; من الدبابة إلى منصب الرئاسة (1من 3) ... صعود وهبوط رؤساء اليمن | مجلة المجتمع

العنوان من الدبابة إلى منصب الرئاسة (1من 3) ... صعود وهبوط رؤساء اليمن

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999

مشاهدات 104

نشر في العدد 1366

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 07-سبتمبر-1999

لا يختلف معظم اليمنيين على أن إجراء اول انتخابات رئاسية مباشرة في البلاد هو أحد أهم الأحداث السياسية لعام ١٩٩٩م، إن لم يكن أهمها على الإطلاق حتى مع اقتصار الترشيح على شخصين ينتميان للحزب الحاكم، فيما يكاد يجمع فرقاء السياسة اليمنية على أن هذا الشكل من الممارسة الديمقراطية يعد خطوة نحو الأمام مهما كانت التحفظات والاعتراضات.

وعلى الرغم من أن اليمن - بشطريه -عرف النظام الجمهوري عام ١٩٦٢م في صنعاء، وعام ١٩٦٧م في عدن، إلا أن عملية الوصول إلى كرسي الرئاسة ظلت خاضعة لخصوصية الأنظمة الحاكمة، وبعيدًا عن الاحتكام للصيغة المشهورة عالميًا وهي الانتخابات الشعبية المباشرة ولم يختلف دستور دولة الوحدة اليمنية عما ألفه اليمن الجمهوري، فقد نص على انتخاب مجلس الرئاسة عبر البرلمان، وهي عملية يسهل السيطرة على نتائجها، لكن التعديلات الدستورية الواسعة التي أقرها البرلمان اليمني عام ١٩٩٤م على الدستور غیرت شكل مؤسسة الرئاسة الجماعية إلى صيغة رئيس جمهورية ينتخب عبر انتخابات شعبيةمباشرة متعددة المرشحين ولمدة دورتين فقط.

الوصول إلى هذه الصيغة الأكثر تنافسية كان نتاج تجارب طويلة شهدتها اليمن منذ إعلان الجمهورية الأولى في عام ١٩٦٢م، وطوال ٣٧ عامًا عرف اليمنيون عشرة رؤساء للجمهورية «5 في كل شطر» تسعة منهم غادروا السلطة بطريق غير عادي، ويعد الرئيس علي عبد الله صالح أكثرهم بقاء في السلطة وهو الوحيد الذي حكم اليمن كاملًا من شرقه حتى غربه.

ولعله من المناسب أن تسلط الأضواء على مؤسسة الرئاسة في اليمن منذ ظهورها عام1962م حتى الآن.

أولاً: مؤسسة الرئاسة في شمال اليمن

عرفت المناطق الشمالية من اليمن نظامًا فرديًا استند في حكمه إلى أسس مذهبية تجعل السلطة حكرًا على سلالة واحدة بدعاوى دينية، وعلى الرغم من أن مبادئ المذهب الزيدي الأصلية لا تتفق مع هذا المفهوم، إلا أن فكرة الإمامة انتهت إلى التحول إلى نظام استبدادي طبقي بعيدًا عن روح الشورى الإسلامية، ومنذ اندلع الخلاف بين أئمة اليمن وحركة الأحرار المعارضة، مثل الهدف الرئيس للمعارضة هو إقامة نظام جمهوري وبالفعل تمحور الصراع الفكري والسياسي في الستينيات بين فكرة الجمهورية، وفكرة الإمامة.

وقد عرفت «صنعاء» العاصمة خمسة رؤساء تبوءوا رئاسة الجمهورية، جاء كل منهم في ظروف مختلفة طبعت سنوات حكمه بألوانها وخصائصها، وفي كل مرحلة كان الجيش هو المؤسسة الأولى التي دعمت مجيء الرئيس ودعمته، وفيما يلي نبذة مركزة عن كل رئيس حكم في صنعاء:

(1) الرئيس عبد الله السلال (١٩٦٧-١٩٦٢م)

تولى الرئيس السلال رئاسة الجمهورية الأولى في اليمن في أعقاب الإطاحة بنظام الإمامة في ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م. وعلى الرغم من أن دور السلال كان يشبه إلى حد كبير دور الرئيس المصري السابق محمد نجيب في ثورة يوليو المصرية إلا أن مكانة السلال تدعمت بالوجود المصري العسكري الذي جاء إلى اليمن لدعم ثورته وفضل المصريون التعاون مع السلال وأبدوه في خلافه مع تيار الجمهوريين المعتدلين الذين رفضوا الطابع الفردي لحكم السلال واعتماده المطلق على الوجود المصري.

وعندما عادت القوات المصرية إلى بلادها بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧م، فقد السلال مصدر الدعم لبقائه في الرئاسة، مما سهل على الجمهوريين المعتدلين تنفيذ انقلاب أبيض في نوفمبر ١٩٦٧م في أثناء غياب السلال في جولة خارجية، وظل الرجل يعيش خارج اليمن حتى عاد في الثمانينيات للعيش في وطنه معززًا مكرمًا حتى توفي عام ١٩٩٤م، ومع أن السلال تلقى انتقادات واسعة من رفاقه، إلا أنه لم يمت حتى كان محط احترام كل القوى السياسية الوطنية.

(۲) القاضي عبد الرحمن الإرياني (١٩٦٧ م - ١٩٧٤م)

جاء القاضي الإرياني بدعم من الجيش وشيوخ القبائل، وبعض القوى السياسية كالبعثيين والإخوان الذين تضرروا من أسلوب حكم السلال الفردي المدعوم مصريًا وشهد عهد الإرياني نشوء مؤسسات دستورية وانتهاء الحرب الأهلية، وتثبيت النظام الجمهوري، وتشكيل مجلس رئاسة جماعي كرد فعل على فردية السلال لكن، نظريًا اختصر المجلس في شخص الإرياني لكنه لم يتحول إلى حاكم فردي يفعل وجود مراكز قوى أخرى بالإضافة إلى أن شخصية الإرياني المدنية القادمة من أوساط العلماء والقضاة كانت بعيدة عن طبائع العسكريين الشديدة الصرامة مع الآخرين.

ومع ذلك فقد اتسم عهد الإرياني بضعف الدولة، واستشراء الفساد المالي والإداري في مقابل وجود تمرد شيوعي أنهك السلطة الضعيفة أصلا، ومهد للانقلاب عليه، ومجيء عهد الجمهورية الثالثة بعد أن خسر الإرياني تأييد معظم القوى التي جاءت به للسلطة.

أما الإرياني فقد غادر اليمن ليعيش في منطقة اللاذقية بسورية ثم سمح له بالعودة إلى بلاده في الثمانينيات هو وسلفه السلال وظل يتردد على اليمن لكنه استقر في اللاذقية حتى توفاه الله.

(3) إبراهيم الحمدي (١٩٧٤ م -١٩٧٧م)

كانت الطريقة التي تولى بها العقيد إبراهيم الحمدي أقرب لما يوصف بأنه «انقلاب قصره» فقد أدى تدهور الأوضاع العامة والخلافات الشهيرة بين القاضي الإرياني من جهة وعدد من المشايخ الكبار من جهة أخرى إلى بروز الجيش، كقوة وسط يرتضيها الجميع لكن الحمدي، تجاوز بشخصيته الديناميكية دور الحل المؤقت الذي كان مخططًا له، واستطاع أن يكسب الساحة الشعبية التي كانت قد ملت الوجوه القديمة، وباتت تبحث عن وجه جديد، وفي الوقت نفسه كانت ظروف الحرب الباردة وإستراتيجية المواجهة مع حلفاء الاتحاد السوفييتي تتطلب وجود قيادة شابة قوية تستطيع قيادة اليمن الشمالي في مواجهة المخططات الشيوعية التي كان نظام عدن رأس حربة لها. 

نجح الحمدي في مهمته نجاحًا معقولًا ووقف النظام المتهالك على قدميه، وانتعش اقتصاد البلاد على هامش الفورة النفطية في السبعينيات وتدفق المساعدات السخية لدول البترول، ثم توج زعيمًا شعبيًا بارزًا لكن الرجل يختلف مع حلفائه الذين دعموا صعوده للسلطة، وبدأ هو في الاتجاه يسارًا. وانضم سرًا للحزب الناصري «السري»، وبدأوا في تنفيذ مخطط مدروس للسيطرة على الإدارات العسكرية والمدنية، لولا أن «الحمدي»، لقي مصرعه في حادثة اغتيال في أكتوبر ١٩٧٧م.

(4) أحمد الغشمي (۱۹۷۷م -۱۹۷۸م)

صعد الغشمي إلى السلطة على انقاض سلفه الحمدي، وتميز عهده بالانشقاقات الخطيرة في القبائل والجيش، واشتدت حركة التمرد الشيوعي في الأرياف، وضعفت هيبة الدولة كثيرًا ولأن العهد كان قصيرًا للغاية فلم تتضح الصورة الحقيقية لطبيعة حكم الغشمي باستثناء بدء خطوات محدودة للعودة الحكم المدني وتأسيس مجلس شعب تأسيسي يمهد لعودة الحياة النيابية التي عملها «الحمدي».

