريكا عن السودان وحكومته أم يستمر الضغط الأمريكي من أجل الحصول على تنازلات أخرى قد تصل إلى مناطق خطيرة؟، علمًا بأن هناك حكومات تمارس الحكم بشعارات إسلامية أو تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، وفي الوقت نفسه لا يتعارض ذلك مع علاقاتها مع أمريكا، وها هي تجربة جديدة للإدارة الأمريكية في التعامل مع حكومات إسلامية نشأت عن حركات إسلامية تحديثية إذا نجحت فستشجع على الاتفاق مع إيران، وقد تسفر عن تغيير في الإستراتيجيات الأمريكية تجاه الحركات الإسلامية المعارضة.
خامسًا: على مستوى دول الجوار الإقليمي سنجد أن هناك من يخشى من استقرار السودان ونموه الاقتصادي في الشرق والجنوب، وهناك من يعمل بجد على تحقيق وحدة السودان واستقراره؛ لتحقيق مصالح إستراتيجية تتعلق بالأمن والمياه كمصر، وإن كانت عدوى الديمقراطية قد تسبب قدرًا من القلق ولو إلى حين.
خاتمة: وهكذا نرى أن الأحداث تتوالى في السودان، وتحمل الأيام المقبلة مزيدًا من الأنباء والتطورات وبقدر الحيوية المتدفقة من جنوب الوادي والتي تحمل مع مياه النيل قدرًا لا بأس به من الأمل والبشرى بقرب انفراج بعض أزمات السودان الشقيق بقدر ما يتجدد الأمل في أن تحقق حكومة المؤتمر الوطني المنبثق عن الجبهة الإسلامية القومية الوريث الكبير للحركة الإسلامية نجاحات تخرج السودان من مأزقه، ويبقى للقوى الإسلامية الأخرى أن تساهم في الانتخابات المقبلة بنشاط، لعلها تحدث قدرًا من التوازن الاجتماعي في السودان.
وقى الله السودان الأخطار، وحقق له الآمال .