العنوان من الحياة: فكر قبل أن يقع الطلاق
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1935
نشر في الصفحة 52
السبت 15-يناير-2011
للطلاق آثار خطيرة لا تزول عن الأطفال الذين يشعرون بالأسى لسنوات عديدة حتى بعد كبرهم.
إنها صرخة مستغيث، وآهات متوجع وهموم محزون، وتنفيس عما تعانيه النفس ويعتصر القلب حزنًا وكمدًا.. ذلك كله أشعر به وأعانيه عندما أقرأ إحصاءات حالات الطلاق في وطننا العربي الحبيب وأمتنا الإسلامية الغالية.. فمعذورة تلك النفس التي تحزن على تصدع البيت المسلم، وتمزق أوصاله، وتشتت أفراده فتتشرد البنات والبنون ويضيعون وتنكسر الزوجة الضعيفة، وتستنزف طاقات الزوج وأمواله وصحته في هموم تلك المشكلة وديونها وأمراضها.
حالات طلاق تذهب النفس عليها حسرات تطالعها وتسمع عنها وتشاهدها، زوجة بعد أن تجاوزت الستين تطلق من زوجها، وشاب لم يستغرق زواجه سوى بضعة أشهر يطلق زوجته، وغير ذلك من واقع الحياة الزوجية، مما يدمي القلب ويدمع العين.
والطلاق مشكلة شائعة الانتشار لا في عالمنا العربي فحسب، وإنما في جميع أنحاء العالم، يقول«ريتشارد أ. جاردنار»:إن الأطفال يجب أن يعتمدوا على أنفسهم للتعايش مع الطلاق بين والديهم أفضل من افتراض أن والديهم سيقومان دائما بإنجاز ما فيه مصلحتهم ... «
أجل.. تطالعنا الدراسات الاجتماعية بأرقام فلكية مخيفة لحالات الطلاق المتزايدة حتى وصلت نسبة الطلاق في كثير من الدول العربية إلى أكثر من %40 فمن المسؤول ؟!
أهو الزوج؟ أم الزوجة؟ أم أهل الزوج؟ أم أهل الزوجة؟ أم المجتمع بعاداته وتقاليده وأعرافه؟
الحق أن كل طرف من الأطراف المذكورة آنفاً هو مسؤول عن هذه المشكلة المخيفة. فالزوجة عندما تتمرد على زوجها أو تحمله ما لا يطيقه، أو تستفزه بأقوالها وتصرفاتها، وتهمل زوجها وتهمل نفسها وأولادها.. إنما هي بذلك تفتح أبوابا للخلاف والمعاناة قد تؤدي في النهاية إلى الطلاق.
والزوج عندما لا يدرك نعمة الله عليه، أو تزيغ عينه يمينًا ويسارًا، ويتطلع إلى النساء، وينظر إليهن في الأسواق أو في محال العمل، أو على الفضائيات وكذلك عندما ينفلت من قيمه ودينه وأخلاقياته فيحدث النساء عبر الإنترنت أو من خلال الهاتف.. إنما هو بذلك يضيع نفسه ودينه وزوجته وأولاده ويدمر بيته ومجتمعه، وأمته.
وقد يتحلل الزوج من المسؤولية فيتكاسل عن العمل، أو يسرف في الإنفاق على نفسه وشهواته، ويبخل على زوجته وأولاده، وذلك أيضًا يؤدي إلى وقوع الطلاق.
وقد يظن أهل الزوج أنهم اشتروا زوجة ابنهم، وربما اعتبرها بعضهم خادمة أو في عداد الرقيق والعبيد فعاملوها معاملة سيئة واقتحموا خصوصياتها، ومن ثم يؤدي ذلك كله إلى الطلاق.
