العنوان من الحياة: «ماعزة» جحا.. ووهم المفاوضات
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1787
نشر في الصفحة 58
السبت 02-فبراير-2008
يحكى أن جحا عندما أفلس ذهب إلى السوق، فاشترى ماعزة صغيرة، وذهب فجرًا بعيدًا عن أعين الناس إلى أرضه، وحفر حفرة، ووضع بها الماعزة بحيث لا يظهر منها إلا رأسها، وتركها وذهب إلى بيته!
وفي الصباح سمع أهل القرية صوت الماعزة، فذهبوا إلى جحا ونادوا، يا جحا، فخرج إليهم، فقالوا له: يا جحا، أرضك فيها ماعزة!! فنظر إليهم غير مبال، وقال: وما العجب في ذلك؟! أنا الذي زرعتها وهي عظام، وقمت برعايتها حتى صارت ماعزة!! فصاح الناس: أنت الذي زرعتها يا جحا؟!! هل المعيز تزرع؟ فأجابهم جحا: نعم، أليست في أرضي؟ فقال الناس: نعم. فقال جحا: إذًا لا تتعجبوا وتفضلوا بالانصراف، فأنا أريد أن أكمل نومي!!
فسأله أهل القرية: وكيف زرعت الماعزة يا جحا؟! فأجاب جحا: أتريدون أن تزرعوا المعيز مثلي؟
قالوا: نعم. فقال جحا: ليخرج كل واحد من جيبه ثلاثة جنيهات عن ثمن زراعة الماعزة الواحدة، فقال أهل القرية: «يا بلاش يا ناس!!!» الماعزة بثلاثة جنيهات، وسارعوا إلى دفع الأموال وتنافسوا!
جمع جحا النقود من أهل القرية ومن لم يمتلك نقودًا دفع ذهبًا، ثم جمع جحا ذلك كله، وذهب إلى خارج القرية، وأتى بعدة أجولة من العظام، وأخذ يزرعها في أراضي أهل القرية، كل في أرضه حسب ما دفع إلى جحا من أموال وذهب، ثم أوصى كلا منهم بأن يروي العظام في أرضه.
مر الشهر الأول فالثاني ولم يسمع أهل القرية صوت ماعزة واحدة، ولم يروها فذهبوا إلى جحا ليسألوه ويستوضحوا منه الأمر: أين المعيز يا جحا؟! لم يظهر أي شيء.
حتى ولو شعرة ماعزة، وما سمعنا صوت ماعزة مأمأت! فأجابهم جحا: إنكم قوم تستعجلون اصبروا يا ناس سأذهب غدًا لإحضار أسمدة للماعز، وبعد يومين سترون الأرض أخرجت الماعز. وستسمعون صوت المأمأة!
وفي اليوم التالي ذهب جحا إلى السوق خلسة دون أن يراه أحد من أهل القرية واشترى ماعزة صغيرة، وخرج فجرًا خلسة وحفر للماعزة كأختها سابقًا، ورجع إلى بيته دون أن يراه أحد من أهل القرية، وفي الصباح سمع أهل القرية صوت الماعزة فأخرجوها وذهبوا بها إلى جحا ليبشروه ببواكير النجاح في زراعة المعز!
لكن جحا عندما رآهم لطم وجهه وصرخ في وجوههم. وقال يا خراب بيتك يا جحا!! لقد ضاع مالك يا جحا!! أضعتم أموالي وأموالكم!! فتعجب أهل القرية من جحا وصنيعه. وسألوه: ماذا أصاب مالك وأموالنا؟! فرد عليهم: لقد دمرتم الزراعة التي تعبنا فيها، لأن هذه الماعزة التي أخرجتموها وأتيتم بها إلى هنا كانت ستنادي على أخواتها، فلما أخرجتموها من الأرض أفشلتم عملية الزراعة لأنكم بذلك جعلتم العظام التي زرعناها تموت بعد أن كانت حية، فادعوا الله أن يعوض على وعليكم!
