العنوان من المسجد البابري إلى الأقصى.. المقدسات الإسلامية في دائرة الخطر
الكاتب حفيظ الرحمن
تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003
مشاهدات 87
نشر في العدد 1565
نشر في الصفحة 18
السبت 23-أغسطس-2003
• إقامة معبد رام على أنقاض المسجد البابري تأتي في إطار مخطط يرمي إلى تشييد معابد هندوسية مکان 3000 مسجد
• من القواسم المشتركة بين الحلف الصهيوني الهندوسي حقد مرير على الإسلام.. وتدنيس للمقدسات الإسلامية
لم يعد خافيًا على أحد التحالف بين عبدة الكيان الصهيوني والحكومة الهندوسية المتطرفة في الهند والذي يتعمق بمرور الأيام، ويكاد العداء الصارخ للإسلام وأهله يكون القاسم المشترك بينهم، وصدق الله القائل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ۖ﴾ (المائدة: 82)، واللافت للنظر أنه كلما عجز حكام تل أبيب ودلهي عن تحقيق مؤامرة ما، فإن حكام البيت الأبيض يقدمون أنفسهم للخدمة طائعين لتحقيقها.
وفيما يحلم شارون أن يكون كيانه الصهيوني عملاقًا في الشرق الأوسط، وأن يستحوذ على ثرواته ويسيطر على اقتصاده ونفطه ومياهه، يحلم فاجبايي وأدفاني - وهما من أبرز خريجي منظمة « RSS»الإرهابية - بالهند الكونفدرالية العظمى، وألا تبقى فيها أي ديانة أخرى غير الهندوسية، أمريكا بدورها لا تدخر وسعًا في رعاية الكيانين الهندوسي والصهيوني لمواجهة المارد الأصفر الذي بدأ يتململ من جديد، ومن المتوقع أن يكون قوة عسكرية واقتصادية عالمية خلال العقدين القادمين.
ثمة قواسم مشترك كثيرة بين التحالف الهندوسي الصهيوني، فإضافة إلى الحقد المستميت على الإسلام - كما أسلفنا - وكل ما يمت إليه بصلة، يشترك الكيانان في تدنيس المقدسات الإسلامية، وقد وضعت بهذا الصدد منظمة «ويشواهند بریشد» ويرمز إليها بـ VHP خطة لإقامة معبد رام على انقاض المسجد البابري، على أن يكون تشييد المعبد بداية لتدمير نحو 3000 مسجد عريق وإقامة المعابد الهندوسية مكانها، وقد أعلنت «بروين تاكريا» يوم 26/2/2003م لن نبالي بقرار المحكمة الكبرى إن كان لا يسمح لنا بالمضي قدمًا في تحقيق رغبات الأكثرية الهندوسية في الهند».
وقالت «بروين»، وهي قيادية بارزة في منظمة VHP ، إن منظمتها تهدف إلى عقد 2000 مظاهرة احتجاجية في أنحاء الهند بغية إقناع المحكمة الكبرى بالسماح بإقامة معبد رام وذلك من 4 - 24 مارس، وقالت: «كل شيء جاهز، الخارطة موجودة والأموال متوافرة والمواد الخامة بالبناء هي الأخرى جاهزة».
وقالت أيضًا: «حسب برنامجنا فإن تشييد المعبد يفترض أن يتم يوم 6/12/2004م».
ويأتي ذلك كله في إطار مخطط هندوسي متكامل، ولكن قبل أن نبدأ في سرد تفاصيله يجدر بنا أن نلقي إطلالة سريعة على تاريخ المسجد البابري الواقع بمدينة «أيودهيا» شمال الهند.
يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر عندما بناه الحاكم المسلم «ظهر الدين بابر» في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، واكتشف المتطرفون الهندوس قضية هذا المسجد، ونسجوا زعمهم الكاذب بأنه بني على أنقاض معبد بمكان ولد فيه «راما» الأسطوري المقدس لدى الهندوس، لذا يقولون: يجب نسف المسجد والتخلص منه.. ثم جعلوها قضية شعبية، وقضية عامة للهندوس، وبدؤوا ينظرون إلى هذا المسجد كأنه علامة وشعار للغزو الإسلامي لهذه البلاد.
