; من المستفيد من الحرب العراقية – الإيرانية؟! | مجلة المجتمع

العنوان من المستفيد من الحرب العراقية – الإيرانية؟!

الكاتب راشد السالم

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1984

مشاهدات 121

نشر في العدد 661

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 06-مارس-1984

  • حرب مدمرة من أجل لا غالب ولا مغلوب!
  • العقل والحكمة يقضيان بوقف الحرب حالًا.
  • القوى الدولية لا تسمح بانتصار أي من الطرفين.
  • الاتحاد السوفياتي يتخلى عن الحياد ويبيع السلاح للعراق بالعملة الصعبة!
  • الغرب لا يأبه باستمرار الحرب مادام يحصل على مداخيل النفط مقابل السلاح!
  • أمريكا ترتب أوضاع المنطقة سياسيًّا وعسكريًّا لصالحها.

شهدت الحرب العراقية - الإيرانية خلال الأسبوعين الماضين تأزيمًا عسكريًّا وسياسيًّا شديدين، فقد قامت إيران بعدة محاولات لعبور الحدود الدولية مع العراق؛ معتمدة على كثافة القوى البشرية، تكبدت فيها خسائر فادحة في الأرواح تقدر بعشرات الآلاف، كما تكبد العراق إلى المقابل خسائر في الأرواح والمعدات. ويتوقع المراقبون المزيد من العمليات بين الطرفين، التي تستهدف المواقع المدنية والاقتصادية، بالإضافة للأهداف العسكرية.

  • أزمة سياسية

‏وقد ترتب على ذلك أزمة سياسية - بات يخشى أن تلف المنطقة بأسرها، بل والعالم أجمع. ففي حين يتوجه المجتمع العربي والإسلامي إلى بعث روح مبادرات الإصلاح بين الطرفين والمساعي الحميدة، وذلك من خلال الهيئات والمنظمات الدولية كحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي. لجأت بعض القوى الدولية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي إلى تكثيف تواجدها العسكري في الخليج والمحيط الهندي. وقد تم تبادل التهديدات بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين حول إغلاق مضيق هرمز.

‏وفي مثل هذه الأجواء التي لا تسر أحدًا يتساءل كل مسلم وعربي عن جدوى استمرار هذه الحرب ومن المستفيد منها؟

  • ‏لا غالب ولا مغلوب

‏ولكي تكون الإجابة واضحة على هذا التساؤل لابد من معرفة ماذا كان من الممكن أن تنتهي الحرب بانتصار أحد الطرفين على الآخر، وهل انتصار أحد الطرفين يستحق كل هذه التضحيات؟!

‏يقول المراقبون وكثير من السياسيين: إن الحرب العراقية - الإيرانية لا يمكن أن تنتهي بانتصار أحد الطرفين على الآخر، فهي من نوع: لا غالب ولا مغلوب. ويستند المراقبون في هذا إلى تقديرهم ومعرفتهم بالقوى الدولية وموازناتها السياسية في المنطقة. فالقوى الدولية خاصة الولايات المتحدة والغرب لا تسمح بتغير ميزان القوى لأي من الطرفين، وذلك للإبقاء على معادلة سياسية تكفل استمرار الحفاظ على مصالحها النفطية والسياسية.

ثم أن هذه الدول في أجواء عدم استقرار المنطقة تستطيع أن توثق علاقاتها مع دولة المنطقة عن طريق تزويدها بالسلاح، وهي بذلك تسترد ما تدفعه لهذه الدول من مداخيل النفط.

  • حرب منسية

والمتأمل في الحرب العراقية - الإيرانية من بدايتها يجد أنها لم تجد اهتمامًا كافيًا من القوى‏ الدولية النافذة، وسميت بالحرب المنسية أو الحرب المجهولة، كما أطلقت عليها الواشنطن بوست الأمريكية في إحدى افتتاحياتها في الأسبوع الماضي.

ولقد كان محقًا الدكتور منصور فرهانج سفير إيران السابق لدى الأمم المتحدة عندما قال لإذاعة «A.B.C»‏ الأمريكية في الأسبوع الماضي.

«إن حرب الخليج لم تكن لتستمر كل هذه السنوات إذا أوقف العالم الخارجي مد الطرفين المتحاربين بالأسلحة» وقد وافقه على ذلك الخبير البريطاني أنتوني سامبسون الذي أيد «أن الغرب لا يأبه باستمرار الحرب مادام يحصل على مداخيل النفط مقابل تصدير السلاح».

وهذا الذي قاله الخبير البريطاني يعبر بثقة عن حقيقة المواقف الغربية من الحرب، بل ويفسر إلى حد كبير موقف الاتحاد السوفياتي الذي انتقل من موقف الحياد إلى موقف المزود بالسلاح للعراق.. إن مجرد الخلاف بين الحكم الإيراني وحزب توده الشيوعي لم يكن، في العرف الروسي، ليجعل النظام السوفياتي ينتقل هذه النقلة السريعة لولا إدراكه بأن ميزان القوى في المنطقة لا يسمح بتغلب طرف على آخر؛ لذا وجد من الأنسب له أن يستفيد من الحرب بتزويد العراق بالعتاد والمعدات؛ حيث إن تسلح الجيش العراقي تسليح سوفياتي، ونلك ليكسب أثمانًا للسلاح بالعملة الصعبة. ومن عجب أن بعض قوى اليسار العربي تحول موقفها مع الموقف الروسي مرة واحدة، ولكن تحت شعار حق الدول في السيادة على حدودها!

  • تطور في الموقف الدولي

ومع تطور العمليات العسكرية على الجبهة بين البلدين لوحظ أنه ترافق بتطور في مواقف بعض القوى الدولية النافذة؛ وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا. فقد بادرت هذه الدول إلى إرسال مزيد من سفنها الحربية إلي الخليج والمحيط الهندي، كما حذر المسؤولون فيها إيران بشكل خاص من محاولة إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. فقد ذكرت صحيفة نيوزويك أن أمريكا تمارس ضغوطًا على حلفائها للمساعدة في وقف الحرب، وطلبت إلى كوريا الجنوبية وبريطانيا "وإسرائيل" وقف بيع الذخائر وسلع عسكرية لإيران! وعلى صعيد الإعلام بدأ التلفزيون الأمريكي يعرض صورًا للحرب، كما كرست صحيفة الواشنطن بوست افتتاحية بعنوان الحرب المجهولة قالت فيها: «إذا استمرت الجيوش الإيرانية؛ فإن النتائج المترتبة على ذلك بالنسبة للشرق الأوسط والدول المعتمدة على البترول سوف يستحيل حسابها»! وفي ضمن الحسابات التي ذكرتها الصحيفة الخشية من أن تؤدي الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط لا النقص في الإمدادات!

ومن الناحية العسكرية ترابط حاملة الطائرات «ميدواي» الأمريكية وثلاثين سفينة حربية أخرى في الخليج والمحيط الهندي، بالإضافة إلى حاملة صواريخ اكزوسيت «فيكتور سكو يشر» الفرنسية والفرقاطة «يريزن» والمدمرة غلامورغان البريطانيتين. وحوالي ستة وعشرين سفينة حربية روسية.

  • تهديدات

وفي أجواء هذا الحضور الغربي المكثف حول المنطقة يرد شولتز، والناطق دونالد هوديل على تهديدات الخميني والرئيس الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، بأن أمريكا ستلجأ إلى استخدام القوة إذا أغلق المضيق. لكن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن إيران غير جادة في تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز؛ لأنها ستكون أول المتضررين، فلماذا يلجأ المسؤولون في إيران إلى التهديد بذلك! ربما يكون الغرض هو لفت انتباه العالم إلى خطورة الوضع في المنطقة وضرورة وضع حد للحرب، ولكن استمرار إيران في حشد الجيوش لعبور الأراضي العراقية لا يؤيد هذا الاستنتاج، الأمر الذي يجعل المراقب لا يملك إلا أن يقول: إن استمرار الحرب وتبادل التهديدات بإرباك السياسة الإقليمية والدولية إنما يأتي -رغمًا عن أطراف الحرب- في مصلحة القوى الدولية ذات المصالح النفطية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة، وتأتي في مقدمة هذه الدول بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية.

‏وإذا أضفنا إلى ما سبق أن الحرب العراقية - الإيرانية انفجرت في الوقت الذي شددت فيه "إسرائيل" هجماتها على لبنان والمقاومة الفلسطينية؛ الأمر الذي غيب العراق بعد مصر عن ساحة التأثير إلى الشرق الأوسط، تتأكد لدينا حقيقة أن المستفيد الأكبر من الحرب إنما هم أعداء الأمة الإسلامية الطامعون فيها وبالذات "إسرائيل" والولايات المتحدة.

  • ‏العقل والحكمة

إن هذه الحقيقة كان ينبغي أن يدركها الطرفان منذ البداية، وعدم إدراكها بالإضافة إلى سفح دماء المسلمين، وهدر ثرواتهم على النحو الذي تطورت إليه الحرب العراقية - الإيرانية يستحق الإدانة والاستنكار من جميع المسلمين. ولكن الإدانة والاستنكار، أو التحقيق حول من بدأ الحرب لا تقدم في الموضوع ولا تؤخر طالما لازالت الحرب مستمرة.

‏فإن الحق والنطق يقضيان بضرورة اقتناع الطرفين بوضع أوزار الحرب، وتغليب العقل والحكمة على الشعارات والسياسات العاطفية الفجة.

  • ‏عبث وانتحار

إن الذي ينبغي أن تدركه إيران طالما أن ‏العراق وافق على وقف الحرب، ومبدأ التفاوض على أساس الحدود الدولية، إن توسيع الحرب وإراقة مزيد من الدماء وهدر الكثير من الثروات ليس إلا نوعًا من العبث والانتحار الذاتي لأكثر من سبب:

‏- إن مطلب إسقاط النظام العراقي الذي تصر عليه إيران لا يمكن تحقيقه؛ لأن الشعب العراقي لا يقبل أن يتم ذلك لحساب نظام غير عربي.

- إن النظام العراقي لا يسعه إلا الاستماتة في الدفاع عن نفسه وعن بلده، وسيسعى لاستخدام كل ما يملك من أسلحة وإمكانات للحيلولة دون سقوطه.

‏- إن القوى الدولية النافذة لا تسمح على نحو ما أشرنا إليه أنفًا بإخلال في معادلة التوازن السياسي في المنطقة. أي أن القوى الدولية لا تسمح بتغلب فريق على فريق، خشية على مصالحه الاقتصادية والسياسية في المنطقة.

- إن العراق صاحب العلاقات المتينة مع معظم الدول العربية وبعض القوى الدولية كفرنسا وبريطانيا والعلاقات المتنامية مع أمريكا، لا يمكن أن تسمح هذه الدول أن تتعرض السيادة فيه للخطر.

  • أمريكا هي المستفيدة

إن أمريكا التي جعلت من الغزو السوفياتي ‏لأفغانستان غولًا يتهدد الخليج، وجدت في الحرب العراقية – الإيرانية جوًا مناسبًا؛ لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة، ورسم خريطة توازناتها السياسية، الأمر الذي جعلها تقف في العلن على الحياد، فيما كانت في الخفاء وبصورة غير مباشرة تغذي الحرب وتسعر من أوزارها. وفي الوقت الذي يتم فيه ترتيب المنطقة كما تريد أمريكا سيتم التدخل في الحرب لوقفها بطرق متعددة. وتشير بعض المعلومات المستقاة من مصادر أمريكية مطلعة إلى أن أمريكا واضعة في حسابها أن توقف الحرب العراقية - الإيرانية في العام القادم، وهو ما سبق لبعض المراقبين أن توقعوه كالدكتور النفيسي في مقالة له نشرها في الوطن الكويتية منذ حوالي ثلاثة أشهر. 

إن المراقب يفترض في إيران أن تدرك هذه الحقائق، فإن كانت تدركها حقًا فلماذا تستمر في تجييش الجيوش والزج بها في حرب نهايتها لا غالب ولا مغلوب؟ وإذا كانت إيران لا تدرك ذلك، فإن عليها أن تبادر إلى اغتنام عرض العراق بوقف الحرب والتفاوض؛ حفاظًا على أرواح المسلمين وثرواتهم.

‏وما لم يدرك الطرفان ضرورة الإسراع في إنهاء الحرب المدمرة؛ فإن مصير المنطقة والعالم الإسلامي كله سيظل بيد أعدائه إلى أزمان قادمة طويلة، وعندها لا ينفع ندم، فهل يفلح المسلمون بوقف الحرب المهزلة؟

﴿قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8