وقد يتدخل أهل الزوجة في حياتها ظنا منهم أنهم يناصرونها ويأخذون لها حقها المسلوب، وإن أدى ذلك إلى الطلاق ويمارسون في سبيل ذلك ممارسات كفيلة بأن تصدع بنيان البيت من أول يوم تستأنف فيه الحياة الزوجية
فكرا قبل الطلاق
إنها دعوة لكل زوجين أن يتذكرا -قبل قرار الطلاق- الذكريات الجميلة بينهما، والحياة التي ضمتهما في عشرة طيبة -بموجب الميثاق الغليظ- الذي وقع عليه كل منهما بموجب إرادته واختياره الحر..إنها دعوة ليتذكر كل منهما لحظات التوفيق والوئام ومواقف النجاحات العظام.. إنها دعوة ليتذاكرا معًا لحظة الفرحة الأولى يوم ولادة طفلهما الأول.
إنها دعوة ليتذكر كل منهما الوعود المعسولة التي كانت بينهما قبل الزواج وفي بدايته.
العنصر الضعيف في المعادلة
إن المرأة هي العنصر الضعيف في معادلة الزواج، ومن ثم فقد كلف الشرع الرجل برعايتها، وإحسان معاشرتها والصبر عليها حتى عند كراهيتها، وما أنفع قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ﴾ (النساء:19)
إن هذه الآية القرآنية تشخص النفس البشرية، فتشير إلى أن نفس الواحد منا قد تكره شيئًا وفيه الخير والسبب في ذلك أن الله عز وجل أخفى الخير في عاقبة هذا الأمر، ولم يظهره على الناس لكننا إذا أمعنا النظر، وتعمقنا في التفكير والتدبر واتعظنا وتعلمنا من مواقف الحياة لأدركنا هذا الخير الذي أخفاه الله عنا فكان لنا ابتلاء وميدانا لتربية الناس على الصبر والرضا.
إن الآية الكريمة تكفي الإنسان إذا تدبرها جيدًا قبل تنفيذ الطلاق، فهي تدعونا إلى تجنب الانبهار بالبوارق الظاهرة، وتقينا شر الميل إلى الشهوات وإلى قراءة عواقب الأمور لا التعجل بالحكم على الظاهر.
إن هذه الآية القرآنية الكريمة تعلق النفس بالله، وتعالج الكره، وتهدئ من ثورة الغضب حتى يراجع الإنسان نفسه في هدوء، وحتى لا تكون العلاقة الزوجية ريشة في مهب الريح لأن الآية الكريمة تربط العلاقة الزوجية بأوثق العرى العروة الدائمة الوثقى، العروة التي تربط بين قلب الزوج وربه.
إن الآية الكريمة المباركة تنظر إلى العلاقة الزوجية بوصفها علاقة مودة وحب ورحمة وأنس، فلا يصح أن تمزق هذه العلاقة وتقطع من أجل نزوة عابرة أو شهوة سريعة، إنها علاقة تقوم على التحاب والتعاطف والتجاوب والتراحم، ومن ثم يوجه الحق عز وجل الرجال الأزواج إلى الاستمساك بهذه العلاقة وتقويتها. مبينا سبحانه أنه حتى إن كان كره الزوج زوجته فقد يكون فيها خير كثير لا يعلمه الزوج، قال تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ﴾(النساء:19)
يخطئ كثير من الأزواج عندما يظنون أن الزواج مجرد وسيلة القضاء الشهوة، ومن ثم فإن الطلاق يسير عندهم لأنه مرتبط بالنزوة والشهوة والعاطفة.. والآية الكريمة تخاطب الجميع مبينة أن هذا »الميثاق الغليظ« -كما وصفه رب العزة سبحانه في كتابه- لا يصح أن يكون دمية في يد أي من الزوجين، ولا يقبل أن يكون رهن عاطفة متقلبة، أو حماقة نظرة زائغة هنا أو هناك، وذلك كله كي يحفظ الأسرة- وهي الخلية الأولى للمجتمع- من الانهيار، إذ تدعو الآية إلى الارتقاء بالحياة الزوجية عن النزوة البهيمية فلا مجال في مصير العلاقة الزوجية إلى تدخل الأهواء وشهوات النفوس بل الواجب أن تحال النفس إلى حكمة ربها وتلجم رعونتها.
إن الآية الكريمة تعلم الأزواج فقه الموازنات، فهي توازن بين المصالح والمفاسد وتعودنا النظر إلى عواقب الأمور، وهي تدعو الأزواج إلى عدم التسرع في اتخاذ قرار الطلاق، حيث للآية القرآنية تأثير ومردود تربوي عظيم لأنها تنهى الأزواج عن أن يكون الطلاق ألعوبة في أيديهم.
همسات وقائة /علاجية
1. فكر في أولادك ولا تكن أنانيًا.
2. حدث نفسك بثواب الصبر، ويكفيك أن تكون ممن يدخلون الجنة يوم القيامة بغير حساب.. ﴿....إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴾ (الزمر:10).
3. التأسي برسول الله، فقد ضرب لنا المثل الأعلى في حسن معاشرة زوجاته وإشاعة جو الحب والألفة والمودة والأنس في البيت.
4. التأسي بالصحابة في الصبر، فقد صبر الصحابة على زوجاتهم، واقتدوا في ذلك بهدي نبيهم، وقد أحسن الصحابة رضي الله عنهم رعاية زوجاتهم برغم ما كان يصدر منهن من تقصير البشر. عمر رضي الله عنه وزوجته جاء رجل يشكو زوجته إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلما وقف ببابه ينتظره سمع امرأة عمر ترفع صوتها على زوجها، وعمر ساكت لا يرد عليها، فانصرف الرجل قائلًا: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين فكيف يكون حالي؟ فخرج عمر فرأى الرجل موليا، فناداه ما حاجتك؟، فقال: يا أمير المؤمنين، جنت أشكو إليك خلق زوجتي، واستطالتها علي فسمعت زوجتك كذلك، فقلت: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين فكيف حالي؟ فقال عمر : تحملتها لحقوق لها علي« !!
فانظر -أخي الزوج- إلى حسن خلق عمر وهو المشهور بقوة شخصيته وهذا يدل على أن العنف ليس من مفردات قوة الشخصية كما يظن كثير من الناس... انظر إلى تسامح هذا القوي العملاق وتواضعه وعفوه ولينه مع زوجته، وتلك هي أخلاق الزوج المسلم القوي الشديد وصدق رسولنا الكريم إذ يقول »:ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب« (متفق عليه).
5. كن وفيًا لزوجتك وأهلها، فإن لم يكونوا أهلا لذلك فكن وفيًا مع الله تعالى بالحق والميثاق الغليظ الذي قامت عليه رابطة الزوجية، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًۭا﴾ (النساء:21)
لقد دلت هذه الآية الكريمة أنه برغم أن حق الزوج على زوجته أجل وأعظم، فإن رعاية الزوج لزوجته حق أوجب !!
6. كن صاحب فضل فالمسلم يحسن به أن يتعامل دائما بالفضل لأنه يحب أن يعامله ربه بالفضل، ويدرك قيمة ذلك ومن ثم يستجيب الدعوة ربه: ﴿وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:237)
7. فكر في عواقب الطلاق وآثاره السلبية على زوجتك وأسرتك، وخاصة أطفالك، فإنك بالتسرع في الطلاق إنما تقدم السم لأطفالك فقد أكدت دراسات كثيرة الآثار الخطيرة للطلاق على الأطفال، حيث أثبتت دراسة »جوديث والرستين«، أن: »الآباء يخدعون أنفسهم باعتقادهم أن الطلاق أزمة وقتية يتم حلها وتجاوزها بعد عام أو عامين، والحقيقة هي أن للطلاق آثارًا خطيرة لا تزول عن الأطفال الذين يشعرون بالأسى سنوات عديدة، حتى بعد أن يكبروا وتزيدهم هما واكتئابًا
8. احرص على أن تنمي قدراتك ومهاراتك التي تعينك على إحسان علاقاتك الزوجية وإدارتك لأسرتك واجتياز الأزمات الزوجية والأسرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل