العنوان من بحوث المؤتمر ثقافة الداعية ومصادرها الحلقة الثانية
الكاتب د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1977
مشاهدات 79
نشر في العدد 343
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 29-مارس-1977
ويستطيع الداعية المتمرس القريب ..اب الله أن يخصص لنفسه سجلا ،كشكولا يدون فيه الموضوعات قرآنية ، وما يتعلق بها من آيات حسبما تهديه إليه بصيرته ووعيه سيجد نفسه أمام عشرات ، بل آيات من الموضوعات الحية الدسمة.
وعليه بعد جمعها أن يحرص على تصنيفها بقدر ما يفتح الله عليه ، سيجد عنده بعد زمن ذخيرة من قرآن لا تنفذ ، وكنزا من أسرار حق لا يفنى .
العناية بالقصص القرآني :
ومما ينبغي للداعية الالتفات إليه، العناية به : القصص القرآني ، وما تشتمل عليه من عبر وعظات وأسرار ..كم بالغة
وطريقة القرآن في سرد قصص ..ضين لا تعتمد على ذكر التفصيلات ذكر أسماء الأشخاص والبلدان تواريخ ونحوها ، إنما يهتم دروس العبر، ورسم ملامح الشخصيات التاريخية ، واتجاهات أحداث ونتائجها :﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة يوسف:111)
وعند سرد القصة نجد القرآن الكريم يضمنها كثيرًا من الحقائق والأسرار العلمية والتوجيهية والتشريعية، لتنفذ إلى النفس والعقل عن طريق غير مباشر.
فإذا أردنا أن نعرف مثلًا مكانة العلم في القرآن فإننا نستطيع أن نجد ذلك في آيات كثيرة مباشرة كما أسلفنا، وأن نجده كذلك بصورة واضحة في آيات القصص القرآني، وإن كانت غير مباشرة، نجد ذلك في أربعة مواضع من القرآن:
الأولى: في قصة آدم حين قال الله للملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البقرة: 30)
واستغرابهم لذلك في أول الأمر، ثم تسليمهم لآدم بعد أن أثبت الاختيار الإلهي تفوقه العلمي ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (سورة البقرة: 33)
وهكذا أشار القرآن إلى أن العلم هو المرشح الأول للإنسان ليقوم بوظيفة الخلافة في الأرض.
الثانية: في قصة يوسف عليه السلام، وما فيها عن استخدام «التخطيط» في السياسة الاقتصادية والتموينية للدولة، كما هو واضح في الخطة الخمس عشرية التي وضعها يوسف عليه السلام، وطبقها بنجاح عاد خيره على أهل مصر والمناطق المجاورة لها، في حين يظن بعض الناس أن التخطيط ينافي الدين والتوكل على الله.
الثالثة: في قصة سليمان مع بلقيس ملكة سبأ، حيث استطاع أحد رجال سليمان أن يأتيه بعرشها قبل أن يرتد إليه طرفه بواسطة علم عنده ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (سورة النمل: 40)
كان سليمان في الشام وعرش بلقيس في اليمن.
الرابعة: في قصة ذي القرنين وبنائه السد العظيم من الحديد، مخلوطًا بالنحاس المذاب، وهو ما أثبت العلم الحديث أنه يعطي الحديد قوة ومتانة أكبر ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (الكهف: 96-97)
ومثل ذلك إذا أحببنا أن نتعرف على مكانة الإيمان في نظر القرآن، فلا ريب أننا سنجد أمامنا عشرات من الآيات الكريمة المباشرة، تحدثنا عن الإيمان وأثره في حياة الإنسان، ولكننا نستطيع أن ندرك أثر الإيمان بصورة أقوى وأبلغ إذا نحن تأملنا عددًا من قصص القرآن.
نجد في القرآن قصة الشباب حين يؤمن، وماذا يصنع به الإيمان، وذلك في قصة فتية أهل الكهف الذين واجهوا بإيمانهم جمود المفكرين، وطغيان المتجبرين. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (سورة الكهف: 13-15)
ونجد في القرآن قصة المرأة حين تؤمن، وإن كانت زوجة لفاجرٌ كافرٌ، أو متكبر جبار.
