; صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (97).. من المغرب إلى المشرق العربي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (97).. من المغرب إلى المشرق العربي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1996

مشاهدات 69

نشر في العدد 1200

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 21-مايو-1996

  •  سافرت بالسيارة من عمان إلى القدس وحدي لأول وآخر مرة في حياتي. وكنت أتأمل مناظر أرض فلسطين المقدسة. ومازالت صورتها محفورة في ذاكرتي حتى الآن

كنت أقيم في المغرب منذ عام ١٩٥٨م إلى عام ١٩٦٥م. وكنت أنوي الاستقرار هناك حتى أعود إلى مصر، كنت أعتقد أن الظروف في مصر ستتغير في خلال ثلاث سنوات، أو على الأقل سيتغير موقف الحكومة مني شخصيا، ولكنني في عام ١٩٦٠م، دهشت لأنني لما قدمت جواز سفري للسفير لتجديده استمهلني، وبعد فترة أخبرني بأنه جاءته تعليمات بعدم تجديد الجواز، ونظراً لأنني كنت مضطراً للسفر عاجلاً في ذلك الصيف خارج المغرب، فقد قدمت طلباً للملك محمد الخامس-رحمه الله-فتفضل بالأمر بإعطائي جواز سفر مغربي لكي أسافر به.

إنني كنت أسافر منذ ذلك التاريخ (1960م) بجواز سفر مغربي، ولكن لم يكن عندي الجنسية المغربية، وجاءتني فرصة السفر إلى الحج في عام ١٩٦٤م، حينما دعيت لحضور المؤتمر التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في موسم حج ذلك العام، والدعوة وصلتني عن طريق السفير السعودي في الرباط الشيخ «خير الدين الزريكلي»، وكان من بين المدعوين للمؤتمر أيضًا المرحوم علال الفاسي-زعيم حزب الاستقلال المغربي، والدكتور عبد الكريم الخطابي-زعيم الحركة الشعبية المغربية.

حدث أثناء المؤتمر أن عارض كثيرون من المشاركين في المؤتمر في قبول وفد أرسلته حكومة «هيلاسلاسي»، لتمثيل مسلمي الحبشة وكنت من المعارضين، وقد علمت فيما بعد أن ذلك مكن بعض الأشخاص من استبعاد اسمي من بين أعضاء المجلس التأسيسي للرابطة.

أثناء وجودي في الحج علمت بوجود أحد زملائي بكلية الحقوق وهو المرحوم الدكتور أمين بدر، وأنه سأل عني، وعلمت أن الذي استدعاه للسعودية هو الشيخ أحمد زكي يماني ليقوم بإعداد بعض مشروعات الأنظمة القوانين المتعلقة بالبنوك والتجارة والأوراق التجارية وكان هذا يعتبر خطوة جديدة بدأها الملك فيصل في طريق التوسع في الأنظمة، والذي كان وراء هذه الخطوة هو الشيخ زكي يماني عندما كان المستشار القانوني لمجلس الوزراء، وقد أصبح وزيراً للبترول بعد ذلك، وعلمت من أحد أصدقائي بأن الدكتور أمين بدر سأله عن عنواني بالمغرب، وأنه كان يريد الاتصال بي لأن الشيخ زكي يماني طلب منه ذلك لكي أتعاون معه فيإعداد بعض المشروعات.

لذلك فقد سألت عن الشيخ أحمد زكي يماني الذي كان يسكن في جدة، وقابلت ه في منزله فأيد هذه الفكرة، وعرض علي أن أترك المغرب، وأن أحضر للمملكة العربية السعودية لأعاونه، وأعاون الدكتور أمين بدر في هذه المهمة الصعبة على الخصوص في مجال القوانين الجنائية، حيث تثار بعض الاعتراضات من العلماء والمشايخ، وأنني أستطيع أن أنفتح عليهم وأقنعهم بضرورة قبول مبدأ تقنين الأنظمة في بعض المواد على أن تكون في إطار مبادئ الشريعة الإسلامية. 

بدأت أفكر جدياً في قبول دعوة الشيخ زكي يماني للحضور إلى المملكة العربية السعودية والتعاقد معه ومع الحكومة كمستشار بنفس الشروط التي كان يعمل بها زميلي الدكتور أمين بدر، نظراً لأنه فصل معي من كلية الحقوق بجامعة القاهرة في عام ١٩٥٤م، هو والدكتور عبد المنعم الشرقاوي، وكان سبب الفصل الظاهر هو نشاطنا في إطار جمعية هيئة التدريس، وأننا كنا مسؤولين عن أنها وقفت موقفاً حاسماً لتأييد المطالبة بالدستور والانتخابات عندما نشأ الخلاف حول هذا الموضوع بين الرئيس محمد نجيب، وبين عبد الناصر وبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة في مارس ١٩٥٤م، ونحن فصلنا في شهر أغسطس من نفس السنة، ولم نكن وحدنا وإنما فصل معنا أكثر من أربعة وأربعين أستاذاً من جميع الجامعات، وكانت حملة «تطهير» شاملة للجامعات، وكانت هذه أول حملة للحكم العسكري الناصري لإخراج من يعارضونه من المؤسسات المدنية، تلتها حملات أخرى كان أهمها مذبحة القضاة المشهورة. 

