العنوان من الحياة: استثمر صيفك «1 من 2»
الكاتب سمير يونس
تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007
مشاهدات 84
نشر في العدد 1755
نشر في الصفحة 56
السبت 09-يونيو-2007
أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
خلق الله عز وجل الإنسان من روح وجسد، فالإنسان مزيج من خفة الروح وثقل الجسد، وتلك طبيعة الإنسان وفطرته، والله تبارك وتعالى - وهو العليم بخلقه - يعلم أن الإنسان الذي تلك فطرته لا يستطيع الثبات على حال واحدة، فهو بين الجد واللعب، والحركة والسكون والنشاط والكسل، ومن ثم نرى حكمة الخالق في تشريعه، حيث أباح اللعب واللهو المشروعين، ذلك لأن الله تعالى هو أعلم بمن خلق: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14).
وثمة مواسم ترتبط باللهو واللعب، منها الأعياد والأفراح والانتصارات.. وغيرها.. ومن هذه المناسبات أيضًا العطلة الصيفية، فمع إقبال كل صيف يفكر الناس: كيف يقضون صيفهم؟ وأكثرهم يترفه ويسافر ويلعب، ولم يستثمر رحلاتهم تربويًا، فما الطريق إلى تحقيق هذا الاستثمار؟
من باب إثراء هذا المقال والاطلاع على خبرات الآخرين والبدء من حيث انتهوا.. تصفحت بعض مواقع الإنترنت وبعض المراجع عسى أن أجد برنامجًا عمليًا واقعيًا تربويًا أفيد به القراء، بيد أنني سرعان ما أغلقت صحائفي، لأنني لم أجد بغيتي.. وكل ما وجدته معارك فقهية بين المتشددين والمعتدلين الوسطيين حول حرمة بعض الألعاب وألوان الترفيه وحلها، وحكم الشرع فيها، وهذه ثقافة مفيدة لا شك، لكنها لم تقدم للناس برنامجًا عمليًا قابلًا للتنفيذ وتحقيق الفائدة، ولم تقدم لهم البدائل.
بل غلبت على خطاب بعض فقهائنا ودعاتنا الأفاضل لغة التشديد والتحذير بدلًا من التيسير والتبشير.. فكثيرًا ما قرأت خطبًا منبرية تتهم كل من يفكر في الترفيه أو اللعب بأنه في الطريق إلى الغفلة عن ذكر الله، بل وإلى الفسق والفجور!
من المهم لأساتذتنا من الدعاة والمصلحين والتربويين أن يراعوا الواقع، أنا لا أدعو إلى الكف عن الاجتهاد في الفقه، لكنني أدعو إلى مراعاة الواقع، والواقع ينطق بأن الترفيه واللعب والسياحة أمور لم تعد هامشية على الصعيدين العالمي والعربي.
فعلى الصعيد العالمي، ففي مجال المال، نجد من يتحدث عن أن اقتصادات الترفيه ستحتل المرتبة الأولى في الإنفاق العالمي، وأن الدول السياحية ستصبح هي الأغنى، وستسحب البساط من تحت أقدام الدول الصناعية.
وعلى مستوى مجتمعاتنا وأسرنا العربية تطالعنا سلوكيات ترفيهية جارفة، فقد استشرى نهم الاقتناء في أطفالنا وشبابنا وفتياتنا ورجالنا ونسائنا، نهم في شراء الأجهزة المتنقلة والإلكترونية، والأجهزة الكهربائية، والمستخدمة في الألعاب، والترفيه، وأجهزة الاستقبال الفضائي، وفي كثير من الأحايين يقترض أرباب الأسر - وما أكثرهم - لتغطية نفقات رحلة ترفيهية صيفية قصيرة في حين أنه يعجز عن سداد نفقات أساسية في حياة أسرته.
وأنا لا أقر هذا الواقع المؤلم، فالإسلام يدعونا إلى الاعتدال في الإنفاق وترتيب الأولويات، لكن ما أدعو إليه هو أن نكون مربين حكماء في التعامل مع هذا الواقع وألا نتجاهله، بل نتعامل معه برفق وحكمة وصبر وتبصر، لأننا لا نملك أن نقضي على هذا النهم الترفيهي بين عشية وضحاها، بل نملك أن نتعامل معه تعامل المعالج الصبور، وأن نسعى إلى إيجاد البدائل بدلًا من كبح جماح الرغبات لأن الكبح قد يؤدي إلى نتائج أسوأ.
الترفيه بين فسحة الشرع وتضييق المتشددين
إن كثيرًا من الناس يقطب الجبين وتساوره الشكوك والريب بمجرد ذكر الترفيه أو اللعب أو الفن أو الهوايات أو السفر والسياحة.. أو غير ذلك من الأمور التي أصلها الحل والإباحة.
لقد خفي على هؤلاء أن النبي ﷺ أذن لعائشة رضي الله عنها بمشاهدة الأحباش يلعبون بالرماح في المسجد، تقول رضي الله عنها: «والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ ويسترني بردائه وأنا أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو» (رواه مسلم).
وقد سابق ﷺ عائشة رضي الله عنها في رياضة الركض «الجري»، وسبقته وسبقها، فقال لها: «هذه بتلك»، كما سمح لها بأن تلعب بالدمي، وسمح للجاريتين عندها بأن تغنيا وتضربا بالدف يوم العيد.
هذه المواقف وغيرها كثير تؤكد أن الإسلام دين عظيم، وأنه دين الفطرة الذي يلبي احتياجات النفس البشرية، فالإنسان بكل من العمل ويتعب، فيحتاج إلى الراحة بعد التعب وإلى الترفيه واللعب المباح بعد المعاناة والجد والاجتهاد والمجاهدة.
إن هذه المواقف لرسول الله ﷺ هي توجيهات سامية، تحبب الإسلام إلى نفوس الناس، تجمعهم ولا تفرقهم، وتؤكد لهم واقعية الشرع في استيعاب كل صنوف البشر، بما يحقق لهم الهداية ويثبتهم على طريق الحق حتى يعلم الجميع واقعية ديننا وفسحته.
ولقد حكى القرآن الكريم قول إخوة يوسف عندما طلبوا من أبيهم أن يخرج معهم يوسف عليه السلام، حيث قالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (يوسف: 12)، وبعد أن كادوا ليوسف وعادوا إلى أبيهم قالوا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ (يوسف: 17)، إذن هؤلاء أبناء نبي الله يعقوب، ويستأذنونه في أن يرتعوا ويلعبوا، كما أخبروه بأنهم كانوا في سباق.
وقد حثت السنة المباركة كل مسلم على أن يوازن في حياته بين الحقوق، حيث أقر رسولنا الكريم ﷺ قول سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما: «إن لنفسك عليك حقًا، وإن لربك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه» (رواه الترمذي).
وهذا أبو الدرداء الصحابي التقي النقي الورع المعروف بزهده في زخرف الدنيا وزينتها لا ينسى تصيبه من الترفيه والاستجمام المشروع، يقول: «إني لأستجم نفسي بشيء من الباطل غير المحرم فيكون أقوى لها على الحق» «هارون رشید قضايا اللهو والترفيه ص 132».
وقد ساقت لنا السنة المطهرة ألوانًا من الترفيه واللهو المباح، ومن ذلك: الركض، وسباق الخيل، والرماية، والسباحة، والمصارعة، والمداعبة، والممازحة، والملاعبة.. وغيرها.
الثمار التربوية للأنشطة الترفيهية:
لقد أكد علماء التربية القدامي والمحدثون أن للترويح ثمارًا تربوية عظيمة، يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله عن الصبي: «وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبًا جميلًا، يستريح إليه من تعب الكتب بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه بالتعلم دائمًا يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة، في الخلاص منه رأسًا» «إحياء علوم الدين».
ويقول ابن جماعة عن المتعلم: «ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره.. بتنزه وتفرج في المنتزهات، بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع عليه زمانه، ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن، فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط، وينشط البدن» «أحمد عبد العزيز – التربية الروحية في الإسلام، من 44 – 46».