وذلك في قصة امرأة فرعون التي لم تبال بملك فرعون، ولم يغرها منه وعده أو يثنيها وعيد ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة التحريم: 11)
ونجد في القرآن قصة عوام الناس حين يؤمنون، وكيف يغيرهم الإيمان، وينشئهم خلقًا جديدًا، ويفجر فيهم طاقات نفسية عجيبة كانت دفينة مخبأة حتى أبرزها الإيمان، وذلك في قصة سحرة فرعون، الذين تبين لهم الحق على يد موسى فأمنوا به، متحدين جبروت فرعون وتهديده: ﴿وَأُلْقِيَالسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ. قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ. وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: 120 - 126).
العنايه بالنماذج القرآنية :
و من هذه النماذج القرآنية اذكر عدة أمثال:
- نموذج الفتى الشاكر في شخصية سليم.. الذي قال عندما سمع كلام النملة وفهم عنها « رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت : وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه » كما ف.. عندما أحضر له عرش بلقيس : « هذا من فضل ربي ، ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ، ومن كفر فإن ربي غني كريم »
- نموذج الحاكم أو الملك العادل الذي يلهه سعة ملكه عن عبادة ربه ، ورعاية شعبه في شخصية ذي القرنين ، الذي بلغ بفتوحه مطلع الشمس ومغربها، ولكنه ظل متمسكا بالعدل : يكافيء المحسن ويعاقب المسيء ويقا.. المفسدين في الأرض، ويقيم التحصينات والسدود الضخمة مستعينا بالله أولاً الشعوب آخرا.
جـ - نموذج المبتلى الصابر على البلاء والراضي بالقضاء ، في شخصية أيوب، إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب.
د- نموذج الشاب المتعفف عن الحرام ، بر فتوته وجماله ونضرة شبابه وقوه دوا الإغراء من حوله ، وإحاطة أسبابها به - شخصية يوسف الصديق « وراودته التي هو بيتها عن نفسه ، وغلقت الأبواب ، وقالت : هـل لك قال : معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ».
ه- نموذج الشاب الممتثل لأمر الله كان فيه تقديم عنقه قربانا إلى الله في شخص
الذبيح إسماعيل بن إبراهيم حيث قال له أبو لما بلغ معه السعي : « يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك ، فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين » .
و - نموذج المؤمن الذي يكتم إيمانه لمصلحة ، فإذا جاء وقت الحاجة برز بإيمانه يدافع عن الحق ، ويقاوم الباطل ، ويجادل بالحكمة ويؤثر الموعظة ، ويدعو على بصيرة - في شخصية مؤمن آل فرعون .
ز - نموذج الداعية صاحب الرسالة ، يحكم عليه بالسجن ظلما ، فلا ينسيه ظلم السجن و ظلمته حق دعوته عليه ، فينتهز كل فرصة لدعوة السجناء إلى توحيد الله وإطراح الوثنية المخرفة في شخصية يوسف بن يعقوب ( یا صاحبي السجن أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ الآيات »
ح - نموذج الابن المؤمن وأبوه كافر ، وكيف تلطف معه في إبعاد الدعوة وتبليغ الرسالة -وذلك في شخصية إبراهيم و أبيه « إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ... »
ط - نموذج الأب المؤمن وابنه كافر ، وكيف حاول الأب إنقاذه فلم يفلح ، وكيف حاول أن شفع له عند ربه فوتب في ذلك أشد العتاب ، وذلك في شخصية نوح وابنه الكافر ...
ي - نموذج المرأة المؤمنة وزوجها كافر استعنت بل متأله . وذلك في شخصية آسية امرأة فرعون وزوجها الطاغية الجبار الذي حشر فنادي فقال : أنا ربكم الأعلى .
ك - نموذج المرأة الكافرة وزوجها مؤمن ، مثل امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين ، فخانتاهما ، فلم يغنيا منهما من الله شيئا ، وقيل : ادخلا النار مع الداخلين.
ل - نموذج الإنسان الخير المسالم ، الذي قابل العدوان بالتقوى ، والسيئة بالحسنة ، والشر بالخير ، في شخصية ابن آدم الذي تسميه لإسرائيليات « هابيل » والذي هدده أخوه القتل ، فأجابه : « لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ياأنا بباسط يدي إليك لأقتلك ، إني أخاف لله رب العالمين . أني أريد أن تبوء بأثمي وأثمك تتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين .
م - نموذج الإنسان الشرير ، الذي يعتدي لى أخيه ويلغ في دمه دون جرم جناه لا يزعه
دين ولا خلق ولا رحم ، في شخصية ابن آدم آخر المتسمى « قابيل » والذي لم يردعه عن قتل أخيه - ابن امه وابيه - موقفه الإنساني المثالي منه «فطوعت له نفسه قتل أخيه قتله فأصبح من الخاسرين».
