العنوان من الحياة.. العطلة الصيفية أزمة أسرية أم استثمارات تربوية؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 17-يوليو-2010
مشاهدات 108
نشر في العدد 1911
نشر في الصفحة 56
السبت 17-يوليو-2010
لكل مناسبة حديثها، وحديث اليوم له شجون ذلك أنه يقف بنا وقفات مع الأسرة المسلمة والصيف، وينتقل بنا في الساحات والواحات ساحات العمل الصيفي وواحات الراحة والمتعة والترويح.
وقفات مع النفس
يطيب لي - عزيزي القارئ - أن أقف معك عدة وقفات بعد أن ودعنا عامًا دراسيًا ختم بإمتحانات وإختبارات أحلت بالبيوت أجواء التوتر والقلق وتنفس أفراد البيت الصعداء فالعطلة الصيفية أيام ينتظرها الكبار والصغار على السواء.
الوقفة الأولى: (قيمة الوقت)
يظن كثير منا أننا في سجن روتيني طوال العام، سواء في ذلك الكبار في أعمالهم ووظائفهم والصغار في دراستهم ومن ثم ينتظر الجميع الفرصة السانحة للإفلات من هذا السجن الكتيب في نظرهم!! بيد أن هذه النظرة تحتاج إلى تصحيح، فهي ناتجة من فهم خطأ، فنسمع من يقول: سأنام طوال الليل والنهار حتى أعوض سهري متأخرًا وإستيقاظي باكرًا، وآخر يقول سألعب وألعب وألعب وكثير من أولادنا يظل أمام التلفاز ساعات طويلة !!نسينا أن الوقت نفيس، وأنفاسه لا تعود، فبمجرد أن يولد الإنسان يبدأ العد التنازلي في عمره والوقت هو الحياة هو العمر، هو رأس المال، لذا ينبغي لكل منا أن يسأل نفسه دائما ماذا أنجزت في حياتي؟ ماذا قدمت لنفسي أمام ربي ربي الذي يوجهني بقوله سبحانه و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18).
أجل يجب على كل منا أن يسأل نفسه لماذا خلقت؟ ثم يتدبر الإجابة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56).
حري بكل منا أن يقف متأمًلا في قول رسولنا العظيم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» (أخرجه البخاري في الصحيح وأحمد، والترمذي وابن ماجه والدارمي).
إذا كانت هذه هي حقيقة الحياة، فعجب أن نجد أنفسنا نهدر حياتنا في التفاهات وتضيع أعمارنا في الشهوات والملذات وتجد أحدهم يقول للآخر: هيا بنا لنقتل الوقت !! وهو لا يدري أنه يقتل عمره، نعم يقتل نفسه.
ما أروع تشبيه الإمام أبي حامد الغزالي يرحمه الله - حيث أشار إلى أن اليوم الذي يعيشه العبد إنما هو ساعات، كل ساعة من الزمن تشبه خزانة فمنا من يملؤها نورا ومنا - والعياذ بالله - من يملؤها ظلامًا !!
الوقفة الثانية (إستثمار القدرات)
وأثبت ذلك في كتابه الكريم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4)، وميز الله سبحانه الإنسان على سائر المخلوقات بالعقل الذي هو مناط التكليف ووهبه قدرات عالية، ومواهب متعددة، ومنحه الفهم والإحساس وسخر له الكون، وأمره بعمارته ووجهه إلى تنمية هذه القدرات وتلك المواهب وإإستثمارها والإستفادة منها ولقد أدرك سلفنا الصالح ذلك، فعاشوا سعداء وأسعدوا البشرية، وعمروا الكون بعد أن عاشوا في الجاهلية والفوضى وإشباع الغرائز البهيمية والقبلية، وهبطوا بالعقل في الجاهلية، ولم يقدروه حق قدره حتى عبدوا الحجر، وكان قويهم يأكل ضعيفهم إلى أن أشرق نور الإسلام، فأسعد البشرية كلها.