وكانت أحداثه بالفعل بداية مرحلة تصاعدية جديدة من تطرف الهندوس وعدائهم للمسلمين، وكانت إيذانًا بحملة هندوسية دعائية زعمت فيما بعد أن كل مساجد المسلمين العتيقة في الهند قد بنيت على أنقاض معابد الهندوس، وهي الحملة التي بررت هدم المسجد البابري في السادس من ديسمبر عام 1992م، وما أعقبه من صدامات دامية أودت بحياة ألفي مسلم.
سلسلة من الاعتداءات
تعود بداية العدوان على المسجد البابري إلى ما يزيد على نصف قرن، ففي ليلة 22 ديسمبر 1949م هجمت عصابة مكونة من 50 - 60 هندوسيًا على المسجد البابري ووضعوا فيه أصنامًا لذلك المسمى «رام» وادعوا أن الأصنام ظهرت بنفسها في مكان ولادته! وهو ما اضطر الشرطة إلى وضع المسجد تحت الحراسة مغلقًا لكونه محل نزاع.
وفي 3 نوفمبر 1984م سمح رئيس وزراء الهند الأسبق راجيف غاندي للهندوس بوضع حجر الأساس لمعبد هندوسي في ساحة المسجد، وتبع ذلك الحكم الصادر من محكمة فيض أباد بتاريخ 1/2/1986م من طرف القاضي «ر. ك. باندي» الذي أصبح بعد إحالته إلى المعاش عضوًا بارزًا في حكومة BJP الحاكم حاليًا، والمسؤول عن هدم المسجد البابري، سمح فيه بفتح أبواب المسجد للهندوس، وإقامة طقوسهم الدينية فيه، وحذر السلطات المحلية من التدخل في هذا الشأن!
وقامت العناصر المتعصبة قبل سنوات باقتحام المسجد بقوة السلاح، والشروع في هدمه وتحطيمه، ووضع حجر الأساس، وجلب مواد البناء، استعدادًا لتشييد معبد الإله المزعوم «رام»، وذلك لأن المسجد في زعمهم قد شيد على أنقاض معبد كان يقوم في ذلك الموقع على الرغم من أن الأدلة الأثرية تؤكد أن المسجد إنما شيد على أرض خلاء.
وفي بداية الثمانينيات قام الهندوسي المتطرف «محنت راجوبير» برفع قضية أمام المحكمة بشأن كون المسجد قد بني فوق معبد رام الأسطوري، إلا أن هذه المزاعم تم دحضها بحكم القضاء في أبريل 1985م لفقدان أي دليل تاريخي أو قانوني.
جريمة هدم المسجد البابري
التحركات الصادرة عن الحكومة العلمانية في الهند، شجعت المتطرفين الهندوس على هدم المسجد البابري العريق بالكامل في 6/12/1992م حيث قام عشرات الآلاف من الهندوس في مدينة «أيوديا» بتدمير هذا المسجد التاريخي، بل ومسحه من الوجود وهم يرددون أهازيج الانتصار معلنين العزم على البدء في بناء معبد هندوسي مكانه، ومنادين في الوقت ذاته بأنه قد آن الأوان لإخراج المسلمين من الهند، وقد فتكوا بالمسلمين الذين حاولوا الدفاع عنه، وسط تواطؤ معلن من قبل أجهزة الأمن الهندية.
وفي أعقاب هذه الجريمة البشعة، عمت حوادث الشغب أنحاء الهند، وقتل خلالها أكثر من ثلاثة آلاف من المسلمين.
الصراع على أرض المسجد
بعد وقوع الجريمة بدأ الصراع على أرض المسجد، والذي لم ينته حتى الآن! إلا أن ستارًا من الصمت المطبق أسدل على هذه المأساة خلال السنوات الماضية، والمؤلم حقًا أن ذلك تم من قبل الجانبين، فالجانب الهندي يحرص على التزام الصمت حول قضية الاعتداء الوحشي على المسجد، والمسلمون كي لا تتشوه سمعتهم داخل الهند وخارجها، إذ ما برحت الهند تتغنى بالعلمانية وبالتعايش مع الأقليات.