ن - نموذج الشعب الجبان في وقت الكريهة لفرار في ساعة الشدة ، المتمرد على أنبيائه – في شخصية الشعب الإسرائيلي حين قال له رسوله ومحرره ومن أنقذه الله على يديه - موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾(المائدة:21-24)
ص- نموذج الأمة التي لا تحترم نعمة الله، ولا تقم بحق شكرها، فيسلبها الله منها، وذلك في شخصية قوم سبأ:﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ.فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سورة سبأ:15-17)
حسن الاستدلال بآيات القرآن:
ومما ينبغي للداعية أن يتحراه، ويحرص عليه ويحكمه: حسن الاستدلال بالقرآن وآياته على ما يريد تقريره، أو يثبته من أحكام وتعاليم وأفكار. فإنه إذا أحسن الاستدلال بالنص القرآني، ووضعه في موضعه، أزاح كل شبهه، وقطع كل تعلة وأخرس كل معارض، فلا دليل بعد القرآن ولا حديث بعد كلام الله.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (سورة النساء: 87)
﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا﴾ (سورة النساء: 122)
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (سورة المائدة: 122)
ولهذا لا يملك المؤمن أمام الدليل القرآني الصريح إلا أن يقول: آمنا وصدقنا. أوسمعنا وأطعنا. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (سورة الأحزاب: 36)
قد أدخل رجلًا على المأمون، كان يمشي في الناس فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، دون أن يكون مأمورًا من قبل الخليفة. فقال له المأمون: لم تأمر وتنهي وقد جعل الله ذلك إلينا. ونحن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (سورة الحج: 41)
فقال الرجل: صدقت يا أمير المؤمنين، أنت كما وصفت نفسك من السلطان والتمكن غير أنا أولياؤك وأعوانك فيه ولا ينكر ذلك إلا من جهل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (سورة التوبة:71)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا« فأعجب المأمون بكلامه، وسر به وقال: «مثلك يجوز أن يأمر بالمعروف، فامض على ما كنت عليه بأمرنا، وعن رأينا«
وهكذا حين أحسن الرجل الاستشهاد بالقرآن والسنة، انقطعت حجة الخليفة، ولم يجد بدًا من إقرار الرجل على ما هو قليه.
وفي مقابل ذلك، دخل واعظ على المأمون فوعظه، وعنف له في القول. فقال المأمون: يا رجل، أرفق، فإن الله بعث من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني، وأمره بالرفق: بعث موسى وهارون إلى فرعون، فأوصاهما بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (سورة طه: 44)
وهنا كان موقف المأمون هو الأقوى، لأن الدليل القرآني معه.
ومما يجب على الداعية أن يراعيه في هذا المقام أن يستدل بالمتفق عليه، لا بالمحتمل والمختلف فيه. فإن الدليل الذي يتطرق إليه الاحتمال، يسقط الاستدلال به.
فعند الحديث عن شمول القرآن مثلًا يستدل بعض الناس بقوله تعالى في سورة الأنعام ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام:38)
مع أن الكتاب في الآية يحتمل أن يكون هو القرآن، فيكون الاستدلال صحيحًا ويحتمل أن يكون المراد به «اللوح المحفوظ» الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (سورة يس:12)
﴿كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (سورة الإسراء:58)
وغيرها من الآيات. كما أن على الداعية أن يتجنب الاستدلال بما ليس بدليل.
مثال ذلك: إن بعض الناس يستدلون على أن من ثمار تقوى الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم بقوله تعالى في ختام آية المداينة من سورة البقرة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (سورة البقرة:282)
والحق أن الآية لا تدل على هذه الدعوى، لأنها ليست أمرًا وجوابًا، فإنما كان يصح ذلك، لو كان لفظها: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (سورة البقرة:282).. أما الآية أو هذه الفقرة منها
فإنها تتضمن أمرًا بتقوى الله كما هي سنة القرآن حين يقرن الأوامر والنواهي بالتقوى. ثم بعد ذلك قال: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (سورة البقرة:282) أي هذه الأوامر والأحكام، كما قال في آية أخرى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (سورة النساء:176)
أما الاستدلال على الدعوى المذكورة فيمكن بقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ (سورة الأنفال:29)
أي نورًا تفرقون به بين الحق والباطل.