ولقي الرئيس الغشمي مصرعه نتيجة انفجار حقيبة حملها مندوب من نظيره اليمني الجنوبي سالمين ..واختلفت الآراء حول الذي أرسل الحقيبة الملغومة سالمين أم خصومه في عدن؟!

(٥) علي عبد الله صالح (۱۹۷۸م ......)

صارت الرئاسة مؤسسة خطر في صنعاء بعد اغتيال رئيسين في ثمانية أشهر فقط وانتخب مجلس الشعب التأسيسي المقدم على عبد الله صالح رئيسًا للجمهورية وبدأ عهد أطول الرؤساء اليمنيين بقاء في السلطة على الرغم من أن التوقعات كانت لا تؤهله سوى للبقاء لشهور عدة فقط لكن الرئيس استطاع أن يتجاوز مراحل صعبة من الحكم، ابتداء من الانقلاب الناصري الفاشل أكتوبر (۱۹۷۸م)، ثم التمرد الشيوعي فالمصاعب الاقتصادية التي سبقت ظهور البترول اليمني للوجود.

كما شهدت سنوات الرئيس الخامس انفراجًا سياسيًا داخليًا أدى إلى انتهاء التمرد الشيوعي، وانضواء التيارات السياسية تحت مظلة سياسية فضفاضة تسمح للجميع بالاحتفاظ بخصوصياتهم التنظيمية بجانب نوع من المشاركة السياسية تقوم على الإقرار بشرعية النظام السياسي القائم.

وفي عقد التسعينيات قاد علي صالح مشروع توحيد شطري اليمن وانتخب أول رئيس لليمن الموحد، وتعززت رئاسته بعد القضاء على منافسيه في قيادة الحزب الاشتراكي الذين قادوا تمردًا خطيرًا لإعادة فصل الجنوب

وصار الرئيس الخامس أول زعيم يمني يحكم اليمن على هذه المساحة الواسعة منذ قرون، ولا يزال بعد ٢١ عامًا من توليه الرئاسة الأوفر حظًا للاستمرار في سدة الرئاسة دون أن يبدو أن هناكمن يستطيع منافسته.

ثانيًا: مؤسسة الرئاسة في الجنوب اليمني

ظلت الرئاسة في اليمن الجنوبية سابقًا مرتبطة بمؤسسة حزبية معقدة الولاءات وتذرع الصراع على المنصب الأول - بذرائع أيديولوجية - كانت السمة الأبرز للحياة السياسية في عدن التي انحصرت في حزب واحد فقط... وعلى الرغم من كون النظام السياسي حزبيًا صارمًا، إلا أن صلاحيات المركز الأول الفعلية جعلت الوصول إليه يمر عبر دورات العنف والمؤامرات أكثر من خضوعه للنظام الحزبي المدني .

وقد عرفت عدن خمسة رؤساء غادروا السلطة بطريقة عنيفة، واختلط نفوذ الحزب بعوامل اجتماعية وجغرافية في تحديد شخصية الرئيس لكن شرعية الجميع كانت - ظاهريًا – تعتمد على شرعية الحزب وعوامل صراع الأجنحة السياسية والمناطقية داخله سواء في التعيين أو في الإقصاء باستثناء إقصاء، «البيض»، الذي كان فعليًا رئيس الجمهورية تحت ستار منصب الأمين العام للحزبوفيما يلي موجز عن كل رئيس في عدن.

  1. قحطان الشعبي (١٩٦٧ م- ١٩٦٩م)

تولى قحطان رئاسة الجمهورية عقب نجاح الجبهة القومية - التي تزعمها، في الاستحواذ على السلطة في عدن بدعم من الجيش العربي، ودون بقية الأحزاب السياسية الأخرى لكن الرجل واجه معارضة شيوعية داخل حزبه، وفشل في إدارة صراعه معها، وعلى الرغم من أن قحطان رفض مباركة حركة الجيش ضد الشيوعيين وأصر على الإفراج عنهم، إلا أنهم عادوا لتدبير الإطاحة به بعد عزله سياسيًا وحزبيًا، وألقوه في السجن حتى مات عام ۱۹۸۱م دون محاكمة.

(۲) سالم ربيع على (۱۹۹۹ م - ۱۹۷۸م)

جاء الرئيس الثاني في عدن في انقلاب شيوعي داخلي، لم يكن دمويًا في البداية، لكنه صبغ البلاد ذلك سنوات طويلة، وقاد سالم سنوات الهيجان الثوري الماركسي في جنوب اليمن واشتهر عنه ميله للنموذج الصيني والكوري الشمالي في تطبيق الماركسية، واستغل منافسوه داخل الحزب أخطاءه وخططوا لإقصائه ولا سيما . بعد أن بدا أن الرجل يتراجع عن سياسات معينة تجاه الخارج، وتجاه إعلان تأسيس حزب - اشتراكي – شيوعي، وفي عام ۱۹۷۸م نجحت الكتل المتنافسة في السلطة في تحجيم سالم واستغل اتهام صنعاء له بالتآمر على الغشمي في إجباره على الاستقالة ثم إعدامه بعد اتهامه بقيادة تمرد ضد الشرعية الحزبية!.

(3) عبد الفتاح إسماعيل (۱۹۷۸م-۱۹۸۰م)

جمع عبد الفتاح بين زعامة الحزب الاشتراكي ورئاسة الدولة على الطريقة السوفييتية في نهاية السبعينيات ومع أن الرجل كان منظرًا حربيًا عريقًا، إلا أن كثيرًا من القيادات الحزبية البارزة لم يكن مقتنعًا به كرئيس يدير حياة شعب ودولة، وسقط عبد الفتاح بعد أقل من عامين تحت وطأة التنافسي المسعود على السلطة بين الأسماء التاريخية لقادة الحزب، وتم إجباره على تقديم استقالته في إبريل ۱۹۸۰م، ورحل إلى موسكو حتى عاد في عام ١٩٨٥م لينضم إلى أحد طرفي الصراع داخل الحزب الاشتراكي، ولم يلبث أن لقي حتفه في أحداث ١٣ يناير ١٩٨٦م في ظروف غامضة لا صلة لها بالصراع الأساسي.

(٤) علي ناصر محمد ( ۱۹۸۰ م- ۱۹۸۹م)

اتهم الرئيس علي ناصر بأنه كان مدير مخطط إقصاء سلفه عبد الفتاح، مستغلًا شراهة القيادات الأخرى للسلطة لمصلحته، وجمع بين رئاسات الدولة والحزب والوزراء في وقت واحد، مما أثار الآخرين الذين بدأوا بالتآمر عليه، لكن الرجل نجح خارجيًا في تطبيع علاقاته مع دول الخليج وصنعاء، وحقق انفراجة داخلية خففت قليلًا من التشدد الشيوعي في الاقتصاد، مما جعله أكثر الرؤساء في الجنوب شعبية، لكن خصومه في الحزب اتهموه بالتراجع عن النهج الشيوعي وتطور الخلاف بينهم حتى انفجر في حرب أهلية أسفرت عن هزيمة علي ناصر، وهروبه إلى صنعاء ثم إلى سورية، لكن اسمه ظل دائمًا مطروحًا في الحياة السياسية اليمنية، ليتكون ما يمكن وصفه بتيار، علي ناصره المتحالف مع تيار الرئيس علي صالح.

(5) علي سالم البيض (١٩٨٦ م - ١٩٩٤م)

بعد مقتل أبرز القيادات الماركسية التاريخية في عدن عام ١٩٨٦م، لم يعد باقيًا على قيد الحياة منها إلا علي سالم البيض، فتولى الأمانة العامة للحزب الاشتراكي الذي يعد المنصب الأول في الدولة، على الرغم من وجود رئيس مجلس الشعب الأعلى على الطريقة الروسية واسمت سنوات (1986م – ۱۹۹۰م) من عهد البيض بالانهيار البطيء للنظام الماركسي الذي عاني من نتائج الحرب الأهلية كما عاني من انهيار المعسكر الشيوعي، وانتهاء الحرب الباردة وفي عام ١٩٩٠م قاد البيض الحزب الاشتراكي للدخول في مشروع الوحدة اليمنية، وصار نائبًا الرئيس في صنعاء بصلاحيات رئيس جمهورية وفي عام ١٩٩٣م، قاد محاولة للانفصال وانتهت مؤسسة الرئاسة في عدن نظريًا عام١٩٩٠م، وفعليًا عام ١٩٩٤م، وتوحد مقرها في صنعاء بتأخير يقدره اليمنيون بـ (۲۷) عامًا)، عن يوم الوحدة الذي كان مفترضًا بعد خروج الاستعمار البريطاني من عدن عام ١٩٦٧م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل