العنوان من التعاون ضد الإرهاب إلى سياسة تغيير النظام
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 75
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 22
السبت 01-نوفمبر-2003
مد وجزر العلاقات الأمريكية- السورية
موقف الحكومة الأمريكية الساعي إلى تغيير النظام السوري امتداد لسياسة واشنطن التي مارستها في نهاية الأربعينيات مع أول انقلاب عسكري دبره الملحق العسكري في دمشق
واشنطن:
بول وولفويتز: سورية تمثل تهديدًا جديًا للولايات المتحدة وقواتها في العراق.. لا بد من التغيير.
مسؤول أمريكي: «صقور البنتاجون» طلبوا من (السي آي إيه) تزويدهم بقائمة شخصيات سورية يمكن أن تحل من الرئيس بشار الأسد.
قدمت الولايات المتحدة السورية ٦٢٧,٥ مليون دولار كمساعدات في الفترة من عام ١٩٥٠ حتى عام ١٩٨١ حين أوقفت إدارة ريجان برنامج المساعدات نهائيًا.
هناك سلسلة من المراسيم الرئاسية والتنفيذية التي تمنع المساعدات وتضع قيودًا على التجارة الثنائية.
«حزب الحرب» الذي يضم أنصار الكيان الصهيوني يشعر بالقلق من أن تكون إدارة بوش قدمت وعودًا لتخفيف العقوبات نظير تعاون سورية مع واشنطن في الشؤون الإقليمية.
موافقة مجلس النواب الأمريكي على مشروع «قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان»، في أعقاب قرار للجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي يوم الثامن من شهر أكتوبر الماضي بغالبية 33 عضوًا ومعارضة عضوين فقط، هذه الموافقة فتحت ملف العلاقات الأمريكية- السورية في العقود الثلاثة الأخيرة، والموقع الذي تحتله سورية على جدول أعمال «المحافظين الجدد»، وأنصار الكيان الصهيوني الذين يشكلون «حزب الحرب» المهيمن على صناعة القرار السياسي في واشنطن، حيث لم يخف كبار المسؤولين الأمريكيين ومن بينهم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، ونائبه بول وولفويتز رغبتهم في تغيير النظام في سورية على غرار ما فعلوه في العراق.
وقد ساهمت شهادة وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون ضبط ونزع الأسلحة جون بولتون يوم السادس عشر من شهر سبتمبر الماضي أمام لجنة العلاقات الدولية الفرعية حول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في مجلس النواب الأمريكي، والتي أكد فيها قلق واشنطن إزاء الادعاء بأن سورية تقوم بشكل متقدم بتطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية، وعلاقاتها مع «مجموعات إرهابية» متحدثًا عن تقارير، لم تتمكن الحكومة الأمريكية من التأكد من صحتها، تزعم بأن العراق نقل سرًا أسلحة دمار شامل إلى سورية لإخفائها عن مفتشي الأسلحة الدوليين.. هذه الشهادة ساهمت في تعزيز موقف أنصار الكيان الصهيوني داخل الكونجرس الداعين إلى إقرار مشروع قانون محاسبة سورية إذا أخفقت الحكومة السورية في تلبية عدد من المطالب الأمريكية.
وموقف الحكومة الأمريكية الحالية الساعي إلى تغيير النظام في دمشق هو امتداد لذات السياسة التي مارستها الولايات المتحدة منذ نهاية الأربعينيات مع أول انقلاب عسكري دبره وخطط له الملحق العسكري الأمريكي في دمشق الكولونيل ستيفن ميد في التاسع والعشرين من مارس ١٩٤٩م الذي أتى بالزعيم حسني الزعيم رئيسًا لسورية لمدة ١٣٤ يومًا، وبإيصال الزعيم إلى السلطة تمكنت الولايات المتحدة من تمرير اتفاقية خط أنابيب نفط التابلاين الذي كان البرلمان السوري في عهد الرئيس شكري القوتلي مانع في إقرارها بسبب شروطها المجحفة للمصالح السورية، وكذلك وقعت حكومة الزعيم على اتفاقية الهدنة مع الكيان الصهيوني التي كانت حكومة القوتلي ترفض شروطها المجحفة وبخاصة المتعلقة بالمنطقة منزوعة السلاح، ووصل الأمر بحسني الزعيم إلى درجة أن عرض على رئيس حكومة العدو الصهيوني آنذاك ديفيد بن جوريون توقيع صلح منفرد يخرج سورية من المواجهة مع العدو الصهيوني، لكن بن جوريون وفق ما تقول الوثائق هو الذي رفض ذلك لقناعته بأن كيانه الناشئ لا يمكنه من فرض اتفاقية صلح بشروطه استناداً إلى القوة والسيطرة العسكرية.