ومثلها قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ (سورة الحديد:28)
بل يمكن أن يستدل بعموم قوله تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (سورة الطلاق:2)
لأنه يشمل المخرج من الشبهات والمتشابهات.
الحذر والتحذير من سوء التأويل وتحريف الكلم عن مواضعه:
ويجب على الداعية أن يحذر، ويحذر من الانحراف والتحريف، وسوء التأويل لآيات الكتاب، وحملها على معانٍ تخرجها عما أراد الله بها. وهذا نوع من التحريف الذي ذم الله عليه أهل الكتاب، فقد حرفوا كتبهم لفظيًا بالزيادة ومعنويًا بسوء التأويل.
أما القرآن فهو محفوظ في الصدور والمصاحف ولا سبيل إلى تحريفه تحريفًا لفظيًا، ولكن قد يدخل في تفسيره سوء التأويل، وهو التحريف المعنوي. وأيضًا الرأي المذموم الذي جاء الحديث يتوعد من فسر به القرآن.
وفي عصرنا -كما في عصور سابقة- كثرت أسباب الانحراف والتحريف. ومن هذه الأسباب:-
1- إخضاع النصوص للواقع الزمني، وإن كان مخالفًا للإسلام، ومحاولة أخذها من تلابيبها وتأويلها تأويلًا بعيدًا عن الظاهر، لتبرير هذا الواقع بإعطائه سندًا من الشرع.
كما رأينا ذلك في محاولات تسويغ نظام الفائدة في البنوك عند سطوة الرأسمالية في البلاد الإسلامية، ومثلها محاولات تبرير التأميم والمصادرة للملكيات المشروعة بعد ذلك أيام سطوة الاشتراكية.
ومن ذلك الانحراف في تفسير الآيات والأحاديث عن مدلولاتها الظاهرة الواضحة إلى تأويلات
4- اتباع المتشابهات وترك المحكمات
وهذا أصل من أصول الزيغ والضلال كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (سورة ال عمران:7)
بينت الآية الكريمة أن من آيات الكتاب محكمات، أي قاطعات أو واضحات الدلالة لمن تأملها، وهن أم الكتاب، أي أساسه ومعظمه وأكثره، ومعنى هذا إن الفرع يجب أن يرى دال الأصل أو الأم، والأقل يجب أن يفسر تبعًا للأكثر. ولكن الضالين الذين في قلوبهم زيغ وانحراف، يجرون وراء المتشابهات، متمسكين بما يظهر لهم منها، موافق لأهوائهم، ولو أنهم أنصفوا فردوا المتشابهات إلى المحكمات، وبعبارة أخرى: ردوا المحتملات إلى القواطع والبينات، للاح لهم الحق واضحًا وضوح الصبح لذي عينين.
وإذا تتبعنا الفرق المنحرفة التي خالفت عن صراط السنة والجماعة منذ صدور الإسلام إلى اليوم، وجدنا من أهم وأبرز أسباب انحرافها اتباع المتشابهات وترك الأصول المحكمات.
وما من بدعة من البدع المارقة إلا لأهلها شبه يتكئون عليها من هذه المتشابهات حتى إنَّ القائلين بوحدة الوجود، وهم كما قال صاحب إيثار الحق على الخلق «أشنع المبتدعين بدعه رأى بعدهم عن القرآن والسنة وأفحشهم قولًا، ومع ذلك يحتجون لبدعتهم وضلالهم بمتشابهات من القرآن والحديث»، فيذكرون مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه﴾ (سورة الفتح:10)
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ (سورة الأنفال:17)
وبحديث: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل».(متفق عليه)
وأغفل هؤلاء أن الدين كله بقرآنه وسنته، بل الأديان السماوية كلها تنادي بأن في الوجود ربًا ومربوبًا، وخالقًا ومخلوقًا، وكونًا ومكونًا، فثنائية الوجود من بدهيات الدين وضرورياته التي لا تحتاج إلى استدلال وإقامة برهان. بل إن النصارى حاولوا، ويحاولون أن يجدوا في متشابه القرآن ما يسند دعواهم بألوهية المسيح أو بنوته لله، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (النساء: 171)
تاركي المحكم من مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (سورة الزخرف: 59)
﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (سورة المائدة: 75)
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ (سورة المائدة: 117)
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (سورة المائدة: 73)
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (سورة المائدة: 72)
والمقصود أن اتباع المتشابه هو دأب الزائفين من قبل ومن بعد.