ولقد شاءت حكمة الله عز وجل أن تختلف القدرات بين شخص وآخر بما يسميه التربويون في العصر الحديث الفروق الفردية، ولعل في ذلك سببًا في فتح المجال لتعاون البشر، وتناقل الخبرات وتنمية القدرات ليتحقق التكامل بين الناس، ويستفيد بعضهم من بعض فهل يعقل أن يهبنا الله هذه الطاقات والقدرات والمواهب ثم لا نعي إلى تنميتها ونغفل عنها فتصبح ماء راكدًا يضر ولا ينفع؟! إن العطلة الصيفية فرصة ذهبية لتنمية تلك القدرات وإستثمارها والإفادة منها.
الوقفة الثالثة: (الناس إزاء قدراتهم نمطان)
إنك لتجد نمطين مختلفين من الناس إزاء القدرات والمواهب فلو نظرت إلى الناس مثلا في العطلة الصيفية فإنك ستجد منهم من رزقه الله نعمة البيان في القلم أو اللسان، فنمط من الناس يسخر قلمه أو لسانه فيما يضر الناس ويميع أخلاقهم، كهؤلاء الذين يكتبون المسلسلات والمسرحيات التافهة الهابطة الهدامة، أو هؤلاء الذين يتحدثون في الفضائيات فيدمرون القيم والأخلاقيات، وفي الجانب الآخر تجد من يستثمر قدراته البيانية في نشر الخير وغرس القيم ودعوة الناس إلى المعروف والفضيلة.
ما أحوجنا جميعاً - المتكلم والمستمع المؤلف والقارئ الممثل والمشاهد - إلى أن نقف مع أنفسنا لنعلمها ونوقظها، ما أحوجنا إلى أن نتدبر قول الله تعالى، و ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18) ما أحوجنا جميعًا إلى تأمل قوله عز وجل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).
لقد أشار النبي إلى لسانه وهو يقول لسيدنا معاذ بن جبل يا معاذ، كفعنك هذا - وأشار إلى لسانه - قال يعني معاذ أو مؤاخذون يا رسول الله بما نتكلم به؟ فقال عليه الصلاة والسلام ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في الناس على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد السنتهم .
مشكلات تتجدد كل صيف
مع مطلع كل عطلة صيفية تبرز في حياة البيت المسلم بعض المشكلات، أهمها: السفر والمطالبة المالية، وطول وقت فراغ الأولاد وعدم وجود برنامج واضح للبيت المسلم لإستثمار الصيف وتزداد هذه المشكلات سخونة مع سخونة الصيف فهل العطلة الصيفية تمثل أزمة أسرية؟ أم أنها تعد فرصة ذهبية يمكن إستثمارها والإستفادة بها ؟ ان العطلة الصيفية يمكن جعلها فرصة ذهبية وغنيمة ثرية إن نحن أحسنا إستثمارها، وراعينا أسس الإستفادة منها.
أسس للاستفادة من العطلة الصيفية
أولا: حسن التخطيط للصيف
فالتخطيط الجيد هو ذلك التخطيط الذي يقوم على تفكير ودراسة، ويجب أن يكون ذلك قبل بداية العطلة الصيفية بوقت كاف، ذلك أن عطلة الصيف إذا باغتت البيت المسلم وأتت فجأة فقد يهدر منها وقت طويل.
ويلزم عند إعداد خطة البيت المسلم في الصيف أن تأتي مكتملة العناصر، وهذا يعني وضع أهداف لها واضحة ومحددة ودقيقة ثم توضح الأنشطة ووسائل تحقيق الأهداف وتحسب الميزانية المالية اللازمة وترصد ثم تعد وسائل تقويم الخطة أو البرنامج كإستطلاع رأي أفراد الأسرة، أو الإستبانة أو التقارير التي ستكتب وهكذا.