أما الجانب الإسلامي فإنه ينقسم إلى فريقين: فريق يدعو إلى ابتلاع القضية برمتها بدعوى أن إثارتها لن تؤدي إلا إلى مزيد من المشكلات للمسلمين، وفريق آخر استنكر وعارض أول الأمر حركة هدم المسجد، وبالتالي إقامة المعبد الهندوسي مقامه، وذلك بشكل فوضى هنا وهناك، ولما رأى أن استنكاره لم يجد كثير نفع، لاذ - من باب مكره أخوك لا بطل - إلى الموقف الأول.
وفي 20/5/2001م، أعلن المجلس الهندوسي العالمي الذي ينتمي إليه «فاجبايي» أنه سيبدأ بحلول العام القادم العمل على تشييد معبد «رام».
حيلة هندوسية
في مطلع عام 2001م، توصل الهندوس المتعصبون إلى حيلة جديدة للاستيلاء على أرض المسجد البابري، تمثلت في الحصول على ورقة من بعض المسلمين تخول للهندوس بناء معبدهم على أرض المسجد «وتجدر الإشارة إلى أنه بالفعل هنالك معبد مؤقت على أرض المسجد»، والشخص الذي اهتدى إليه المتعصبون لعقد هذه الصفقة المشبوهة هو محمد هاشم أنصاري من سكان «ايوديا» وهو الوحيد الباقي على قيد الحياة ممن أقاموا الدعوى الأصلية في المحاكم عقب استيلاء المتعصبين على المسجد البابري قبل نحو خمسين سنة أي في عام 1949م.
وقد تزعم المتعصبين الهندوس النائب «ويناي كاتيار»، زعيم منظمة «بانجراغ دل» الشبيبة شبه العسكرية التابعة للمنظمة الهندوسية العالمية، التي تتصدر الحملة لإنشاء معبد رام منذ البداية، وعقدوا أول اجتماع لهم مع محمد هاشم أنصاري في مدينة لكناو يوم 13/1/2001م، والجدير بالذكر أن هذا الشخص لا يتمتع بأية أهمية أو مكانه في أوساط مسلمي الهند البالغ عددهم 200 مليون نسمة، كما لم يجد له أي نصير من بين المسلمين حتى الآن.
انحياز رسمي سافر للمتطرفين
الانحياز الرسمي السافر من قبل حكومة نيودلهي إدارةً وقضاءً مع الهندوس الذين هدموا المسجد البابري لا يخفى على أحد، فقد كشف رئيس الوزراء «فاجبايي» عن وجهه القبيح وموقفه من قضية المسجد البابري عندما قال في أواخر عام 2000م: إن بناء المعبد الهندوسي مكان المسجد البابري يأتي تعبيرًا عن الأماني القومية وأنه برنامج لم ينته بعد.
وقال يوم 25/2/2003م: «أتمنى أن أرى المعبد الهندوسي مشيدًا وفي أقرب فرصة ممكنة لقد وعدت خلال حملتي الانتخابية عموم الناخبين أنني سوف أبني المعبد عندما أصل إلى الحكم وسوف أوفي بعهدي ما وسعتني الحيل»! تأتي هذه التصريحات النارية رغم أن الحكومات المتعاقبة في دلهي وعدت منذ بداية القضية بإعادة تعمير المسجد للمسلمين.
خلال الحملة الانتخابية لصالح الحزب الحاكم يوم 20 /2/ 2003م قال «فاجبايي»: «نحن نريد كحكومة وكحزب سياسي تعمير معبد رام على أنقاض المسجد البابري، وأنا على يقين من أننا سنجد من الشواهد التاريخية ما يصدق ادعاءنا في الأحقية بهذه البقعة».
وتوعدت «بروين تاكريا»، الأمينة العام لمنظمةVHP بلهجة صريحة صارمة يوم 19/2/2003م «إن لم تسمح لنا حكومة فاجبايي بالبدء في تعمير المعبد يوم
25/2/2003م فإن جميع أرجاء البلاد سوف تشهد مظاهرات احتجاجية عارمة، وسوف ندمر آلاف المساجد المقامة على معابدنا».
