; من المسؤول الحقيقي عن الحفاظ على عرفات؟ | مجلة المجتمع

العنوان من المسؤول الحقيقي عن الحفاظ على عرفات؟

الكاتب فهد العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

مشاهدات 74

نشر في العدد 1072

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 26-أكتوبر-1993

لغز بقاء عرفات: رؤية إسرائيلية

أشار تحليل مجلة التايم في عددها الصادر بتاريخ أكتوبر إلى الأسباب الحقيقية وراء بقاء ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير حيًا إلى الآن. وقالت بأن القضية لا تنحصر في مجرد ذكاء عرفات وقوة حراسه، ولكنها تعود أيضًا إلى قرارات القيادة الإسرائيلية ذاتها، والتي رأت من مصلحتها المحافظة عليه لمدة ثلاثين عامًا مضت، فقد نوقش- طبقًا لمصادر أمنية إسرائيلية- خيار التخلص من عرفات واغتياله أربع مرات متتالية وعلى أعلى مستوى في الحكومة، كان واحد منها فقط يعطي الضوء الأخضر، ولكن هذه المرة الواحدة فشلت في النهاية.

الهروب الأول: رام الله 1967

ويتناول التحليل- الذي كتبته «ليزا بير» من القدس- أول عملية إسرائيلية ضد عرفات كانت تهدف وقتها إلى مجرد الإمساك به دون قتله. ففي أواخر عام 1967 طار عرفات- الذي كان أحد أعضاء المنظمة ولم يكن رئيسها بعد- من الأردن إلى الضفة الغربية في محاولة منه لتسليح الشعب الفلسطيني وتحريضه على الثورة ضد العدو، وفي ديسمبر من ذات العام استطاعت المخابرات الإسرائيلية أن تعرف من مصادرها الخاصة بأن عرفات كان في أحد المنازل برام الله، فقامت قوات الكيان الصهيوني وقتها باقتحام المنزل فلم تجد أمامها سوى فراشٍ دافئ، وذلك بعد أن شعر عرفات بقدومهم فزحف تجاه نافذة غرفته وخبأ نفسه بهدوء في إحدى السيارات المصطفة بجانب البيت، وقد تبين فيما بعد أنه استطاع الهروب إلى الأردن متنكرًا في زي امرأة تحمل معها طفلها.

اللجنة (X) وقائمة الاغتيالات

وفي عام 1972 تغيرت نظرة العدو الإسرائيلي إلى عرفات، ففضلًا عن كونه صار رئيسًا للمنظمة، فقد أثار مقتل أحد عشر رياضيًا إسرائيليًا في أولمبياد الميونخ في سبتمبر من نفس عام من قبل جماعة «سبتمبر الأسود» المنشقة عن فتح- غضب جولدا مائير رئيسة وزراء (إسرائيل) وقتها، وحفزتها على تشكيل لجنة سرية جدًا أطلقت عليها اسم اللجنة (×) وكانت مكونة من أهم الشخصيات الإسرائيلية، وكانت مهمتها تحديد سياسة تصفية الرموز الفلسطينية غير المرغوبة.

وقد قررت اللجنة في اجتماعها يومئذ تصفية 16 رمزًا من قيادات المنظمة انتقامًا لمقتل الإسرائيليين، وقد ناقشت اللجنة كذلك إضافة عرفات إلى القائمة، ولكنها قررت في النهاية ألا تفعل بحجة عدم وجود أدلة قوية لمسؤوليته المباشرة عن عملية «سبتمبر الأسود».

وفي يناير لعام 1973 وعندما ردت «سبتمبر الأسود» على موجة الاغتيالات الإسرائيلية بقتل عميل للموساد في مدريد، تيقنت لجنة (x) بأن عرفات متورط في العملية، ولكنها مع ذلك آثرت ألا تتحرك، فالإسرائيليون- على حد وصف التحليل- يعرفون جيدًا أن اغتيال عرفات أمر ليس هينًا، ففضلًا عن كونه مدربًا بإحكام على حماية نفسه من أية محاولات لاغتياله، فقد يؤدي مصرعه إلى ردة فعل قوية في صفوف الفلسطينيين، وقد يمتد الانتقام ليصل إلى رقبة رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه.

وتكشف مصادر إسرائيلية الآن بعضًا من أوراقها فتقول بأن عرفات كان محظوظًا لأنه لم يكن ضمن قائمة «الميونخ» السوداء، فقد ماتت كل الرموز الستة عشر التي حددتها اللجنة، وذلك إما عن طريق اغتيالات إسرائيلية أو اغتيالات من بعض الفصائل الفلسطينية نفسها.

حصار بيروت والفرصة الضائعة

ويستعرض تحليل التايم المرة التالية التي كانت فيها حياة عرفات تحت خطر تهديد مباشر من (إسرائيل)، وذلك عام 1982 عندما كانت بيروت تحت حصار العدو، وكانت عند القوات الإسرائيلية خاصة أوامر بالبحث عن فرصة سانحة للتخلص من عرفات بصفته رئيسًا للمنظمة، وفي أوائل أغسطس استطاعوا تحديد مكانه، واستطاع القناص تصويب مسدسه من على بعد نحو صدره وسأل عما إذا كان بمقدوره إطلاق النار الآن، فوصلته الإجابة الحاسمة: لا. فبينما كانت القوات الإسرائيلية مستعدة لإفنائه، كان لا يزال الساسة في لجنة (x) يناقشون الموضوع من أكثر من جهة، وكان مناحيم بيغن رئيس الوزراء وقتها يتحفظ على فكرة قتله.

وقد حدث أن تحققت فرصة قتله الثانية من ذات الشهر لما خرج عرفات من لبنان برفقة بعض مقاتلي المنظمة، وذلك عن طريق البحر، فقد كانت المسافة بينه يومئذ وبين القناص الإسرائيلي قرابة 200 متر فقط، وقد قال القناص وقتها: «أستطيع قتله الآن» إلا أن ذلك لم يحدث قط.

لماذا استبقت إسرائيل عرفات؟

ويحدد التحليل بوضوح السبب الحقيقي وراء قرار الكيان الصهيوني باستبقاء عرفات على قيد الحياة، فقد كان ولا يزال أفضل الموجودين بالنسبة لهم ولم يكن البديل في مصلحتهم، وقد كان البديل وقتها خليل الوزير «أبو جهاد» الذي قتلته (إسرائيل)، بالإضافة إلى فاروق قدومي الذي يمثل من وجهة نظر العدو التيار المتشدد في المنظمة، فقد اختلف مع عرفات مؤخرًا بشأن اتفاق غزة- أريحا، وكان الخوف الحقيقي- كما صرح بذلك مصدر إسرائيلي- أن يخلف عرفات في حالة تصفيته من هو أنشط منه، ومن يمتلك القدرة على تعبئة الرأي العام العالمي ضد الوجود الصهيوني.

غارة تونس 1985

ومع ذلك فلم تستطع كل تلك الحسابات أن تزيل من عقلية العدو فكرة التخلص من عرفات، خاصة في أعقاب عام 1985 عندما قام ثلاثة من منظمة التحرير «تبين فيما بعد أنهم كانوا أعضاء كذلك في قوة 17 وتمثل الحرس الخاص لعرفات» بالهجوم على يخت إسرائيلي في قبرص، وقتلوا ثلاثة يهود، عندها اعتبرت (إسرائيل) الفرصة مواتية للانتقام، خصوصًا وقد علمت المخابرات الإسرائيلية بموعد عقد اجتماع بين قادة المنظمة العسكريين وبين عرفات في تونس، وذلك صبيحة الأول من أكتوبر من ذات العام.

وقد جاءت أوامر التصفية من رئيس الوزراء شمعون بيريز «وزير الخارجية الحالي، والمهندس الرئيسي للاتفاقية الأخيرة»، وقتها استطاعت ست طائرات إسرائيلية «ف15» التحليق فوق مقر المنظمة بتونس وتهديم عدة مبان وقتل قرابة 73 شخصًا، بالإضافة إلى ضرب الغرفة التي كان يُعتقد بأن عرفات يعقد فيها اجتماعه، إلا أنه تبين فيما بعد أن رئيس المنظمة كان يرقد وقتها في بيته الذي يبعد عن مقر الحادث بقرابة 20 كم طبقًا للمصادر الإسرائيلية، كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي همت فيها القوات الإسرائيلية بالتخلص حقًّا من عرفات.

واختتم التحليل بالقول إن (إسرائيل) اليوم ترى أنه في مصلحتها الحفاظ على عرفات وإبقائه على قيد الحياة، ويأتي الحفاظ هذه المرة- على حد وصف التايم- من محاولات اغتيال فلسطينية!


انظر أيضا:
 أضواء جديدة على عملية ميونيخ

  المرحلة الإسرائيلية تضع حساباتها الإستراتيجية حول دمشق

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

121

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

134

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

94

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)