العنوان من القديس إلى العاهرة
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2013
مشاهدات 70
نشر في العدد 2046
نشر في الصفحة 66
السبت 30-مارس-2013
أصدر القضاء الفرنسي حكمًا على الفنانة الفرنسية «بريجيت باردو» «۷۳ عامًا» بالسجن شهرين مع وقف التنفيذ، وتغريمها ١٥ ألف يورو، بتهمة الحث على الكراهية ضد المسلمين والإسلام.
وهي المرة الخامسة التي تحاكم فيها، باردو، بسبب معاداتها للعرب والمسلمين.
وكانت منظمات مكافحة العنصرية والدفاع عن حقوق الإنسان، قد رفعت دعوى ضد الممثلة الشهيرة التي بعثت برسالة إلى الرئيس الفرنسي السابق «نيكولا ساركوزي» نشرتها الصحف، نددت فيها بذبح الأضاحي في عيد الأضحى، مستخدمة ألفاظًا مسيئة ومهينة للمسلمين.
وكانت «باردو» قد أصدرت كتابًا في عام ٢٠٠٤م اتهمت فيه المسلمين بالإرهاب، ونددت بما وصفته بـ«أسلمة فرنسا على يد الغزاة المسلمين»! «مجلة «المجتمع» العدد ۱۷۹۹».
الخيط -إذًا- موصول بين القمة والحضيض، بين بابا الكاثوليك المستقيل «بنديكت ١٦»، الرأس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية في العالم، و«بريجيت باردو»، ممثلة الإغراء والعرض الجسدي الرخيص على الشاشة السينمائية، بين القديس والعاهرة، يحمل الهم نفسه، وينبض بالقلق نفسه: الهجوم على الإسلام، وطقوسه، والتحذير من انتشاره في القارة الأوروبية.
صحيح أن «بنديكت» قد اعتذر بعد مقولته تلك عن الإسلام، ربما بسبب الضغوط العديدة التي ساقته إلى الاعتذار، ولكنه قالها، وهو مؤمن بها حتى النخاع، تماماً كما أن الرئيس الأمريكي السابق «بوش» قد اعتذر عن مقولته «بأنها حرب صليبية» في أعقاب واقعة الحادي عشر من سبتمبر، ولكنه «فعلها» في غزوه لأفغانستان والعراق.
ثم تجيء «بريجيت باردو» لكي تواصل المشوار، فتحث على الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وتندد بذبح الأضاحي، وتتهم المسلمين بالإرهاب، وتحذر من «أسلمة فرنسا على يد الغزاة المسلمين»!
وهل ثمة فارق بين هذه المقولة الأخيرة، وبين ما سبق ل«بنديكت» أن قاله بخصوص الغزو الإسلامي العدواني للأمم والشعوب؟
أبدًا، فما دامت «النية» قائمة في عقل ووجدان «بنديكت» و«باردو»، وكل المسافات المتطاولة في الضمير الأوروبي بينهما، والذي ينعكس بين الحين والحين في موقف أو تصريح أو إساءة، ليست واقعة رسوم الكاريكاتير أولها ولا آخرها، فإن هذه «النية» المبنية على أساس خاطئ معوج في فهم الإسلام، والقائمة على كراهية المسلم، ستظل تفرز مواقف كهذه، سواء من قسس وكاردينالات يتربعون «القمة» أو من ممثلات ساقطات يتخبطن في الحضيض.
لكن هذا كله -إذا أردنا الحق- ليس سوى أحد جانبي «الصورة» الأوروبية عن الإسلام والمسلمين، فثمة الجانب الآخر الذي لا يقل ثقلًا وحضورًا وامتدادًا في الساحة الأوروبية، وذلك هو الإعجاب بالإسلام، وتقدير دوره الإنساني، وإسهامه المؤكد في بناء الحضارة الإنسانية، والوعد الذي يقدمه في إعادة بناء المصير البشري الذي وصلت به المذاهب الوضعية والأديان المحرفة إلى الطرق المسدودة.
ويومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة يصدر كتاب أو بحث أو مقال في هذا الاتجاه، ويعلن شخص ذو مكانة متقدمة في الساحة الأوروبية؛ إعلامي أو سياسي أو دبلوماسي أو فكري أو فلسفي أو فني أو رياضي، إسلامه على رؤوس الأشهاد، مبينًا الدوافع الحقيقية لانتمائه لهذا الدين الذي يحمل سره المعجز في إقناع الناس أيًا كان موقعهم في الزمان أو المكان.
ولعل هذا هو أحد أسباب «تشكل» الوجه السابق القبيح للعقل الغربي الذي يتهم ويندد ويدين ويسيء، ويعلن عداءه للإسلام والمسلمين.
إنهم -بالفعل- يخشون «انتشاره» في أوروبا، ليس على الفترات الزمنية القريبة، ولكن على المدى البعيد.
فدونما قعقعة سلاح، ودونما إطلاق رصاصة واحدة، أو صاروخ واحد، سيقدر لهذا الدين الذي يحمل سره في تركيبه المعجز، أن يمضي بمشروعه الحضاري، إلى كل زاوية في العالم لكي يخرج الناس، كما أخرجهم يومًا، من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان والمذاهب الجائرة إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد والحتميات والطاغوتيات إلى عبادة رب العباد الله وحده.