.. لقد خطرت بذهني هذه القصة وأنا أتابع مأساة أهلنا من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات وأبنائنا وبناتنا في أرض غزة الحبيبة، التي باتت غارقة في الظلام ليلة الثاني عشر من شهر المحرم المعظم، الموافق الحادي والعشرين من يناير عام ٢٠٠٨م، فجلت بذاكرتي وخاطري إلى سلسلة المفاوضات الفاشلة الواهمة من بدايتها إلى الآن فتذكرت هذه القصة لجحا، وقد مثل فيها دور المفاوض العدو ومن يساعده ويؤازره في إيهامنا بأن المفاوضات ستثمر كما أوهم جحا أهل القرية أن الأرض ستثمر معيزًا وعندما استبطأ أهل القرية محصول زراعة المعيز ذهبوا ليسألوا جحا، فكان مرة يتهمهم بالتعجل ويأمرهم بالصبر، ومرة أخرى يتعلل بأن الزراعة تحتاج إلى أسمدة، وفي النهاية برر غدره وخداعه بجهلهم، وبممارساتهم في عملية الزراعة، لأنهم هم الذين تعجلوا فأخرجوا الماعزة التي كانت ستنادي العظام فتتحول العظام إلى معيز تسعى عندما تناديها هذه الماعزة المعجزة!
ألا ترى - عزيزي القارئ - أن هناك وجه شبه بين ما يتعلل به الصهاينة ومن سار في فلكهم وبين مبررات جحا لأهل القرية؟!
فالأعداء يتحدثون بنفس لغة جحا مع أهل القرية، فتارة يقولون: إن مفاوضات السلام تحتاج إلى وقت قد يمتد إلى سنين، وإن المشكلة في غاية التعقيد، بل إنهم يتفنون في إحداث الأزمات حتى ننسى قضايانا وأزماتنا السابقة، وننشغل بما يثيرونه ويفتعلونه، وتارة أخرى تجدهم يرجعون فشل عملية السلام إلى وجود مقاومة، تمامًا كما أرجع جحا فشل عملية الزراعة إلى إخراج أهل القرية الماعزة من حفرتها برغم أن هؤلاء الصهاينة قتلوا الشيوخ والرجال والنساء والأطفال، وانتهكوا الأرض والعرض، ويريدون منا أن نسلمهم رقابنا وأرضنا وأعراضنا ولا نقاوم وإلا سنكون نحن الذين أفشلنا عملية السلام!
بيد أنني أرى فرقًا كبيرًا بين أهل قرية جحا وبيننا نحن العرب والمسلمين، ذلك الفرق نلاحظه إذا علمنا أن واحدًا من أهل القرية لم يساعد جحا على غدره وحيله في النصب والكذب، لكننا للأسف الشديد نرى من أبناء جلدتنا من يدعوننا إلى تصديق الصهاينة والمؤازرين لهم في كذبهم وعذرهم وحيلهم.. أستغفر الله.
إن هؤلاء من أبناء جلدتنا لم يكتفوا بدعوتنا إلى تصديق وهم السلام وانتظار ثمرة المفاوضات المزعومة بل اتهموا الأحرار المخلصين المجاهدين بالنفس والمال والعلم بالسذاجة والغباء والجهل والتطرف والجهل بالأمور السياسية وهذا من عجائب الزمن! ووصل الأمر بهؤلاء السائرين في درب المفاوضات ينتظرون ثمارها الموهومة بأنهم اجتمعوا جميعًا للقضاء على الشرفاء ذوي الأيدي المتوضئة النظيفة أصحاب الرسالة المجاهدين، فالبعض خطط لاغتيالهم، وبعضهم أيد الفتنة الباغية بالسلاح، وبعضهم قام بدور العميل لحساب الصهاينة، فأرشد اليهود وأخبرهم بأماكن وجود الشرفاء الأحرار وبعضهم نفذ اغتيال الأبطال من أهل المقاومة..
كلمة أخيرة أوجهها لأبناء الأمة العربية والإسلامية قاطبة، سواء منهم الراعي والرعية والزعيم والمواطن!
بالله عليكم، ألا ترون الحق؟ وإذا كان الحق ظاهرًا أمام أعينكم، فلماذا لا تقفون معه؟! وما الإجابة التي جهزتموها عندما يسألكم ربكم عن أهلنا في غزة وفي فلسطين كلها؟! ألا من معتصم في هذه الأمة تحركه عقيدته؟ ألا من معتصم في هذه الأمة تحركه أخوته؟! ألا من معتصم في هذه الأمة تحركه أبوته؟! ألا من معتصم في هذه الأمة تحركه نخوته وشهامته؟ ألا من رجل كمؤمن آل فرعون الذي تحرك ولم يخف بطش فرعون وبطش ملته ودولته وسلطانه وجلاديه؟! ألا من إيجابي يتحرك كموسى عليه السلام عندما رأى ضعف ابنتي شعيب وسط الرجال الأقوياء؟ ألا من إنسان في العالم أيا كانت ديانته وجنسيته - يهتز قلبه لما يحدث للبشر في غزة وتحركه إنسانيته؟ هل علمتم ماذا يحدث؟ إليكم صور ما يحدث لأهلنا هناك:
1- بعنوان «الضحية ٧٤: وفاة فتى فلسطيني من مخيم «جباليا»، وآخرين من المرضى في مختلف الأعمار، بسبب حصار «غزة»: نقل مركز الإعلام الفلسطيني عن المصادر الطبية الفلسطينية في غزة صباح يوم 21/۱/ ۲۰۰۸م عن وفاة هذا المريض لعدم وجود الدواء! وما أكثر المرضى وخاصة الأطفال منهم الذين يعانون بسبب الحصار!
۲- نقلت صحيفة «القبس» عن أوساط أمنية «إسرائيلية» قولها: «إن تشديدًا آخر للحصار في غزة مرهون برد فعل حماس، فإذا لم تتفهم حماس معنى التحذيرات وتشديد الحصار والقصف، فسنصفي زعماء حماس ومما يؤكد ذلك أن إسرائيل، لم تعبأ بأي نداء ولا استغاثة، وقررت حكومتها الاستمرار في تشديد الحصار والقصف!
3- بات علماء غزة يناقشون مسألة جواز دفن الموتى من غير كفن - لعدم توافر الأكفان - ويسأل الناس هناك عن جواز دفن موتاهم دون حواجز إسمنتية!! وهذا يؤكد أن حصار غزة ليس مجرد عزل حماس وإنما عزل الشعب بأكمله، والسعي إلى إهلاكه والقضاء عليه نهائيًا.
٤- نفاد الوقود وانقطاع الكهرباء وذلك سينعكس على سير حياة الناس جميعًا وسيؤثر سلبا تأثيرًا بالغًا على المرضى في المستشفيات وعلى سائر المؤسسات الاجتماعية والتربوية والحكومية وحياة الأفراد.
5- نقلت قناة الجزيرة في يوم 19/١/ ۲۰۰۸م أن الاحتلال «الإسرائيلي» شدد الحصار على غزة، بإغلاق كل معابره الحدودية، دون أن يحدد موعدًا لإعادة فتحها.
6- عشرات الشهداء ومئات الجرحى نراهم على شاشات الفضائيات بالصوت والصورة و«إسرائيل» تصعد غاراتها بغزة وتدمر مقر وزارة الداخلية وتقتل بشكل وحشي الأطفال والنساء والمدنيين!!
7- لك أن تتصور شعبا يعيش محاصرا. حاصره القريب والبعيد، القاصي والداني بلا غذاء ولا ماء ولا غطاء ولا دواء؛ يعيش مجوعًا، يفتقد الأمن وأساسيات الحياة.
هذه صورة قليلة التقطتها لك - عزيزي القارئ - من صور كثيرة تطالعنا بها الأخبار على الفضائيات والإذاعات المحلية والعالمية ومواقع الإنترنت.
وأناشدك أخي القارئ أن تقوم بواجبك الذي يفرضه عليك دينك ووطنيتك فلا تبخل بدعائك وبأي وسيلة تتلمسها لتؤازر فيها أهلك في غزة الذين يدافعون عن شرف الأمة وعزتها، ولا تخف، وإذا ساورك خوف من طريقك هذا فإني أدعوك أن تردد - يتدبر وخشوع - قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران:173-174).
اللهم فك عن أهلنا في غزة هذا الحصار، واجمع شمل أهلنا في فلسطين، ووحد صفوفهم وسدد رميهم وانصرهم على أعدائهم وخذ من عاداهم أخذ عزيز مقتدر. اللهم آمين.