; من الذي أساء للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هل قتل النبي صلى الله عليه وسلم من سبَّه؟ | مجلة المجتمع

العنوان من الذي أساء للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هل قتل النبي صلى الله عليه وسلم من سبَّه؟

الكاتب ميرا الديب

تاريخ النشر السبت 15-أبريل-2006

مشاهدات 68

نشر في العدد 1697

نشر في الصفحة 34

السبت 15-أبريل-2006

  • نبينا يعلمنا المرة تلو الأخرى أنه حتى عند دفاعنا عن حرمات ديننا فنحن ملزمون بتعاليم شريعتنا السماوية.

  • لا بد أن يكون لنا دور إيجابي في جميع المجالات وألا ننتظر حتى ينقص أحد علينا لنصرخ بالاحتجاج.

  • لنبدأ في إصلاح أنفسنا وحالنا من الداخل.. فإن الله لن يغير حالنا حتى نسعى نحن إلى تغيير أنفسنا.

منذ أعوام قليلة جاءنا أحد الدعاة «وهو من أصل أمريكي ويعيش في إحدى دول الخليج» في زيارة قصيرة لمدينة ملبورن في أستراليا قام فيها بإلقاء محاضرات دينية لمدة ثلاثة أيام متواصلة. خلال إحدى المحاضرات وأثناء الفترة المخصصة للأسئلة والأجوبة، سأل أحد الحضور الداعية عما إذا كان يعتقد أن قدوم المهدي عليه السلام سوف يحدث في زمننا هذا -سؤال يتبادر إلى أذهان الكثير من المسلمين لما نراه من أحداث وعلامات تنبئ بقرب الساعة. عندها أجاب الداعية إجابة لم أنسها أبدًا، فقد حفرت في ذاكرتي منذ ذلك الوقت. قال الداعية «ما معناه» إن حال المسلمين اليوم يحمله على الاعتقاد بأنه إذا ما ظهر المهدي في هذا الزمان لما نصره كثير من المسلمين، وأضاف أن المسلمين على ما هم عليه من حال في هذا الزمان لا يحملون من الصفات ما يؤهلهم لخلافة الأرض، بمعنى آخر «ليس بعد»..

لطالما تذكرت مقولة الداعية هذه وأنا أشاهد على شاشة التلفاز، أو ألمس على أرض الواقع، أحداثًا مؤسفة يقوم بها المسلمون بدافع من الغضب والعاطفة وهوى النفس، أقل ما يمكن أن توصف به أنها أفعال «أو بالأحرى ردود أفعال» عشوائية غير منظمة أبعد ما تكون عن الحكمة والتروي والتآسي بسنة وخلق معلمنا محمد صلى الله عليه وسلم.

لطالما تذكرت مقولة الداعية هذه وأنا أشاهد على شاشة التلفاز حينما شاهدت وشاهد العالم خلال الأسابيع الماضية الجموع الغفيرة من المسلمين في بعض دول العالم العربي والإسلامي تجتهد في حرق وتخريب مبان لسفارات وهيئات دبلوماسية بحجة الدفاع عن رسول الله r عندها تذكرت مجددًا مقولة الداعية بمرارة وأسف شديدين على ما آل إليه حالنا، ونحن لا يمكننا تجاهل حقيقة كون كل هذه الأحداث مؤشرًا خطيرًا على الحالة الدينية والفكرية للمجتمعات الإسلامية في زمننا هذا فإن أوقات الأزمات والمحن هي التي تظهر الرجال كما عرفناهم في عصر رسول الله r وعصور الصحابة والتابعين. فكما أن وقت المرض هو الاختبار الحقيقي لمدى مناعة الجسم وقوته، فإن هذه الأوقات هي التي تظهر الحالة الإيمانية الحقيقية للمجتمع المسلم ومدى نضجه وفهمه لأصول وتعاليم دينه.

كيف تعامل الرسول مع من سبُّوه؟

يومًا ما قام رهط من اليهود بسب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم «السام عليك».. «بدلًا من السلام عليك» فهبَّت عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- دفاعًا عن النبي r وقالت بدورها: «وعليكم السام واللعنة» فماذا قال لها معلم الخلق؟ قال: «مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله» «البخاري: كتاب الأدب». وفي حديث آخر: «مَه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش» «مسلم: كتاب السلام». ألم يقم اليهود بسب رسول الله؟ ألم يكن رد أم المؤمنين دفاعًا عن سيد الخلق وخاتم النبيين؟ أم أن ذلك كان درسًا لعائشة وحسب؟ إن نبينا يعلمنا المَرَّة تلو الأخرى أنه حتى عند دفاعنا عن حرمات ديننا، فإننا ملزمون بتعاليم وضوابط مستمدة من شريعتنا السماوية، لا من تصرفات الطرف الآخر، ولا من أهوائنا وعواطفنا.

نعم، إن هناك آدابًا نحن ملزمون بها حتى عندما يُساء إلى نبي الله!!

يتساءل سائل: إذن هل نقف أمام الإساءة لنبينا عاجزين دون أن نحرك ساكنًا؟ بالطبع لا! 

لقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإساءة الموجهة إليه في القصة التي ذكرتها «والتي وردت في تفسير سورة المجادلة: آية 8» ولكن كيف؟ هذا هو بيت القصيد!

في كل مرة قام رسول الله r بالرد على أذى أو إساءة وجهت إليه من قبل كافر أو أعرابي أو أم فقدت ولدها أو غير هؤلاء كان يعلمنا درسًا جديدًا في الحكمة وضبط النفس وبعد النظر، وكل وفق حالته!!

هل قتل النبي r من قام بسبه من اليهود أو غيرهم أو أمر بقتلهم؟ هل حرقت ممتلكاتهم أو «وهو الأمر من ذلك» ممتلكات أفراد آخرين في قبيلتهم لم يكن لهم ناقة فيها ولا جمل؟

الطريق لدعوة الناس للإسلام

كيف ندعو الناس إلى الإسلام ونحن لا نحكم بين الناس بالعدل؟ كيف ندفع تهم الهمجية والعنف عن أنفسنا وعن ديننا وفي نفس الوقت نخلط الحابل بالنابل ونحرق الأخضر واليابس بحجة الغضب؟ كيف للمؤمن أن يكون ثورًا هائجًا، فريسة عواطفه وانفعالاته، ينقض على من أمامه دون تمييز؟ 

هل كان هذا خلق رسول الله الذي تدافع عنه؟ أو كان خلق صحابته الكرام -رضوان الله عليهم- الذين قد أسروا عدوهم برجولتهم وحكمتهم وعدلهم؟

إذا عدنا إلى التساؤل عما يليق بنا فعله إزاء هذه الإساءة لرسول الله r فأود طرح النقاط التالية التي أتمنى أن تكون موضع نقاش جاد:

  • إن هناك العديد من الطرق السلمية والقانونية التي يمكن للفرد التعبير من خلالها عن مشاعره وشجبه لموضوع ما مثل طريقة المقاطعة، وهي كما رأينا سلاح فعال ومؤثر. يكفي أن نستمع إلى محطات التلفزة الأجنبية لترى ما أحدثته مقاطعة السلع الدانماركية من تأثير في الغرب ثم غير ذلك من طرق أخرى مثل المظاهرات السلمية ونشر البيانات والمقالات، وتوزيع المنشورات في البلدان والأماكن التي تسمح بذلك، وغير ذلك كثير تبعًا لظروف الزمان والمكان الذي يعيش فيه المسلم. ومع ذلك فإننا باتباع أي من هذه الوسائل المذكورة لا بد أن نأخذ في الاعتبار ألا نأخذ أحدًا بذنب أحد، يجب أن نتذكر دائمًا مبدأ العدل حتى وقت القصاص:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8)

  • لقد أشار وزير الخارجية الدانماركي في حديثه الذي نقلته أجهزة الإعلام إلى إمكان أن ترفع الجالية المسلمة في الدانمارك قضية ضد الصحيفة المعنية. وهذا خيار واقعي ومن الممكن جدًّا أن يأتي بنتائج إيجابية لصالح المسلمين، كما حدث في ولاية فكتوريا بأستراليا حينما رفع المسلمون قضية ضد جماعة «اقبض على النار» التي أساءت للإسلام وحرضت على الكراهية ضد المسلمين في إحدى محاضراتها، أيضًا بدعوى حرية الرأي.

  • قد يكون من الحكمة والفطنة أحيانًا أن نتجاهل بعض الأعمال المسيئة للدين الإسلامي، فكم من مرة ساعد المسلمون على ترويج بعض الصحف أو المواقع الإلكترونية المعادية للإسلام والتي لم يسمع بها أحد من قبل لولا حماس بعض جموع المسلمين، حتى أصبح من المعروف أنه إذا ما أراد أحدهم ترويج موقع إلكتروني مضاد للإسلام فإنه يقوم بإرسال رسالة «التحذير» التقليدية لعدد قليل من المسلمين وباقي المهمة يقوم بها المسلمون بجدارة فلم يسمع أحد في العالم عن تلك الرسومات الكاريكاتيرية عندما نشرت أول ما نشرت في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي «اللهم إلا مواطنو البلد الذي نشرت فيه» وذلك حتى قامت المظاهرات الغاضبة، حتى إن بعض الصحف الأسترالية قامت مؤخرًا بنشر الرسوم تلبية لشغف الجماهير التي بدأت تتساءل عن تلك الرسومات التي أثارت هذه المظاهرات، أي أن تلك الرسومات «وما نالته من شهرة» أصبحت وسيلة رخيصة لترويج بعض الصحف التي تسعى إلى الشهرة والكسب المادي السريع. يجب أن نتحلى بالذكاء والفطنة وأن نحسب لكل موقف حسابه ولا نتصرف إلا بعد تدبر وتقدير للنتائج.

  • من الأهمية القصوى أن يقوم علماؤنا الأفاضل بتوجيه عموم المسلمين إلى ما يتعين فعله على وجه التحديد إزاء هذا النوع من الأحداث. إن دور المعلمين والمربين والخطباء في هذا الشأن بالغ الأهمية، فهم يملكون من القدرة على التأثير على الجماهير ما لا يتأتى لقوات الشرطة والأمن التي قد يسفر تدخلها «كما رأينا» عن مجازر وضحايا ومزيد من العنف.

  • لم لا يستثمر المسلمون النواحي الإيجابية من القضية المثارة حاليًا؟ فمما لا شك فيه أن القضية الحالية أثارت الكثير من الفضول لدى أناس ربما لم يسمعوا الكثير عن الإسلام أو عن رسول الله r من قبل؟

  • من المهم بمكان أن يقوم المسلمون «الآن» بتنظيم جهودهم لتوعية الجماهير حول العالم حول شخصية رسول الله r وخلقه ورسالته. إن كثيرًا من محطات التلفزة على استعداد لإجراء حوارات مع المسلمين حول سبب ثورتهم وغضبهم ضد هذه الرسومات.

  • آن الأوان أن نتوقف عن لعب دور الدمى التي تبقى هامدة حتى يقوم أحد ما بتحريكها بمعنى آخر لا بد أن تكون مبادرين، أن نكون مبادرين، أن يكون لنا صوت وعمل محسوس في كل وقت، لقد عرفنا في الغرب بالـ -Re actionists، أي أننا لا نتحرك أو يسمع لنا صوت حتى يدوس أحد على طرفنا! لا بد من نشر الوعي حول الإسلام بالقلم والصوت والصورة وباستخدام لغة القوم وتكنولوجيا العصر. لا بد أن يكون لنا دور إيجابي في جميع المجالات، ولا ننتظر حتى ينقض أحد علينا لنصرخ، ثم بعد ذلك نشتكي ونتساءل: «لم لا يفهمنا الغرب؟» «لم لا يتفهم حساسيتنا تجاه ديننا؟» نحن نطالب الغرب أن يتعامل وفق مفاهيمنا نحن عن احترام المقدسات الدينية وعن طبيعة وحدود حرية الرأي وغير ذلك دون أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا حتى توصل إلى الغرب هذه المفاهيم وتساعدهم على الأقل على استيعابها وإن لم يعتنقوها بالضرورة؟

وأخيرًا، عندما نردد الحديث عن المعايير المزدوجة التي يحكم بها الغرب شؤوننا، ومن ذلك قضية «حرية الصحافة» الشهيرة التي في حقيقة الأمر غالبًا ما لا تجرؤ على المساس باليهود خوفًا من الاتهام بـ «معاداة السامية».. فإنه يجدر بنا أن نتذكر أنه ليس لنا إلا أن نلوم أنفسنا! إن ما نعانيه من ظلم اليوم إنما هو مما كسبت أيدينا، نحن نرى مختلف الأقليات العرقية والدينية في الغرب تشحذ الهمم وتجمع الأموال وتوحد صفوفها على الأقل في الأمور المشتركة «على اختلاف مذاهبها وتوجهاتها أحيانًا». حتى استطاع بعضها أن يكون له صوت فعَّال في البرلمانات الحكومية والسلطة التشريعية في الوقت الذي تشتغل فيه بعض الأقليات المسلمة بمحاربة بعضها البعض.

يجب ألا نعلق أخطاءنا وتقصيرنا على شماعة المعايير المزدوجة «حتى وإن كانت حقيقة»، وأن نتذكر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)

يجب أن نكف عن لعب دور الضحية البريئة التي لا حول لها ولا قوة وكأنه ليس بوسعنا شيء إلا تلقِّي الظلم، وأن نبدأ في إصلاح أنفسنا وحالنا من الداخل، فإن الله لن يغير حالنا هذا الذي نشتكي منه ليل نهار حتى نسعى نحن إلى تغيير أنفسنا -عندئذ تقوى شوكتنا ويفكر الغرب ألف مرة قبل أن ينشر رسومات تسيء إلينا وإلى نبينا الكريم.

الرابط المختصر :