وفي العام الماضي وقعت مفاجأة كبيرة في مسار القضية المرفوعة ضد الذين هدموا المسجد البابري قبل عشر سنوات، حين ألغت محكمة «إله أباد» قرار المحكمة الخاصة التي تنظر في هذه القضية واستندت المحكمة العليا في حكمها إلى نقطة فنية، وهي أن القرار الحكومي بإنشاء المحكمة الخاصة فاسد قانونيًا، لأنه أهمل حصول موافقة المحكمة العليا مسبقًا عند إنشاء المحكمة الخاصة وبالتالي فإن كل الإجراءات التالية فاسدة قانونيًا!
وتركت المحكمة العليا الخيار للحكومة بتشكيل المحكمة الخاصة من جديد بعد حصول الموافقة المسبقة من المحكمة العليا، ويسري هذا القرار على القضايا المرفوعة ضد تسعة من المتهمين وعلى رأسهم وزير الداخلية الحالي «ل كي ادفاني»، ووزير تنمية القوي البشرية «مرلي منوهر جوشي»، ووزيرة الشباب «اوما بهارتي»، إلى جانب ستة آخرين تصدروا الحملة المؤدية إلى هدم المسجد البابري.
وكانت ولاية «أتار بارديش» قد أصدرت قرارًا في 8/10/1993م لإنشاء المحكمة الخاصة لمحاكمة المتهمين بهدم المسجد البابري، والمطلوب الآن صدور قرار جديد من قبل الحكومة بمحاكمة المتهمين، إلا أن هذا أمر مشكوك فيه، والمتوقع أن الحكومة الهندية ستحاول المماطلة والتأخير، وذلك لأن حزب المتهمين هو الذي يحكم الآن على مستوى الحكومتين: الإقليمية والمركزية وبالتالي لا يتوقع منه أي خير، وكانت أحزاب المعارضة هناك قد طالبت في ديسمبر عام 2001م باستقالة المتهمين في قضية هدم المسجد البابري، وهددت لجنة عمل المسجد البابري باللجوء إلى المحكمة العليا الدستورية لو تقاعست الحكومة عن إصدار قرار جديد وبسرعة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن حكومة فاجبايي قدمت طلبها وبشكل رسمي إلى المحكمة الدستورية الكبرى، مطالبة إياها بالسماح لها بتشييد معبد رام مكان المسجد البابري لكي يتسنى لها تنفيذ الوعد الذي وعدت به عموم الناخبين.
في سياق متصل، تؤكد الأنباء أن منظمة VHPالتي تتولى مسؤولية تعمير معبد رام قد أعدت خريطة المعبد وجمعت له الأموال الكافية، ومما يندي له الجبين أن الهنود المقيمين في الخليج ساهموا بنصيب الأسد في حملة التبرعات لصالح تعمير المعبد.
وشارون يخطط لهدم الأقصى
بعد وصوله للمرة الثانية إلى سدة الحكم في الكيان الصهيوني، جاهر شارون ولأول مرة عن عزمه إقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى، وقال إنه حقق النجاح في الانتخابات بسبب وعوده لعموم الناخب الإسرائيلي بهدم المسجد الأقصى وتعمير الهيكل محله، وأنه سوف يوفي بعهده، وأعلن عن خطة مرحلية لتحقيق حلمه، ففي المرحلة الأولى سوف يتم إبعاد العرب والنصارى عن الأماكن المحيطة بالمسجد الأقصى وإسكان اليهود فيها في المرحلة الثانية، وبعد ذلك سوف يتم البدء في تعمير الهيكل بعد هدم الأقصى بطبيعة الحال.
وأضاف شارون، في حواره مع إذاعةالكيان الصهيوني، أنه تم التعاقد مع شركة معمارية لتعمير الهيكل وهي الأخرى أبدت استعدادها لتنفيذ المخطط في الفترة المحددة.
إن الهندوس يطمعون في الكثير الكثير، وقد لمحت المنظمات الهندوسية المتطرفة وبخاصة VHP إلى اعتزامها تدمير نحو 3000 آلاف مسجد آخر من بينها مسجد قوت الإسلام في دلهي الذي أنشئ قبل نحو قرن.
أما آن للمسلمين أن ينتفضوا لحماية المقدسات الإسلامية؟
إنها رسالة عاجلة لعلماء الأمة وشباب الصحوة، فالأمل لا يزال معقودًا بنواصيهم، ونسأل الله أن يكونوا عند ظن الأمة فيهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل