العنوان من الحياة.. كيف نتعايش مع ضغوط الحياة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 05-مايو-2007
مشاهدات 154
نشر في العدد 1750
نشر في الصفحة 56
السبت 05-مايو-2007
عندما تجلس مع الآباء والأجداد، ويحدثونك عن الأيام التي عاشوها قديمًا، تشعر في كلماتهم وتعبيرات وجوههم بسعادة غامرة وحنين دفاق إلى مثل هذه الأيام، وتقرأ في أعينهم شوقًا وحنينًا إليها، وكأنهم يتمنون أن تسير عقارب الساعة إلى الخلف، وأن ترتد بهم عجلة الزمان إلى تلك الأيام التي تميزت ببساطة، أضفت على حياتهم سعادة وأمانًا وراحة نفسية، ونأت بهم عن ضغوط الحياة التي نعانيها نحن في عصرنا هذا.
لا شك في أن لعصرنا هذا بعض السمات التي تشكل علينا ضغوطًا متعددة إذا لم نحسن التعامل معها يمكن أن تسبب لنا أضرارًا نفسية وجسمية قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى اليأس والقنوط والأمراض النفسية والعضوية، بل ربما أدت إلى الانحراف أو الهلاك والدمار والانهيار!!
ويقصد بضغوط الحياة هنا أحداث تطرأ على حياة الإنسان تتطلب منه استجابات و مطالب أكبر من قدراته وإمكاناته، ومن ثم تشكل له تهديدًا في سعادته واستقراره وربما في بقائه.
إنك تستطيع أن تتصور تلك التغيرات التي تصاب بها عندما تمر بموقف مخيف أو حادث يشكل خطورة على حياتك... هب أنك تسير في الطريق، فإذا بشاب أهوج أرعن يقود سيارة بسرعة جنونية، وتكاد السيارة أن تصدمك.. لكنها تحف بك دون أن تصيبك.. ما شعورك حينها؟
هناك تعبير شائع بلغتنا العامية نعبر به عن إحساسنا عندما نمر يمثل هذا الحدث، حيث نجد من يصف حالته فيقول: دمي نشف، أو لقد هرب الدم من عروقي.. تفسير ذلك أن الإنسان عندما يمر بصدمة أو يهدده خطر ما فإن جسمه يفرز هرمونًا ليساعده على البقاء والتعامل مع هذا الخطر، فيستجيب لهذا الحدث بالهجوم أو الهروبor flight respose Fight فهذا الهرمون يساعدنا على أن نقاتل بقوة أو نهرب بسرعة، ويعمل على زيادة ضربات القلب وضغط الدم ويقوم بتوصيل مقدار كبير من الأكسجين وسكر الدم إلى العضلات التي تهتم بالدفاع، ويسحب الدم من الأطراف لتقليل كمية الدم التي تفقد عند إصابة الفرد بالجروح، مما يحسن قدرات الفرد على البقاء والصمود في مواجهة الخطر والأحداث المهددة لحياته، لكن لذلك كله آثار نفسية وجسمية ضارة، وهذا مثال يجسد لنا خطورة ضغوط الحياة.
أنواع الضغوط
يشير علماء النفس إلى نوعين من الضغوط، هما:
الضغوط الإيجابية، وهى مجموعة الأحداث الإيجابية التي تشكل ضغوطًا على الإنسان مثل: النجاح والإنجاب، والترقي والزواج، فهذه الأحداث برغم أنها سارة إلا أنها تشكل ضغوطًا على الإنسان، فالزواج مثلًا يحمل الفرد مسؤوليات وتبعات جديدة، ومن ثم يشكل أعباء وضغوطًا مالية ومعنوية، وكذلك الترقي يحمل الإنسان مسؤوليات تستلزم زيادة الجهد وساعات العمل وتحمله همومًا أكثر.
2- ضغوط سلبية، ويقصد بها الأحداث السلبية التي تهدد نجاح الإنسان أو تهدد بقاءه أو سعادته كالفشل، وتربص الأعداء، أو فقدان ثروة أو فقدان عزيز.
وثمة من يقسم ضغوط الحياة حسب مجالاتها، فيرى أنها تنقسم إلى ضغوط نفسية وضغوط اجتماعية وضغوط اقتصادية، وضغوط أسرية، ضغوط مهنية، وضغوط دراسية، وضغوط عاطفية... إلخ.
أسباب الضغوط
يمكن حصر أسباب ضغوط الحياة في ستة أنواع هي:
1- الأسباب الفردية، وهي التي ترجع إلى الفرد ذاته، ومن ذلك أن يتطلع
الفرد إلى إنجازات تفوق قدراته مما يؤدي إلى فشله وإخفاقه.
وصدق عنترة بن شداد الشاعر الجاهلي الفحل، فقد سئل بم استحققت أن تكون أشجع الناس؟ فقال:
أقدم حين أرى الإقدام عزمًا، وأحجم حين أرى الإحجام حزمًا.
وهذا يعني أنه لم يكن يهاجم أعداءه إلا بعد أن يقدر قوتهم ويقارنها بقوته، فإذا أدرك أنه متفوق عليهم وأقوى منهم كر عليهم وهجم وغلبهم، أما إذا وجدهم أقوى منه وأن المعركة غير متكافئة، فإنه كان يفر كي يرتب أوراقه ويعيد تنظيم نفسه منتهزًا فرصة ضعف أعدائه فيكر عليهم مرة أخرى.
ومن مصادر الضغوط التي ترجع إلى الفرد أيضًا ضعف قدرة الفرد على إدارة الوقت وسوء النظام والشعور بضعف الكفاءة، ورغبة الفرد في التحكم فيمن حوله والسيطرة عليهم سيطرة حرفية حاكمة، وعدم القدرة على التفاوض، وعدم تحديد الفرد لسقف متطلباته وتطلعاته، وكذلك المبالغة في جمع المال.
٢- أسباب ترجع إلى علاقات الفرد مع الآخرين، وهي عوامل يسببها الأشخاص الذين يرتبطون بعلاقات بالفرد، كأن يطلب أحد الأقارب منك مطالب فوق قدراتك، وكذلك مطالب الأسرة والأصدقاء والرؤساء، ومن هذه العوامل أيضًا فقدان الذاتية في العمل، ونقص احترام الآخرين للفرد، وتعامل أفراد عدوانيين مع الفرد.
3- عوامل ترجع إلى بيئة العمل: من هذه العوامل مثلًا طبيعة العمل وأثقال الوظيفة، ونظام العمل والمبالغة في الصراع الوظيفي، والعمل مع أفراد غير أكفاء.
4- عوامل مجتمعية وثقافية: ومن ذلك، طرق المعيشة، وأنماط السلوك وتوقعات المجتمع التي تفوق إمكانات الفرد، وسوء الخدمات الصحية والخدمات ومشكلة الأمن.
5- عوامل دولية / عالمية: ومن أهم هذه العوامل: الحروب والكوارث والأزمات، والتلوث والفقر والمجاعات والزيادات السكانية التي لا تقابلها الخدمات الإنسانية اللازمة.
٦- ضغوط أخرى: وهناك من يقسم أسباب الضغوط تقسيمًا آخر، فيرى
أنها تتنوع إلى:
أ- ضغوط طبيعية: مثل الكوارث والحروب والمناخ.
ب- ضغوط انفعالية: كالقلق والتوتر والتشاؤم.
ج- ضغوط أسرية: كالخلافات الأسرية والعائلية.
د- ضغوط اجتماعية: كالواجبات الاجتماعية التي تشكل عبئًا على وقت الإنسان.
هـ- ضغوط العمل: كالترقية وغياب العدل.
و- ضغوط التنقل: كالانتقال من سكن إلى آخر، أو من عمل إلى آخر.
ز- ضغوط في اتخاذ القرار: وخاصة عند موقف الصراع.
ح- ضغوط التغيير: كالزواج، أو الانتقال إلى بلد آخر.
ط- ضغوط كيميائية: كتأثير الأدوية والتلوث والتدخين.
ي- ضغوط المخاوف: مثل الخوف من المجهول، أو الفوبيا من ركوب الطائرة مثلًا.
ك- ضغوط جسمية: كحمل المرأة وقلة النوم، والإصابة بحادث أو مرض.
ل- ضغوط بيئية: كالضوضاء، والازدحام.
كيف تعرف أنك تعاني من ضغوط الحياة؟
ثمة بعض الأعراض التي إذا شعرت بها أو ببعضها دل ذلك على معاناتك تلك الضغوط.. ومن أهم هذه الأعراض:
1- الأعراض الجسمية: من ذلك العرق الزائد والتوتر العالي، والصداع وعدم الانتظام في النوم، والشعور بآلام الرقبة والكتفين والظهر أو المفاصل، وعسر الهضم، وتغيير الشهية والالتهابات الجلدية، والإسهال والإمساك، والشعور بالتعب والإعياء كثيرًا.
2- الأعراض الانفعالية: كسرعة الانفعال، وتقلب المزاج، والعصبية، وسرعة الغضب والعدوانية والاكتئاب.
3- الأعراض المصاحبة للعلاقات الشخصية: من هذه الأعراض: التربص لاصطياد أخطاء الآخرين، وازدراؤهم، وتجاهلهم، ولومهم، وعدم الثقة بهم والبرود العاطفي تجاه الآخرين.
كيف نتعامل مع ضغوط الحياة؟
لكي تنجو من أضرار ضغوط الحياة اتبع ما يلي:
أولًا: لتكن لك سياحات في واحة الإيمان:
فقد كان رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر سارع إلى الصلاة، ومن هديه في ذلك أنه كان يقول لبلال رضي الله عنه وهو مؤذنه «أرحنا بها يا بلال»..
ولا يخفى ما أثبتته الدراسات العلمية من تحقيق تلاوة القرآن الكريم واستماعه من راحة نفسية حتى للجنين في بطن أمه، وكذلك ترديد الأذكار والمأثورات، وصدق ربنا سبحانه، إذ يقول: ﴿ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَطۡمَىِٕنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَىِٕنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ ( الرعد:28 ).
ثانيًا: لتكن لك جولات في واحة الاسترخاء والتأمل.
لقد أكد هربرت بنسون، في سبعينيات القرن الماضي وكذلك د. دين أورنيست في ثمانينيات القرن الماضي أيضًا فائدة هذه التدريبات في علاج من يعانون ضغوطًا وحتى من يعانون من أمراض القلب، حيث انخفضت دهون الدم الضارة، وفي ضغط الدم، وتحسين أداء الشرايين التاجية، ومن المفيد هنا ساعة الاسترخاء أن تتخيل منظرًا جميلًا أو شخصًا تحب أن تجلس معه.
ثالثًا: التركيز في التفكير: قد أثبتت الدراسات العلمية أن تركيز الفرد في النظر إلى وردة أو شجرة أو آية قرآنية وترديدها بصوت منخفض وتكرار ذلك.. يؤدي إلى قدرة الفرد على مواجهة الضغوط والنجاة منها، ذلك أن تأثير الضغوط يتوقف على استجابة الفرد لها، فإذا كانت الاستجابة إيجابية عاقلة أدى ذلك إلى خفض التوتر، مما يجنب الإنسان خطر الضغوط.
رابعًا: احرص على التحكم في اندفاعاتك ومشاعرك.
فمن المفيد هنا تغيير الحالة، والوضوء والابتعاد عن مصدر الضغط، وتغيير الموضوع، وصدق رسولنا الكريم إذ يقول: «ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»..
المراجع
( ۱ ) لولوة حمادة، التعامل مع ضغوط العمل والحياة دورة تدريبية مقدمة إلى مركز التقويم والقياس، الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب.
2- www.egypty.com/top4/pray_life.asp
3-www-romanciat.net/showthread.php
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل