; من الحياة: القيادة.. فن وذوق وأخلاق | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: القيادة.. فن وذوق وأخلاق

الكاتب سمير يونس

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2007

مشاهدات 85

نشر في العدد 1778

نشر في الصفحة 56

السبت 24-نوفمبر-2007

يرى علماء النفس أن السلوك الظاهر للإنسان يأتي نتيجة إلهامات روحية وهواتف قلبية تصدر من القلب إلى جوارح الإنسان من خلال عمليات وجدانية وعقلية معقدة ودقيقة، وهذه السلوكيات تعبر عن عقيدة الإنسان وروحه وقلبه وقد أوضح ابن القيم رحمه الله هذا الأمر في قوله: القلب في الجوارح كالملك في الجنود، ويقصد أن سلوك الجوارح يبدأ من أوامر القلب!!

وصدق رسولنا الكريم  إذ يقول «إن في الجسد مضغة لو صلحت لصلح الجسد كله».

في حياتنا اليومية يتعامل الإنسان مع الناس.. كل الناس، مع رفاقه في العمل، مع أصدقائه، مع أقاربه.. وفي أثناء تعاملك مع هؤلاء الناس قد يسعدك سلوك بعضهم، وقد يتعسك سلوكيات البعض الآخر ويضايقك فيسرك سلوك هذا ويضايقك سلوك ذلك. وفي هذا المقال وما يليه من مقالات سوف أسلط الضوء على بعض السلوكيات من باب تذكير نفسي والقراء بسلوك الذوق وذوق السلوك.

تخرج من بيتك، وتركب سيارتك وتدير محركها، وقبل أن تنطلق تردد دعاء ركوب الدابة (أو دعاء السفر) متوجها إلى عملك أو لقضاء مصلحة، فلا تكاد تنطلق في طريقك إلا وتشاهد سلوكيات تكدرك وتنغص عليك. فقد تشاهد شخصاً أرعن يقود سيارته بسرعة جنونية، يكاد يصطدم بك. ويتجه في رعونة مرة يمينا ومرة أخرى يساراً، غير مبال بأرواح البشر.. فإذا ما أردت نصحه.. صب جام رعونته عليك، وأخذ يتفنن في مضايقتك وإعاقتك.. فأين الفن هنا؟ وأين الذوق؟ وأين الخلق؟

وثم مشهد آخر يطالعك أيضاً وأنت تسير في الطرق السريعة، اثنان يتسابقان في سرعة جنونية ورعونة طفولية، وحسب الواحد منهما أن ينظر عن يمينه ويساره، ليرى عاقبة هذا السلوك الأرعن في تلك السيارات المحطمة بسبب هذا السلوك، وقد فارقها أصحابها وصاروا في عداد الوفيات.

ومن هنا أهيب برجال المرور الأفاضل أن ينتبهوا إلى هذه السلوكيات وتلك التصرفات، وأن يردعوا أصحابها، رحمة بهم وبمن يشاركهم السير في الطريق.

وفي الطريق أيضاً تشاهد مشهداً ثالثاً، تنظر في المرآة العاكسة لمن يسير خلفك، فتجد شخصاً يكاد يصدم سيارتك من الخلف حتى إن كنت تسير بأقصى سرعة تسمح بها قواعد المرور وإمكانات الطريق الذي تسير فيه، فإذا لم تفسح له الطريق التصق بك، وظل يقلب لك الأضواء العالية في سيارته، وتفنن في مضايقتك، ولم يمنعه حياؤه من أن يضايقك حتى في حالة وجود أهلك وأولادك معك في سيارتك!!

وقد تجد رابعاً يركب سيارة قديمة ضعيفة الإمكانات، ولا يلتزم الحارة المخصصة للسيارات البطيئة، بل يصر على أن يسير في الحارة اليسرى المخصصة لمن يريد أن يسير بأقصى سرعة قانونية مسموح بها، وهذا السلوك أيضاً يعوزه الذوق، فمن الناس من تحتم عليه ظروفه أن يسير بأقصى سرعة قانونية مسموح بها، فقد يكون معه مريض ربما تكون الدقيقة سبباً حاسماً وفاصلاً في حياته أو موته، وربما يكون عنده اجتماع أو محاضرة، أو درس يحرص على أن يلتزم بحضوره في موعده دون تأخير وربما ... وربما ... لكن صاحبنا- الذي يسير بسيارته في سرعة ٥٠كم برغم أن الطريق يسمح له بـ١٢٠ كم- يصر إصراراً على أن يعرقل سير الناس، ويعطل مصالحهم!!!

فقد تشاهد سيارة إسعاف أو سيارة شرطة تصدر أصواتاً لإخلاء الطريق أمامها، كي تنطلق، وهي بكل تأكيد لا تطلق هذا الصوت إلا لضرورة أو هكذا ينبغي أن نفهم، ومع ذلك لا يستجيب بعض الناس بسرعة لمثل هذه الطوارئ، فلا يفسح الطريق، أو يتباطأ في ذلك، وهو لا يدري أنه بالتأكيد سيتسبب في إلحاق الضرر بالآخرين.