ثانيًا: تنوع أنشطة البرنامج
فتنوع الأنشطة من شأنه أن يلبي رغبات جميع أفراد الأسرة وميولهم وإهتماماتهم كما أن ذلك يؤدي إلى جذب الأولاد إلى تنفيذ البرنامج الصيفي للبيت المسلم ويقضي على الملل والسأم والفتور الذي قد يصيبهم نتيجة تكرار النشاط وأدائه بشكل دوري نمطي. ومن أهم الأنشطة التي يمكن تضمينها في برنامج الأسرة الصيفي الأنشطة الرياضية المتنوعة، والأنشطة الإجتماعية وأهمها صلة الأرحام وزيارات الأقارب والأصدقاء، والسماح للأولاد بزيارة أصدقائهم وزملائهم الصالحين، وإستقبالهم لأصدقائهم في بيت الأسرة أو مصاحبتهم في نزهة أو رحلة وحبذا لو يدعى إلى ذلك زملاء الأولاد وأسرهم - إن أمكن - فإن ذلك من شأنه أن يشيع التعارف في المجتمع المسلم، ويحقق التألف والإنسجام ومن الأنشطة المهمة أيضا في برنامج الأسرة الصيفي التدريب على اتقان المهارات أو تنمية الهوايات، وهنا يحسن اختيار أنشطة للبنين تختلف عنها للبنات، وتخصص أيضا أنشطة للكبار تختلف عن أنشطة أخرى يشترك فيها جميع أفراد البيت المسلم.
ومن المهارات والهوايات التي يمكن تضمينها في البرنامج الصيفي والسعي إلى تنميتها مهارات كرة القدم وكرة السلة وكرة اليد، والحاسوب، وذلك للبنين والرجال أما بالنسبة للبنات والنساء، فيمكن تنمية مهارات التطريز والطهي، والإسعافات الأولية، وبعض التمرينات الرياضية المناسبة لهن.
ويمكن أن يشارك الكبار صغارهم في بعض هذه الأنشطة السابقة وبعض الأنشطة الأخرى كالشطرنج، والسباحة والمشي وغير ذلك ومن الأنشطة التي يمكن تضمينها في البرنامج الصيفي أيضًا الأنشطة الثقافية ويجب تنوع مجالاتها واليات تنفيذها، ومن أهمها: القراءة وحضور الدروس والمحاضرات والالتحاق بالدورات ومراكز تحفيظ القرآن الكريم والسمر الثقافي وحلقات المناقشة والمسابقات وغيرها.
ثالثًا: متابعة البرنامج وتقويمه وهنا يجب تسمية من يتولى هذه المسؤولية من الأسرة، وهذا لا يتعارض مع مشاركة الجميع في المتابعة والتقويم ويحسن الجمع بين التقويم المرحلي المؤدي إلى إدراك الأخطاء ونقاط التقصير وعلاجها، وبين التقويم النهائي للبرنامج.
رابعًا مراعاة تنمية روح الإيجابية: لدى أفراد البيت المسلم، وتكليف كل فرد في الأسرة بعمل يناسبه، بحيث يكون عضوًا فعاًلا داخل أسرته.
خامسًا: الإستفادة من أجواء الصيف الهادئة وما يتخللها من نفحات شهر رمضان الكريم.
سادسًا: تقوية الإيمان بالله تعالى وحسن الصلة به.
سابعًا: تقوية العلاقة بين أفراد الأسرة بعضهم ببعض، وبينهم وبين أقاربهم وأصدقائهم.
ثامنًا: مراعاة إيجاد مساحة زمنية للتسلية والترفيه والإستمتاع.
تاسعًا: الاعتدال في الإنفاق، ومراعاة دخل الأسرة عند تخطيط البرنامج الصيفي وتنفيذه، وليكن الشرع هنا هو الحكم، وذلك في ضوء قوله تعالى في صفات عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامً﴾ (الفرقان: 67)