; من الفقه السياسي (2) | مجلة المجتمع

العنوان من الفقه السياسي (2)

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1128

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 06-ديسمبر-1994

من استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين تبين له أنه ما دخل الفتنة أحد إلا سقط فيها وتمنى أن لم يدخلها، ولذا نُهينا عن الخوض في الفتن لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)؛ لأن في الفتن تطيش العقول وتشتبه الأمور، ويلتبس الحق بالباطل. ومن أبرز أوجه الاشتباه لدى المسلمين قديمًا وحديثًا، تباينهم واختلافهم في تفسير بعض محاولات التغيير التي جرت في تاريخ الأمة بمختلف أدوارها بعبارات شرعية لم يحسن تطبيقها على هذه الوقائع، ومن أبرزها الاشتباه الحاصل بين:

1.      أهل البغي أو البغاة.

2.      الخوارج.

3.      القتال في الفتنة.

4.      المحاربون.

5.      المرتدون كمانعي الزكاة أو شعائر الإسلام الظاهرة المتواترة.

6.      المقتتلون على باطل.

وهذا موضع اشتبه على كثير من الفقهاء المتأخرين، فخلطوا بين قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج، وفتنة الجمل وصفين، فجعلوه كله من باب البغي، وهو مخالف لأقوال الأئمة الكبار كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم من أئمة السلف، ومخالف للسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال الخوارج لأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقولون من قول خير البرية، وهم شر قتلى تحت أديم السماء، وقال: «لأقتلنهم قتل عاد». وأول من قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بحروراء مع مَنْ معه من الصحابة لأنهم خرجوا عن السنة والجماعة، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فاستحل قتالهم لما كانوا يكفرون جمهور المسلمين.

فكل طائفة تنتسب إلى الإسلام بطرف لسانها، ولكن تخرج عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية، وتحارب جماعة المسلمين يدخلون في هذا الباب. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب، ولذا أمرنا شرعًا بقتال الخوارج، وبالصبر على جور الأئمة وظلمهم والصلاة خلفهم مع ذنوبهم. فمن هؤلاء نعد في مقدمتهم: النصيرية، والإسماعيلية، وغالية الرافضة، وسائر أهل الأهواء والبدع المغلظة، وإن لم يُنص عليهم لعدم إدراك عصرهم؛ لأن هؤلاء لم يكفروا عوام المسلمين فقط بل كفروا خيارهم -متقدميهم ومتأخريهم- لاسيما الشيخين والمهاجرين والأنصار وسائر الأئمة والفقهاء، ويعاونون الكفار والتتار فهم أشد ضررًا على الدين وأهله وأبعد عن شرائع الإسلام من الخوارج الحرورية وأكذب الطوائف المنتسبة إلى القبلة.

أما قتال مانعي الزكاة أو الخارجين عن شعائر الإسلام الظاهرة المتواترة لم يقاتلهم الصديق -رضي الله عنه- على طاعته، وإنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله؛ لأنهم كانوا ممتنعين عن أدائها أو غير مُقرِّين بها، وهذا أعظم من قتال الخوارج المقرين بالإسلام بالعموم مع الخطأ في تأويله وفهمه وامتناعهم عن طاعة الإمام العدل، فهناك فرق بين قتال المرتدين وقتال الخوارج المارقين.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (28/ 510): «كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا أو الميسر، أو الخمر، أو الربا أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال، والأعراض، والأبضاع، ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار...»(1).

أما قتال أهل البغي فالله تعالى أمر بقتال الطائفة الباغية وهي التي تنتسب للإسلام وتخرج على الإمام العادل الذي ثبتت إمامته بالطرق الشرعية بتأويل سائغ -كمعاوية ومن معه في صفين رضي الله عنهم أجمعين، أما إن كان بغير تأويل سائغ فهؤلاء خوارج؛ ولذلك لم يكفرهم الإمام علي بل قال عنهم: «إخواننا بغوا علينا»، وأن يكون لهم قوة مادية وأعوان، فالواجب في حقهم الإصلاح حتى تفيء الطائفة الباغية للحق، وإن لم تفعل تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله.

أما القتال في الفتنة فهي الحروب التي نشبت بين ملوك المسلمين وطوائف من أهل العلم والدين مع أن كل واحدة منها ملتزمة بشرائع الإسلام، وإنما اقتتلوا لشبه وأمور عرضت. وأكثر الصحابة قعدوا عن القتال في الفتنة، وهي التي أشارت إليها الأحاديث: «سَتَكُونُ فِتَنٌ القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي» (البخاري: 3601)، و«يُوشِكُ أنْ يَكونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بهَا شَعَفَ الجِبَالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ» (البخاري: 19). وأمر صاحب السيف أن يتخذ سيفًا من خشب، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (البخاري: 121).

وباب قتال أهل البغي يشتبه بالقتال بالفتنة، ولهذا لما أراد الحسين -رضي الله عنه- أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه وغدروا به، أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر، وابن عباس، وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، ألا يخرج، وغلب على ظنهم أنه يقتل حتى إن بعضهم قال: «أستودعك الله من قتيل»! وحاول بعضهم منعه فلم يستطيعوا، ولكن الرأي يصيب ويخطئ، وهكذا تمكن أولئك الظلمة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلومًا شهيدًا.

أما الحرابة فليس القصد منها الإصلاح الذي يقصده البغاة بل قصدهم المغالبة على نفوس الآمنين وأموالهم وأعراضهم بوحي من الإجرام والظلم والعدوان، فجزاؤهم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض جزاءً وفاقًا.

وأما المقتتلون على الباطل الذي لا تأويل فيه كعصبية ودعوى جاهلية فهؤلاء المشار إليهم بالحديث: «إذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بسَيْفَيْهِما فَالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا القَاتِلُ فَما بَالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: إنَّه كانَ حَرِيصًا علَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (البخاري: 31).

نسأل الله السلامة من الفتن والبصيرة لنرى الحق غير ملتبس.

الهوامش

(1) الفتاوى لشيخ الإسلام - الأجزاء 4، 28، 35، منهاج السنة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2101

960

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

همَّة غلبتْ فتنة

نشر في العدد 365

98

الثلاثاء 30-أغسطس-1977

العوائق