ورغم الإخفاق الذي أصاب الدور الأمريكي في سورية بنجاح الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد سامي الحناوي في أغسطس ١٩٤٩م المدعوم من بريطانيا، حيث أعدم الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، إلا أن الولايات المتحدة سرعان ما أمسكت بزمام الموقف عبر الانقلاب العسكري الذي قاده أديب الشيشكلي في ديسمبر ١٩٤٩م، والذي توطدت أركانه في الحادي والعشرين من نوفمبر في انقلابه الثاني، ليصار إلى انتخابه رئيسًا للجمهورية في أكتوبر ١٩٥٢، ثم أعاد البريطانيون الكرة في ٢٥ فبراير ١٩٥٤م بدعمهم انقلابًا أطاح بالشيشكلي.
وقد ضاعفت الولايات المتحدة في سياق مساعيها تعزيز نفوذها في سورية ومحاولاتها ضم سورية إلى تحالفاتها، إلا أن تعاطفها المتزايد مع الكيان الصهيوني دفع سورية إلى رفض مشروع جونستون الأمريكي لاستغلال مياه نهر الأردن في عام ١٩٥٤م. ومنذ ذلك الوقت اتبعت واشنطن أسلوب التلويح بالقوة في تصعيدها لمذكرات الاحتجاج دون أن يؤثر ذلك في حياد سورية برفضها الانضمام إلى حلف بغداد في ٢٤ فبراير ١٩٥٥م الذي عزز قوة تركيا ولجوء بعض السياسيين اليمينيين التقليديين إليها الذين عمدت الولايات المتحدة إلى استخدامهم إلى جانب تصعيد العدوانية الإسرائيلية في قطاع غزة وضد سورية، حيث رعت الولايات المتحدة- عبر بعثة مساعد وزير الخارجية الأمريكي روي أندرسون- الحشود التركية العسكرية الضخمة على الحدود الشمالية السورية، مترافقة بالتنسيق مع الحليف البريطاني في الشرق عبر بغداد فيما عرف «بمؤامرة حلف بغداد» لإسقاط النظام السوري بالضغط عليه من الخارج. وبعد فشل تلك المحاولة رعت الولايات المتحدة في عام ١٩٥٧م- بإشراف الملحق العسكري الأمريكي في دمشق الكولونيل هوارد ستون- محاولة انقلاب على الحكم الوطني برئاسة القوتلي الذي اتجه إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد السوفييتي والمؤيد لجمال عبد الناصر، حيث استهدفت محاولة الانقلاب تلك إعادة الشيشكلي، لكن الانقلاب فشل في المهد وتبعها قيام الوحدة المصرية- السورية، غير أن مؤامرة الانفصال في الثامن والعشرين من سبتمبر ١٩٦١م مثلت نجاحًا للولايات المتحدة في سورية، حيث تميزت فترة ما بعد الانفصال مباشرة بالقلاقل، وكان شرطها ألا تتحد سورية مع مصر والعراق.