وقد تشاهد سيارة تطل من طريق جانبي على شرفة شارع رئيس تريد أن تسير فيه، وتنتظر من يبطئ ويفسح لها الطريق، وسيارة أخرى تكون واقفة وتريد أن ترجع إلى الخلف كي تنطلق في سيرها وهذه وتلك تنتظر من توسع لها الطريق غير أن السيارات جميعها- الشارع الرئيس- تنطلق في سرعة دون مبالاة، صحيح أن أولوية السير هي لتلك السيارات التي تسير في الطريق السريع أو الشارع الرئيس، لكن سلوك الذوق يوجب التعاون الإنساني، كما يوجب إعطاء الآخرين الفرصة، ويكفيك- عندما تفسح الطريق لغيرك- أن ترى على وجهه ابتسامة، أو تسمع منه كلمة شكر أو دعوة، أو تفوز بثواب ذلك وأجره أو تنال حب الآخرين.
 

وما أجمل قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تبدأه السلام، وأن تناديه بأحب الأسماء إليه، وأن تفسح له في الطريق».

وقد تجد شخصاً في الطريق تعطلت سيارته، ووقف يشير للسيارات المندفعة طالباً العون والمساعدة، فهنا يظهر ذو الخلق الرفيع، وصاحب الوجدان الرقيق وذو المروءة والشهامة، وفي إسلامنا العظيم حث كبير على الاستجابة لهذا الموقف.

 يقول : «من حسن مماشاة المرء لأخيه المسلم أن يقف له إذا انقطع شسع نعله»!! فما بالك إذا وقفت له عندما تتعطل سيارته؟

ومن هديه  في ذلك أيضاً «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».. بل إن الذوق الأصيل يجعل صاحبه مبادراً دائماً، فيلبي في غير طلب، ويقترب عندما تكون الحاجة، أي لا ينتظر أن تطلب منه المساعدة، بل يبادر بتقديمها قبل أن يطلبها صاحب الحاجة.

وتصبح الإغاثة أوجب إذا كنت تسير بسيارتك في الطريق ثم تفاجأ بشخص أصيب في حادث، فيصبح لزاماً عليك أن تنقذ حياة هذا الشخص، فتوقف سيارتك لتقوم بواجبك نحوه، فتحيي نفسًا ربما إن تركتها ماتت وأزهقت وصدق ربنا عز وجل إذ يقول.. ﴿وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ (المائدة: 32).
وربما تتوجه في الصباح صوب سيارتك، لتركبها وتذهب إلى عملك فتفاجأ بأنها أصيبت بضرر وإتلافات وهي واقفة، حيث صدمها شخص آخر، ثم ولى مدبراً مسرعاً، دون أن يترك لك رقم هاتفه أو عنوانه، حتى يتيح لك فرصة التفاهم معه، أو على الأقل يصلح ما أتلفه ويعتذر إليك عن الضرر الذي ألحقه بسيارتك، وفرار هذا الشخص سلوك لا ذوق فيه ولو علم الحقيقة لجاهد نفسه في إرضائك حتى تصفح عنه وتسامحه لكنه نسي أو تناسى أنه ظلمك، وأن رب العباد سيحاسبه وأنه حمل نفسه بسلوكه هذا حملاً ثقيلاً، وحساباً عسيرا.

ومن ذوقيات قائد السيارة أن يعطي أولوية السير للمشاة من البشر، وأن ينتظر حتى يمروا ويعبروا الطريق، فإن توقفك للمشاة من الناس حتى يمروا إنما هو سلوك حضاري يمليه الذوق السليم، بل هو بمثابة شكر لله تعالى على إنعامه عليك بنعمة الدابة التي تيسر لك قضاء حاجياتك وأغراضك، ومن شكر هذه النعمة أيضاً أن تحمل في سيارتك ذوي الحاجات ممن لم يتمتعوا بهذه النعمة وتطمئن إليهم، أو تأمن على نفسك منهم، كالشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض والطفل الذي ضل الطريق إلى بيته أو أهله، والصديق المحتاج، والقريب المعوز والسعي بسيارتك لقضاء حوائج الناس... إلى غير ذلك من أعمال البر والخير.

يقول الأستاذ «عباس السيسي». رحمه الله. في كتيبه القيم «الذوق سلوك الروح»، ناقدًا تصرفات بعض السلوكيات السلبية لأصحاب السيارات أو من يقودونها:

«وبعضهم يقذف بالبصاق بصورة بغيضة، وآخرون يلقون بأعقاب السجائر وقشر الموز والبرتقال والمعلبات الفارغة وغير ذلك، ويُذكر أن عساكر المرور في إحدى الدول يلتقطون مثل هذه الأشياء مع أرقام هذه السيارات، ويرسلونها في طرود بريدية إلى أصحابها مع حكم الغرامة الموقعة عليهم بسبب هذا السلوك».

 وبعضهم يقوم بتشغيل سيارته في أوقات غير مناسبة بعد الفجر، حيث يقوم بتسخين السيارة، فيكون صوتها مزعجاً يقلق النائمين والأطفال، وبعضهم يستعمل آلة التنبيه في تنبيه أحد زملائه في إحدى العمارات ليذهب إلى العمل ويستمر في ذلك بصورة مزعجة، دون مراعاة لشعور المرضى أو النائمين.

وحسب من يسلك هذا السلوك المزعج أن يتدبر حديث المقداد رضي الله عنه، حيث يقول كنا نرفع للنبي  نصيبه من اللبن يجيء من الليل، فيسلم تسليماً، لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان» (رواه مسلم).

[1] أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

573

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

475

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

470

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28