كانت لي مع أمين بدر صداقة وزمالة، وكان التعاون معه يريحني ويسرني، ولكني لم أقطع برأي حتى عدت للمغرب مع الدكتور عبد الكريم الخطابي وفوجئت عند عودتي بأنه حصلت مشكلة دستورية أدت بالملك إلى تعطيل مجلس النواب الذي كان برئاسة الدكتور عبد الكريم الخطيب وكنت مستشاراً قانونياً لهذا المجلس، ومعني ذلك أن عملي كمستشار قانوني لمجلس النواب المغربي قد انتهى، وكان هذا مبررًا للتفكير جديًا في قبول دعوة الشيخ أحمد زكي يماني للتعاقد في السعودية وقد وقعت هذا التعاقد مع وزارة البترول في شهر سبتمبر ١٩٦٥م، ولم أنتقل إليها كلية، فقد بقيت طبقاً للعقد مقيماً في المغرب وكنتُ أتردد على المملكة العربية السعودية كل شهرين علي الأقل بناء على طلب وزارة البترول، وكان طريقي من المغرب إلى الرياض يمر ببيروت ولبنان نظراً لأنني لم أكن أستطيع المرور بالقاهرة في ذلك الوقت، ولم يكن هناك خط مباشر بين المغرب والسعودية، وكنت أتوجه من بيروت إلى الرياض عن طريق الكويت أو عن طريق جدة، وغالباً كان مروري بالكويت لألتقي بعدد من الإخوان من أصدقائي المقيمين هناك، وأولهم المرحوم حسن العشماوي الذي كان معي في المغرب أستاذاً بكلية الحقوق قبل تعاقده مع الكويت. 

وكنت أنتهز فرصة مروري بالكويت للتشاور معهم في موضوع الساعة، وهو حملة الاعتقالات التي حدثت في مصر، وحملات التعذيب والإبادة التي يتعرض لها إخواننا وأهلنا هناك.

كان أول ما فكرت فيه باعتباري محاميًا هو البحث عن محامين للدفاع عن المعتقلين والمسجونين في مصر، وخصوصاً المرحوم الشهيد سيد قطب. ولولا أنني كنت متأكداً من اعتقالي إذا عدت لمصر لسافرت لهذا الغرض، ولكنني علمت أن جميع أقاربي قد اعتقلوا، وفي مقدمتهم أخي المرحوم عبد الغفار، وأخي الدكتور محمود 

  • مؤتمر في القدس: علمت وأنا في الكويت بأنه سيعقد مؤتمر للمحامين العرب في القدس في ديسمبر ١٩٦٥م، وكانت القدس في ذلك الوقت والضفة الغربية كلها تابعة للأردن ولم تحتلها إسرائيل، فقررت أن أتوجه إلى المؤتمر لكي التقي هناك مع بعض المحامين العرب الذين يرغبون في الذهاب إلى مصر للدفاع عن سید قطب وزملائه، وفي شهر ديسمبر المذكور ذهبت إلى القدس، وهذه الزيارة كان لها أثر كبير في نفسي لأنني أحببتها كمدينة جميلة سياحية. وأحببت هذه الرحلة لأنني كنت أشعر بأنني أقوم بمغامرة خطيرة ذهبت إليها وحدي، وكان الطريق تحفه كثير من المخاطر.

سافرت أولاً من الكويت إلى عمان، وهناك التقيت بمرشد الإخوان المسلمون في الأردن الشيخ عبد الرحمن خليفة، وعرفت منه أنه سيذهب إلى المؤتمر كذلك باعتباره محاميا أيضا، ولكنه لم يكن يستطع الذهاب إلا بعد أيام. ولم يكن عندي وقت أضيعه، فقررت أن أذهب وحدي قبله، فأعطاني سيارته وسرت بها وحدي في طريق لم أره من قبل، ولم أره بعد ذلك للآن. وأخشى ألا أراه مرة أخرى قبل أن أموت.

قطعت الطريق من عمان إلى القدس في تلك السيارة وحدي لأول مرة وآخر مرة في حياتي وكنت أتأمل مناظر الأرض المقدسة، أرض فلسطين العزيزة حول الطريق، وأعجب بها ومازالت صورتها محفورة في ذاكرتي حتى وصلت إلى القدس، ونزلت بأحد الفنادق السياحية، اخترته بمحض الصدفة، وكان أغلب نزلائه من السياح الأمريكان

  • دار الإخوان بالقدس وحيفا: أول ما أذكره عن إقامتي القصيرة بالقدس هو زيارتي لدار الإخوان المسلمون بها، وقد أوصاني الأستاذ عبد الرحمن خليفة أن أتصل بهم ليختاروا لي من يرافقني خلال هذه المغامرة.

لازلت أذكر مدخل تلك الدار وسلم الصعود إليها، وما بها من غرف ومكاتب ومكان للصلاة ولا يمكن أن أنسى أن أول ما شعرت به هو أنني تذكرت زيارة مماثلة لدار الإخوان المسلمون في حيفا في صيف عام ١٩٤٧م، وقد أشرت لتلك الزيارة من قبل لأن لها أهمية خاصة من عدة جهات، واكتفي الآن بأن أذكر أنني في طريقي بالباخرة من مرسيليا إلى مصر فوجئت بأن الباخرة توقفت في ميناء حيفا الفلسطيني وكانت فلسطين مازالت تحت الانتداب البريطاني في ذلك الوقت، ولم يصدر قرار التقسيم المشؤوم، ولم توجد إسرائيل، وأبلغ القبطان الركاب بأن أمامهم بضع ساعات يستطيعون خلالها النزول للشاطئ والتجول في حيفا.

كانت تلك أول وآخر زيارة لي لمدينة حيفا ولتلك الدار العزيزة علي، ولم يمض عام واحد حتى استولى اليهود على حيفا وضموها إلى دولتهم إسرائيل، ولم يبق لدار الإخوان المسلمون أثر فيما علمت لكن إحساساً غريبا انتابني وأنا في دار الإخوان بالقدس الشريف، كأنني في دار الإخوان في حيفا. 

عندما كنت في دار الإخوان المسلمون بالقدس انتابني شعور غريب عندما تذكرت زيارتي دار الإخوان في حيفا وخيل إلي أن هناك تماثلاً عجيباً بين الدارين، كنت أظنه نتيجة التشابه في المبنى وفي السكون وفي الهدوء، ولكن تبين فيما بعد أنه كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، كما هبت العاصفة على حيفا خلال عام فقط من زيارتي لها في حرب عام ١٩٤٨م، أصاب دار الإخوان في القدس ما أصاب دارهم في حيفا. 

  • مع الدكتور عبد الحي النبالي: لقد ذكرني الشيخ عبد الرحمن خليفة باسم طالب فلسطيني كان يدرس الطب في إسطنبول، وكنت تعرفت عليه هناك في زياراتي لها من قبل، فسألت عنه في دار الإخوان، وأرسلت من استدعاه فحضر ودعوته لمرافقتي، فرحب وكان هذا رفيقي الذي لا أنساه طوال إقامتي في تلك المدينة الغالية، وكان اسمه الدكتور عبد الحي النبالي، وهو شاب فلسطيني عرفته طالبا في جامعة إسطنبول كلية الطب، لم يفارقني طوال مدة إقامتي إلا أمام باب الفندق، وكان يحدثني عن حياته في القدس وعن إخوانه ومواطنيه، أن هذا الشاب الفلسطيني لا يمكن أن أنساه، لأنه صاحبني طوال هذه المدة وحدثني كثيراً عن أحوال أهل فلسطين ومشاعرهم. 
  • سمعت بعد ذلك أن هذا الشاب الفلسطيني الذي سعدت بصحبته في إسطنبول ثم في القدس قد مرض مرضاً شديدا، وعولج في إسطنبول بعد تخرجه، لكنه توفي إلى رحمة الله تعالى. 

ولا أستطيع أن أؤكد أن مرضه كان طبيعيا، لأنني أشك في أن الموساد من خططها اغتيال العناصر الفلسطينية التي تخشى أن يكون لها دور رئيسي في كفاح شعب فلسطين، وقد تأكد لي ذلك فيما بعد عندما علمت باغتيال الدكتور إسماعيل الفاروقي، الذي كان أستاذاً عظيماً في إحدى الجامعات الأمريكية في فيلادفيا، وكان يحمل الجنسية الأمريكية رغم أنه من مواليد غزة بفلسطين، ولذلك اغتالوه بواسطة قتلة محترفين مأجورين في أمريكا. 

اتجهنا لنبحث عن مقر المؤتمر، وكان في أحد الفنادق، وعرفت أن أغلب الوفود ينزلون في فنادق أخرى، وذهبت أولاً إلى الفندق الذي يقيم به المحامون المصريون جميعاً، وأذكر أنني طلبت من مرافقي أن يتركني أدخل وحدي هناك، ودخلت الفندق لا أعرف من هم المحامون الموجودون ولا أعدادهم، ولكني فوجئت بأن عدد المحامين المصريين كان كبيراً جدًا، وعلمت فيما بعد أن الحكومة الناصرية كانت حريصة على السيطرة على هذا المؤتمر عن طريق وجود أكبر عدد من المحامين الموالين لها سواء كان من المصريين أو من غير المصريين من أعوانها في البلاد الأخرى مثل سورية، والأردن والعراق.

الرابط المختصر :