العنوان من الحياة: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2010
مشاهدات 101
نشر في العدد 1921
نشر في الصفحة 57
السبت 02-أكتوبر-2010
مر عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - على غلام يرعى أغناما السيده فاراد ابن عمر أن يختبره، فقال له بع لي شاة. فقال الغلام، إنها ليست لي، ولكنها ملك لسيدي وأنا عبد مملوك له. فقال ابن عمر، إننا بموضع لا يرانا فيه سيدك، فيعني واحدة منها، وقل لسيدك أكلها الذنب فقال الغلام، إذا كان سيدي لا يرانا، فإن رب سيدي يرانا فسر منه عبدالله بن عمر، ثم ذهب إلى سيده فاشتراه منه وأعتقه لوجه الله.
ويروى عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما أنه من بغلام في حائط (بستان) بالمدينة، وفي يد الغلام رغيف، ورأه يأكل لقمة ويعطي الكلب لقمة، إلى أن انتهى الرغيف، فسأله الحسن من ما حملك على أن تشاطره فلم تغابنه (تنقصه) شيئًا؟ فقال الغلام استحت عيناي من عينه أن أغابنه، فقال له الحسن، لا تبرح هذا المكان حتى أعود إليك وذهب الحسن فاشترى الغلام والحائط، ثم عاد إلى الغلام، فقال يا غلام، لقد اشتريتك، فوقف الغلام وقال السمع والطاعة، فقال الحسن، وقد اشتريت الحائط أيضًا، وأنت حر لوجه الله، والحائط هبة مني إليك، فقال الغلام يا مولاي، قد وهبت الحائط لمن وهبتني له!!
وفي الوقت الذي نسمع فيه عن حالات كثيرة نساء فيها معاملة الخدم، تجد نماذج عظيمة مشرفة من المسلمين تحسن معاملة الخدم.. ومن هذه النماذج سيدة سعودية تسكن بمدينة جدة مرضت خادمتها الإثيوبية بمرض السرطان، فقرر أقاربها تحمل نفقات علاجها، إلا أن السيدة السعودية رفضت، وأصرت هي أن تقوم بهذه المهمة، بل استقدمت خادمة أخرى من خارج البلاد لتقوم على رعاية خادمتها المريضة، إحسانًا إليها، ووفاء لها على ما قدمته من خدمات لهذه السيدة وأسرتها لمدة عشرين عامًا!!
من وحي هذا القصص العظيم تدرك عظمة الإحسان وثمراته، فما كان لبطل من أبطال هذه المواقف أن يصنع ذلك إلا لأنه تحلى بالإحسان بعد أن هداه الله إليه، وأنعم به عليه.
والإحسان تكليف شرعي لكل مسلم. يقول إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته (رواه مسلم).
أنماط الإحسان
تتنوع أنماط الإحسان، وتتعدد موافقه ومن أهمها الإحسان مع الله تعالى، والإحسان بالوالدين والإحسان إلى النفس والإحسان إلى الأقارب وذوي الأرحام، والإحسان إلى الجار والإحسان إلى اليتامى والمساكين والأرامل.
والإحسان في القول، والإحسان في العمل، فالإحسان مع الله هو استشعارك بوجود الله واطلاعه عليك في كل لحظة وحال يقول عن الإحسان ، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (متفق عليه).
والإحسان إلى بر الوالدين يتحقق ببرهما وتجنب عقوقهما. وإعطائهما حقوقهما والابتعاد عن الإساءة إليهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾(الإسراء: ٢٣)، وقد أوصانا القرآن الكريم بالإحسان إلى الأقارب وذوي الأرحام، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).
ويقول صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يبسط له في رزقه (يوسع له فيه)، وأن ينسأ له في أثره يبارك له ي عمره فليصل رحمه» (رواه البخاري).
كما رغب رسولنا الكريم في التصدق علي ذوي الأرحام، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» (رواه الترمذي).
ومن أعظم أنواع الإحسان أن تحسن إلى جارك طاعة لرسولنا الكريم، إذ يقول ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورته.. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (متفق عليه).
جاء رجل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: إن لي جارًا يؤذيني، ويشتمني ويضيق علي فقال له ابن مسعود: الذهب فإن هو عصى الله فيك، فأطع الله فيه.
ومن حقوق الجار علينا أن نعينه إذا طلب العون، وأن نقرضه إذا طلب منا ذلك، وأن تساعده عند الحاجة أو الفقر، وأن نعوده إذا مرض أي نزوره، وأن تشاركه أفراحه وأحزانه، وأن تتبع جنازته إذا مات، وألا تستطيل عليه في البنيان فتحجب عنه الريح إلا بعد أن نستأذنه، وألا تؤذيه برائحة الطعام إلا أن تعطيه منه، وأن نهديه من الفاكهة التي تشتريها ويراها.
ومن أنماط الإحسان أن تحسن إلى الفقراء واليتامى والأرامل والمساكين دون أن تؤذيهم أو تمن عليهم، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦٣).
ويقول صلى الله عليه وسلم ترغيبًا في رعاية اليتيم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ... وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا» (متفق عليه).
وترغيبًا في الإحسان إلى الأرملة والمسكين يقول صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» (متفق عليه).
ان إحسانك مردود لك. فمن أحسن إلى غيره فهو في الحقيقة يحسن إلى نفسه، يقول تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ (الإسراء: ٧) ومن الإحسان أن تحرص على أن يكون كلامك طيبًا، وقد وصف الله عباده بطيب القول يقول سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ۸۳). ومن أنماط الإحسان أن تحسن التحية وردها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: ٨٦).
ومن أعظم أنواع الإحسان أن تتقن عملك، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٣٠)، ويقول: «إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» فإذا رغبت في الثواب العظيم والنعيم المقيم فعليك بالإحسان، لأنه الطريق إلى أن تحظى بحب الله لك، قال سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ١٩٥)، فهنيئًا لمن أحبه الله سبحانه وتعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل