العنوان من خيانة القدس.. إلى خيانة جنيف
الكاتب عبدالله أحمد القادري
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1979
مشاهدات 78
نشر في العدد 448
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-يونيو-1979
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة: 51 -52)..
إن الولاء والبراء في الإسلام ركن الأساسي في استقامة المسلم على جادة الصواب، فليس أمامه إلا سبيلان:
السبيل الأول: الذي سلكه الأنبياء والرسل -عليهم السلام- وأتباعهم.
وهو صراط الله المستقيم الذي ندعو الله في صلواتنا كلها أن يهدينا له:﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَصِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾، ومن سلك هذا السبيل فقد سار في الدرب الذي يرضي الله -تعالى- مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا..
السبيل الثاني: الذي سلكه الشيطان الرجيم وأتباعه من الكافرين، الذين دعوا إلى سلوك سبيل الأنبياء والرسل، فلم يستجيبوا، بل أجابوا من داعي الشيطان وأعوانه، وهذا السبيل هو الذي ندعو الله أن يجنبنا لا سلوكه في كل صلواتنا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فالسالكون الصراط المستقيم هم حزب الله وأولياؤه المتحابون فيه، الذين يتواضع بعضهم لبعض وكلهم أعزة على أعداء الله الكافرين.
ويحبون الله وهو يحبهم، ويبذلون وسعهم وطاقتهم في التقرب إليه وإرضائه بالدعوة والجهاد، فلا يخافون فيه لومة لائم وهو يزيدهم من فضله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: 54 - 56).
والسالكون سبيل الشيطان هم أعداء الله وأعداء أوليائه المؤمنين.
لا يليق بالمؤمنين أن يوالوهم ويحبوهم، ويتعاونوا معهم تعاونًا يحقق لأولئك الأعداء القوة، أو يكشف أسرار المسلمين ومواقع ضعفهم أو قوتهم، فإن فعلوا ذلك فإنهم منهم كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 51).
وأهل السبيل الأول، وهم أولياء الله، ويريدون رضاه حرام عليهم أن يوالوا أعداء الله وأعدائهم الذين كفروا بدين الله، وآذوا أولياءه بسبب إيمانهم بالله مولاهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.(الممتحنة:1)
ويجب على أولياء الله أن يقتدوا بأعلام الهدى الذين سبقوا سائرين في صراط الله، إذ أعلنوا لأعداء الله معاداتهم لهم وبغضهم المستمر، حتى يسيروا مثلهم في صراط الله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.(الممتحنة:4)
وأعداء الله أهل سبيل الشيطان، لا يألون جهدًا في إيذاء أولياء الله ومحاولة القضاء عليهم، ولا يرعون في حق المؤمنين قرابةً ولا عهودًا، ولا يجمع بينهم وبين أولياء الله، إلا توبة أعداء الله وسلوكهم في صراط أولياء الله، ولا يليق بالمؤمنين أن يتأخروا عن قتالهم وقتلهم، أو أن يخشون من دون الله: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.(التوبة:11-12-13)
وإذا كان أعداء الله لا يرعون في أوليائه قرابةً ولا عهدًا، أفيليق بأولياء الله أن يقدموا أهواء أقربائهم وملذات أنفسهم، على حق الله ومحبته وجهاد أعدائه في سبيله؟
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.﴾.(التوبة:23-24)
ولليهود مواقف من أولياء الله لا يليق بهم أن ينسوها، فهم قتلة الأنبياء بغير حق بعد كفرهم بآيات الله، وهم عصاة معتدون، فهل يليق بأولياء الله أن يوالوا من يكفر بآيات الله ويصر على عصيانه والاعتداء على حدوده وقتل أنبيائه ورسله؟
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.(البقرة:61)
ولا يرضي أعداء الله من أولياء الله إلا بالكفر: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾(البقرة:120) ولو حاول أولياء الله ما لا يليق بهم أصلًا- أن يرضوا أعداء الله بأي وسيلة غير الكفر بالله، فإن أعداء الله لا يمكن أن يكفوا عن حربهم إلا إذا ارتدوا عن دين الله.
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ﴾،(البقرة:217) وطاعة أي طائفة من أهل الكتاب سبيل لارتداد المسلمين عن دينهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.(آل عمران:100)
وأعداء الله لا يألون جهدًا في خداع أوليائه، ليكونوا بطانة لهم ويظهروا لهم أنهم يريدون لهم الخير، وهم في واقع الأمر لا يردون لهم إلا ما يعود عليهم بالوبال، ولا يليق بأولياء الله أن يخدعهم أعداؤه فيبادلونهم المحبة بالبغضاء، طمعًا في خير عاجل منهم وتربص وتبييت شر دائم، فذلك لا يفعله إلا فاقدو العقل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.(آل عمران:118-119)
ويقف اليهود على قمة الحقد والعداوة لأولياء الله المؤمنين: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ ﴾(المائدة:82)، والواقع التاريخي الذي سطره اليهود في علاقتهم بالمسلمين كله خبث ومؤامرة وكيد ودس وتخريب، من عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا، وسيكون كذلك إلى يوم القيامة كما دلت على ذلك النصوص، وستقف بجانبنا الجمادات للقضاء عليهم، وسينادينا الحجر والشجر: «تعالى يا عبد الله، فإن ورائي يهوديًا فاقتله».
وإذا كان النصارى قد سجل الله لبعض أفرادهم أو بعض الطوائف منهم، بعض المواقف الطيبة من الإسلام والمسلمين في بعض الأزمنة ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ﴾، وعلل ذلك بوجود بعض الصفات الحميدة فيهم:﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾، فإن عامتهم أعداء ألداء للإسلام والمسلمين، ويقفون موقفًا واحدًا مع اليهود في عدم رضاهم عنا، إلا إذا اتبعنا ملتهم: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾، وها هو الواقع يثبت لكل ذي عقل، أن اليهود والنصارى والوثنيين والشيوعيين، يجتمعون كلهم ضد المسلمين ويتعاونون للقضاء عليهم في كل مكان: في الفلبين يتعاون اليهود والنصارى على المسلمين، وفي لبنان يتعاون اليهود مع النصارى على المسلمين، وفي الحبشة تعاون اليهود في عهد هيلاسيلاسي مع النصارى على المسلمين، وهم الآن يتعاونون مع الشيوعيين على المسلمين، وفي أوغندا تعاون اليهود والنصارى والشيوعيون على المسلمين، وفي الهند يتعاونون مع الهندوك على المسلمين، والنصارى والشيوعيين والوثونيين يمدون اليهود بالأموال والسلاح والرجال ضد المسلمين، ولو وقفت مساعدات أعداء الله هؤلاء لإخوانهم اليهود، لما بقوا هذه المدة الطويلة في قلب الأمة الإسلامية، التي يبلغ عددهم الآن ما يقارب ثمانمائة مليون مسلم، وفي عقر ديار الأمة العربية التي يبلغ عددهم مائة مليون أغلبهم مسلمون، هذا مع التنبيه أن المسلمين الآن يصدق عليهم قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك أن تدعي عليكم الأمم كما تدعى الأكلة على قصعتها، قيل: ومن قلة يا رسول الله، قال لا بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
إنه إما الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبغض والعداوة للكافرين، وبذلك تتحقق العزة والنصر لأولياء الله على أعدائه، وإما الولاء لأعداء الله، وبذلك يتحقق الذل والعار على مدعي الإسلام.
وكثير من المنتسبين إلى الإسلام لضعف إيمانهم، يرون أعداء الله وقد ابتلاهم الله فبسطت الدنيا لهم، وتكدست بأيديهم الأموال، وأخرجت مصانعهم كل مرافق الحياة من المأكل والمشارب، والملابس والمساكن والمراكب، وامتلأت أرجاء الأرض وآفاق السماء وأمواج البحار بأسلحتهم الفتاكة، يرى ضعاف الإيمان ذلك بأيدي أعداء الله، فيظنون أن موالاتهم إياهم ستحقق لهم العزة والنصر ورغد العيش، وما ذلك إلا وهم خادع، فإن العزة لله يمنحها من يشاء ممن يستحقها من عباد: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ﴾، وقد أنكر -سبحانه- على المنافقين المتظاهرين بالإيمان موالاة الكافرين طلبًا للعزة عندهم: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا اْلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
ولما ظن بعض أعداء الله المنافقين أنهم إذا ملكوا المال، ووقفوا ضد أولياء المؤمنين فلم ينفقوا عليهم، أذلوهم بذلك وشتتوا جمعهم وصاروا هم أهل العزة والعظمة، رد الله عليهم ذلك: لأن خزائن الرزق بيده لا بيدهم والعزة له لا لهم ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وعندما تردد في نفوس بعض المسلمين خوف الفقر من مقاطعة المشركين، نبههم الله أنه هو الذي يغني من يشاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.(التوبة:28)
والخلاصة أنه يجب على المؤمنين أن يكون ولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين، ويجب عليهم معاداة الكافرين لما فيها من تحقيق الإيمان والفلاح في الدارين في دينهم ودنياهم.
والواجب على المسلمين دعوة الكافرين إلى الإسلام، فإن أسلموا كان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأن أبوا طلب منهم الجزية -على خلاف في الوثنيين، غير المجوس- فإن أدوها وإلا قاتلوهم، حتى يكون الدين لله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 5)، وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29).
هذا هو الواجب على المسلمين نحو أعداء الله من الكافرين، ولا يجوز لهم العدول عنه إلى مهادنتهم إلا عند الضرورة، عندما لا يقدر المسلمون على القتال، على أن يكون المقصود من مهادنتهم الاستعداد لحربهم عند القدرة، لا السلام الدائم معهم، فإن السلام الدائم مع أهل الكفر غير ممكن إلا أن ترتفع راية الكفر فوق رؤوس المسلمين، إما حسيًا وإما معنويًا وهذا ما لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون، فإن نقض الكافرون عهدهم فعلى المسلمين أن يلقنوهم درسًا لا ينسونه، هم ومن والاهم من مثلهم والتشريد بهم ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
فإن لم ينقضوا فعلًا ولكن القرائن دلت أنهم يريدون نقض العهد، فالواجب على المسلمين أن يصارحوهم بطرح عهدهم، حتى يكونوا على علم بأن المسلمين يريدون قتالهم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
فمهادنة الكفار مدة معينة للضرورة مشروعة، ولكن مع الإعداد الكامل للمواجهة بعد ذلك: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ﴾. (الأنفال: 60)
ولكن ذلك لا يبيح للمسلمين أن يتركوا الكافرين يرفعون راية الكفر، ويسيطرون على الناس ولو كانوا رعاياهم، ويتصرفون في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم دون حق، ويجعلونهم عبيدًا لهم يشرعون لهم حسب أهوائهم، بل على المسلمين أن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ومن جور السلطان إلى عدل الإسلام كما فعل أسلافنا الصالحون.
والإقرار بالأمر الواقع وهو قيام دولة اليهود وتمكنها بمساعدة دولة الكفر الأخرى، الإقرار بهذا الأمر ليس من طبيعة المسلمين، بل إن المسلمين مكلفون بتغيير واقع البشرية من كفر إلى إسلام، ومن ظلم إلى عدل، ومن عبادة الطاغوت إلى عبادة الله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾.(آل عمران:110) إذا عرفنا ما مضى فإن اعتراف أي حاكم بدولة اليهود، يعتبر مخالفًا لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح، ولا حق له في ذلك سواء كان اعترافه منفردًا أم بالتواطؤ مع غيره، وعلى المسلمين كلهم أن يقفوا صفًا واحدًا ضد أي معتد يحاول الاعتراف بدولة اليهود، وإلا كانوا آثمين جميعًا، وسينالون عاقبة هذا الإثم بالذل والمهانة في الدنيا والعذاب في الآخرة.. وإذا كان اليهود نقضوا عهودهم مع أنبيائهم وقتلوهم، فهل يتوقع منهم المسلمون أن يفوا لهم بالعهود وتاريخهم كله غش وخداع وتضليل؟
وتساهل المسلمين في قضية فلسطين مع اليهود، يتبعه التساهل في قضايا المسلمين كلها في الفلبين وإرتريا، وقبرص وأوغندا والصومال، وعدن وأفغانستان، وغيرها من البلدان التي يحاول أعداء الله قتل المسلمين فيها، وتشريدهم منها والسيطرة عليها، وأول السفر خطوة كما يقال.
وإذا كنا نشكر للدول العربية التي وقفت ضد المعاهدة التي أبرمها رئيس جمهورية مصر مع اليهود منفردًا، لأنها ليست في صالح الإسلام والمسلمين، فإننا نربأ بهم عن الاعتراف لليهود بأرض فلسطين التي احتلوها قبل سنة سبع وأربعين، لأنها أرض إسلامية اغتصبت بغير حق، والاعتراف بشرعية احتلالها من قبل اليهود جريمة لا يقدم عليها إلا خائن للأمة الإسلامية، التي لا يجوز لها السكوت عليه ولا إقراره، ولهذا فإن مؤتمر جنيف الذي بدأ يتردد هذه الأيام قد يكون أخطر مما سبقه، بل لعل ما سبقه من المعاهدة المنفردة إنما هو مقدمة له.
وإذا كان المسلمون مع كثرة عددهم وقلة عدد عدوهم المغتصب، غير قادرين على قتله وتشريده، فإن لهم في شرعهم مندوحة بعقد معاهدة إيقاف الحرب لمدة معينة، حتى يقيض الله للمسلمين من يقودهم تحت راية إسلامية واحدة، فيرتفع التكبير على السنة المجاهدين من إندونيسيا إلى نيجيريا، فيلتقون كلهم في المسجد الأقصى ويحررونه وكل أرض فلسطين، كما حررها عمر بن الخطاب ثم صلاح الدين..
هذه نصيحة أقدمها لزعماء الشعوب الإسلامية -وعلى رأسهم زعماء العالم العربي- فإن قبلوها فهذا ما يرضي الله ورسوله والمؤمنين، وإلا فإني أقول لهم كما قال من قبلي ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.(غافر:44)