وقد دخلت السياسة الأمريكية تجاه سورية مرحلة جديدة عقب وصول حزب البعث إلى الحكم في الثامن من مارس ١٩٦٣م تميزت بالمد والجزر وبخاصة بعد بزوغ نجم الفريق حافظ الأسد الذي جاء انقلابه عقب رفضه كوزير للدفاع استخدام سلاح الطيران لدعم المقاومة الفلسطينية في مواجهتها مع النظام الأردني في سبتمبر ١٩٧٠م في أعقاب ما قيل إنه إنذار إسرائيلي أمريكي بعدم التدخل العسكري في الأردن، وكان الأسد وافق تحت ضغوط قيادة حزب البعث على إدخال الفرقة الآلية الخامسة إلى شمال الأردن بقيادة اللواء أديب الأمير، إلى جانب لواء حطين التابع لجيش التحرير الفلسطيني الذي كان مرابطًا في سورية.
وقد شهدت العلاقات الأمريكية- السورية تحسنًا في أعقاب حرب السادس من أكتوبر ۱۹۷۳م، حيث زار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون دمشق في يونيو ١٩٧٤م (قبيل استقالته بعد انكشاف فضيحة ووترجيت)، وقام وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بجولاته المكوكية فيما بعد لترتيب اتفاقية فصل القوات في الجولان ولتغض الولايات المتحدة النظر عن دخول القوات السورية إلى لبنان في يونيو ١٩٧٦م لوضع حد لتقدم قوات الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية ضد مواقع القوى الانعزالية هناك وقد عادت العلاقات الثنائية إلى التأزم في أعقاب التفجير الاستشهادي الذي استهدف مقر قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) في ٢٣ أكتوبر عام ۱۹۸۳، وإفشال سورية لمشروع اتفاق الصلح الذي كانت حكومة الرئيس اللبناني أمين الجميل توصلت إليه بدعم أمريكي مع الكيان الصهيوني المحتل للبنان في السابع عشر من مايو ۱۹۸۳م، حيث أعلن الجميل في شهر فبراير ١٩٨٤ إلغاءه.
غير أن الإعداد الأمريكي للحرب على العراق في عامي ١٩٩٠/١٩٩١ حيث انضمت سورية لها بإرسال قوات إلى حفر الباطن في السعودية قد ساهم في تحسين العلاقات الأمريكية السورية، حيث شاركت سورية في مؤتمر مدريد للتسوية برعاية الولايات المتحدة في نهاية أكتوبر ۱۹۹۱م، وتبعتها المفاوضات العربية مع الكيان الصهيوني في واشنطن التي شاركت فيها سورية ولبنان والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية لتتوقف مع عقد اتفاق أوسلو بين ياسر عرفات وإسحق رابين في ١٣ سبتمبر ۱۹۹۳م. وقام الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون بزيارة دمشق في أكتوبر ١٩٩٤م.
وعندما بدأت الولايات المتحدة حملتها وحربها على ما أسمته «الإرهاب» أظهرت سورية عمليًا تعاونها مع واشنطن بهذا الشأن في مجال المعلومات الاستخبارية.
وعلى عكس الموقف السوري تجاه العراق عقب غزو الكويت في أغسطس ۱۹۹۰م، فإن سورية عارضت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في مارس ٢٠٠٣م وهو ما ساهم مجددًا في تأزيم العلاقات الأمريكية- السورية.
المساعدات الأمريكية والعقوبات
تعود علاقات المساعدات الأمريكية إلى سورية إلى عام ١٩٥٠م، حيث قدمت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين ما مجموعه 627.5مليون دولار كمساعدات لسورية، منها ٣٤ مليون دولار مساعدة تنمية، و ٤٣٨ مليون دولار كدعم اقتصادي، و 155.4مليون دولار كمساعدات أغذية، و11 مليون دولار للتدريب العسكري وإن معظم هذه المساعدات قدم خلال فترة قصيرة تميزت فيها العلاقات الثنائية بالدفء في الفترة ما بين ١٩٧٤- ١٩٧٩م. وقد مولت المساعدة الأمريكية مشاريع مهمة بما في ذلك إمدادات مياه وري وطرق ريفية وإنارة وأبحاث صحية وزراعية ولم تقدم الولايات المتحدة أي مساعدة لسورية منذ عام ۱۹۸۱م، عندما أغلقت واشنطن في عهد الرئيس رونالد ریجان آخر برامج مساعدة لسورية.
وفي الوقت الراهن هناك قوانين وقرارات متنوعة تتمثل في مراسيم رئاسية وتنفيذية تمنع تقديم أي مساعدة أمريكية إلى سورية وتضع قيودًا على التجارة الثنائية وفيما يلي أمثلة على ذلك:
قانون المساعدة الأمنية الدولي وضبط الأسلحة لعام ١٩٧٦م:
يتطلب هذا القانون وقف المساعدة الخارجية للدول التي تساعد أو تحرض على الإرهاب، وهذا النص دمج في قانون المساعدة الخارجية لعام ١٩٦١م. ولم تتأثر سورية بهذا الحظر إلا في عام ۱۹۷۹م، كما هو واضح في القانون الأمريكي للتصدير في ذلك العام.
ويتطلب هذا القانون من وزيري التجارة والخارجية الأمريكيين إبلاغ الكونجرس الأمريكي قبل إعطاء رخص تصدير بضائع أو تكنولوجيا- تصل قيمتها إلى أكثر من سبعة ملايين دولار- إلى دول يتأكد أنها داعمة لأعمال الإرهاب الدولي، وقد تم تبني تعديلات في عام ١٩٨٥ وعام ١٩٨٦م فيما يتعلق بذلك، حيث تم تخفيض المبلغ إلى مليون دولار.
وقد تمخض عن هذين القانونين ما يسمى بـ«قائمة الإرهاب»، التي تعدها سنويًا وزارة الخارجية الأمريكية، وتضم الدول التي تزعم واشنطن أنها ترعى ما تسميه «الإرهاب» وتم إدراج اسم سورية على القائمة منذ أن صدرت لأول مرة في عام ١٩٧٩م، في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وهو ما تسبب في عدد من العقوبات والقيود التجارية الأمريكية ضدها.
القانون الشامل للأمن الدبلوماسي والمناهض للإرهاب العام ١٩٨٦م:
هناك فصل في هذا القانون يمنع تصدير مواد موضوعة على قائمة الذخائر والعتاد الحربي إلى الدول التي يتقرر أنها تدعم الإرهاب، كما أن هناك فصلاً يحظر التزام وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تقديم أموال مساعدة إلى دول مدرجة على قائمة الإرهاب.
القانون الشامل للتسوية في الميزانية لعام ١٩٨٦م والذي عدل قانون العائدات الداخلي لعام ١٩٥٤م لمنع تقديم قروض ائتمانية للضرائب الأجنبية على فوائد الدخول أو الفوائد المستفادة من دول مدرجة على قائمة الإرهاب.
القانون المناهض للإرهاب وضبط الأسلحة لعام ١٩٨٩م المعدل الذي يفرض إخطارًا من قبل الكونجرس، ورخصة لتصدير بضائع أو تكنولوجيا لدول مدرجة على قائمة الإرهاب إذا كانت مثل هذه الصادرات يمكن أن تساهم في تعزيز مقدرتها العسكرية أو تعزيز قدرتها على دعم الإرهاب، كما أن هناك فصلاً يحدد شروط إزاحة بلد ما من تلك القائمة ومنها أنه يجب على الرئيس الأمريكي أن يؤكد تلك الدولة التي استجابت لشروط تظهر بوضوح أنها لم تعد متورطة في دعم النشاط الإرهابي.
قانون التمييز المناهض للاقتصاد لعام ١٩٩٤م الذي يحظر بيع أو تأجير مواد عسكرية أو خدمات لأي بلد يثير شكوكًا حول المؤسسات الأمريكية بشأن امتثالها للمقاطعة العربية لإسرائيل وتشمل هذه النصوص تأجيلاً رئاسيًا، إلا أنه لم يستخدم مثل هذا التأجيل بالنسبة لحالة سورية.
القانون المناهض للإرهاب وعقوبة الموت لعام ١٩٩٦م: وهو يتطلب أن يوقف الرئيس الأمريكي المساعدة إلى دولة ثالثة تقدم مساعدة أو معدات عسكرية قاتلة إلى دول مدرجة على قائمة الإرهاب، ولكن يسمح القانون للرئيس بتأجيل النصوص على أساس المصلحة القومية الأمريكية.
وهناك فصل ينص على أن أي مواطن أمريكي أو مقيم ينخرط في صفقات مالية مع حكومات دول مدرجة على قائمة الإرهاب، إنما يقوم بعمل إجرامي باستثناء ما تنص عليه التعليمات الصادرة من وزارة المالية الأمريكية بالتشاور مع وزير الخارجية وبالنسبة لسورية فإن تطبيق التعليمات يمنع مثل هذه الصفقات التجارية.
عقوبات أمريكية محددة على سورية
إضافة إلى العقوبات العامة السابقة، فإن نصوصًا محددة في اعتمادات المساعدة الخارجية الأمريكية تم وضعها منذ عام ١٩٨١م منعت سورية من استلام مساعدة أمريكية وقد ظهر آخر حظر في قرار الاعتمادات المدعمة لعام ٢٠٠٣م الذي يحظر المساعدة الأمريكية المباشرة لسبع دول مدرجة على قائمة الإرهاب من بينها سورية.
وهناك فصل في قانون المساعدات الخارجية لعام ١٩٦١م المعدل بقانون العلاقات الخارجية لعام ١٩٩٤/١٩٩٥م يدعو إلى وقف الولايات المتحدة اعتمادات أو مساهمات في المنظمات الدولية لبرامج تستفيد منها ثماني دول محددة من بينها سورية التي كانت في ٣١ ديسمبر عام ٢٠٠١م مدينة بـ 237.8 مليون دولار للولايات المتحدة بما فيها 116.2 مليون دولار متأخرات.
وفرضت الحكومة الأمريكية قيودًا تجارية مفصلة على الصادرات إلى سورية.
دور الكونجرس الأمريكي ضد سورية
تلقى الكونجرس العديد من مشاريع القوانين التي تحمل سورية المسؤولية، ففي ١٨ أبريل ۲۰۰۲م تم تقديم مشروع قانون في مجلسي النواب والشيوخ سمي بقانون محاسبة سورية لعام ۲۰۰۲م، يدعو إلى فرض عقوبات أمريكية إضافية ضد سورية ما لم توقف دعمها لما تسميه واشنطن «الإرهاب» وإنهاء «احتلالها» للبنان ووقف تطوير أسلحة دمار شامل ووقف وارداتها «غير المشروعة» من النفط العراقي!
وفي الثاني عشر من أبريل ۲۰۰۳م، قدم اثنان من أبرز أنصار الكيان الصهيوني في مجلس النواب الأمريكي هما رئيسة لجنة العلاقات الدولية الفرعية حول الشرق الأوسط في المجلس إيلينا روزليتينين (جمهورية من ولاية فلوريدا)، والعضو الديمقراطي في المجلس إليوت إنجيل (من نيويورك)، مشروع قانون «محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان» يُحمّل سورية مسؤولية دعمها الإرهاب، واحتلال لبنان وامتلاك أسلحة دمار شامل واستمرارها في تطوير هذه الأسلحة. ويطلب فرض عقوبات على سورية ما لم توقف دعم منظمات المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما، وحزب الله في لبنان وسحب كل القوات العسكرية والأمنية السورية من لبنان، ووقف تطوير أسلحة دمار شامل.
وتشمل العقوبات: حظر تصدير التكنولوجيا العسكرية (الممنوعة بموجب قانون آخر)، وبعض المواد ذات الاستخدام المزدوج مثل تكنولوجيا تصنيع الدواء.
ويطلب من الرئيس الأمريكي فرض عقوبتين أو أكثر من مجموعة من ستة بنود هي: حظر جميع الصادرات إلى سورية باستثناء المواد الغذائية والأدوية وحظر الشركات التجارية الأمريكية العاملة في سورية ومعظمها في صناعة النفط أو المستثمرين من العمل في سورية ومنع هبوط أو تحليق طائرات سورية فوق الولايات المتحدة، وتخفيض الاتصالات الدبلوماسية مع سورية وفرض قيود على حركة الدبلوماسيين السوريين في الولايات المتحدة، وعرقلة الصفقات مع سورية وتجميد الأرصدة السورية في الولايات المتحدة وفي الأول من مايو ٢٠٠٣م قدم مشروع قانون في مجلس الشيوخ برعاية العضوة الديمقراطية بربارة بوكسر والعضو الجمهوري ريك سانتورم، يشمل عقوبات اشتملت عليها مشاريع قوانين أخرى وكلا المشروعين يحظيان- كما يقول أصحابهما- بتأييد نحو ثلاثة أرباع أعضاء المجلسين.
بدائل ومضاعفات
وهناك نظرية تقول إن العلاقات الثنائية الطبيعية يجب أن تكون مشروطة بتحسن سجل حقوق الإنسان في سورية ونبذها الواضح للإرهاب وتجارة المخدرات والتراجع عن بعض السياسات التي تعتبر معادية للمصالح الأمريكية.
وكان المدافعون عن وجهة النظر هذه- ومعظمهم من أنصار الكيان الصهيوني وما اصطلح عليه في واشنطن باسم «حزب الحرب» الذي يضم المحافظين الجدد- يشعرون بالقلق بصورة خاصة إزاء أي إمكانية بأن تكون حكومة بوش قدمت وعودًا لتخفيف العقوبات (على سبيل المثال إزاحة سورية من قائمة الإرهاب) للحصول على تعاون سورية في الشؤون الإقليمية، وهؤلاء يميلون إلى عدم تشجيع الاتصالات الثنائية، مثل زيارات يقوم بها مسؤولون سوريون إلى الولايات المتحدة والتي يرون فيها أداة محتملة لجر الحكومة الأمريكية إلى تنازلات سابقة لأوانها وهم يحبذون استمرار مشاريع القوانين ضد سورية للتأكد من أن تخفيف العقوبات لا يمكن أن يحدث إلا بعد موافقة الكونجرس.
وكان هؤلاء وراء الموقف المتشدد للبيت الأبيض ضد سورية رغم اعتراف المسؤولين الأمريكيين أن سورية لا تزال حتى الآن تتعاون فيما يتعلق بملاحقة تنظيم القاعدة وذلك بتقديم معلومات استخبارية بشأنهم.
وهناك نظرية ثانية تقوم على أساس الدبلوماسية الهادئة الهادفة إلى تشجيع سورية على أن تلعب دورًا بناء ومسؤولاً في الشؤون الإقليمية يمكن أن يؤدي إلى فوائد بالنسبة لها ومؤيدو هذه النظرية لا يتبنون وقفاً فورياً للعقوبات بدون أي إجراء آخر من سورية، وهم على أية حال يؤيدون توسيع الاتصالات بين المسؤولين الدبلوماسيين والأمنيين بين البلدين لبحث المسائل الحساسة والبحث عن أرضية مشتركة لتحديد المجالات المحتملة للتعاون بينهما، وهم يحبذون سلسلة من الخطوات الصغيرة والمتبادلة يمكن أن تؤدي إلى علاقات أكثر دفئاً مع مرور الوقت وبدلاً من العقوبات التشريعية، فإنهم يفضلون بشكل عام ترتيبات يكون لدى حكومة بوش فيها مرونة لتطبيق أو تخفيف العقوبات طبقًا للحالة الراهنة للعلاقات الثنائية.
غير أن تصاعد المقاومة المسلحة والانتفاضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جانب تصاعد المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي في العراق دفع الحكومة الأمريكية إلى الاصطفاف إلى جانب سياسة رئيس الحكومة الصهيونية أرييل شارون الذي يريد تصدير الأزمة الإسرائيلية إلى الخارج باستهداف سورية، وذلك بعد عجزه عن تصفية المقاومة والانتفاضة. وقد عبّرت تصريحات الرئيس بوش في أعقاب العدوان الصهيوني الأخير على سورية يوم الخامس من أكتوبر الماضي- الذي استهدف موقع عين الصاحب قرب دمشق- عن تبني البيت الأبيض لمجمل الموقف الإسرائيلي وهي تصريحات تظهر إلى أي مدى نجح المحافظون الجدد في ربط السياسة الأمريكية بحكومة شارون المتطرفة وهو هدف رئيس يعود إلى أول حكومة لليكود برئاسة مناحيم بيجن.
وتأييد بوش العلني للعدوان الإسرائيلي على عين الصاحب يعتبر ابتعادًا مذهلاً عن عقود من الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة.
وكان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أبلغ الرئيس السوري بشار الأسد في زيارته التي قام بها إلى دمشق في الثالث من شهر مايو الماضي بأنه «من الأفضل أن تقوموا بالعمل أو أن آخرين سيقومون بذلك».
كما أن مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ويليام بيونز في زيارته المقتضبة إلى دمشق يوم الرابع عشر من شهر أغسطس الماضي أكد للرئيس بشار الأسد ضرورة أن تقوم سورية بضبط ما أسماه «المجموعات الإرهابية» والحفاظ على هدوء جبهة الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة وحراسة حدودها وخاصة مع العراق.
وقد أبلغت حكومة بوش الكونجرس يوم الثالث من أكتوبر الماضي أنها لن تعارض تمرير مشروع قانون محاسبة سورية وقالت روزليتينين إن «الحكومة قالت إنها لن تقف في طريق مشروع القانون، وهو ما يعني بشكل ما أنها تؤيده، وفي الوقت نفسه لم تعلن عن رسالة دعم».
ولكن بعد العدوان الإسرائيلي على (عين الصاحب) أعرب بعض كبار أعضاء لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي عن اعتقادهم بأنه ربما يتوجب تأجيل طرح مشروع القانون اعتقادًا منهم أن حكومة بوش سوف تنتقد الكيان الصهيوني بسبب العدوان وقالت روزليتينين: «كنا قلقين من أن الحكومة سوف تعترض على مشروع القانون، ولكنني أعتقد الآن بأن الغارة الإسرائيلية قد عززت في الحقيقة موقفنا، لأنني أعتقد أن العديدين قد أدركوا في النهاية حقيقة أن المشكلات التي تواجهها إسرائيل لا تأتي فقط من الفلسطينيين في الداخل، بل من الدول التي توفر ملاذًا للإرهابيين وتدربهم وتمولهم وتسلحهم».
وقد جاء إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في وقت مبكر من شهر أكتوبر الماضي أن البيت الأبيض لا يتخذ موقفًا معينًا، بمثابة الضوء الأخضر لتمرير مشروع قانون محاسبة سورية في وقت ترتفع فيه أصوات أنصار الكيان الصهيوني و«حزب الحرب» مطالبين بضرورة تبني البيت الأبيض سياسة «تغيير النظام في سورية وإيران» على غرار تبنيها سياسة تغيير النظام في العراق حيث قام هؤلاء من خلال «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية» التي تعتبر ذراعًا لهم بعقد ندوة يوم التاسع والعشرين من شهر سبتمبر الماضي في واشنطن تحدث فيها غلاة اليمين الأمريكي المتطرف وأنصار الكيان الصهيوني من بينهم السفير الأمريكي السابق لدى المغرب مارك جينزبيرج، ودانيال بايبس اللذان شنا هجومًا حادًا على سورية. وقال جينزبيرج: «إنه إذا كانت سورية غير قادرة لاعتباراتها السياسية الخاصة على مكافحة (الجماعات الإرهابية) في البقاع اللبناني، فيجب على الولايات المتحدة اتخاذ الخطوات العملية التي من شأنها أن تحمي جنودنا في العراق ومصالحنا في المنطقة، وأن يكون خيار القصف الجوي الانتقائي هو حق تحتفظ به الولايات المتحدة. أما بايبس فقد أكد أن «الخطر الذي تشكله سورية على المصالح الأمريكية في المنطقة على إسرائيل لا يقل عن ذاك الذي كان يشكله صدام حسين خاصة وأن سورية تملك أنواعًا مختلفة من أسلحة الدمار الشامل».
إيجاد عملاء
ونقلت خدمة صحف نايت رايدر في تقرير لها يوم السادس من أكتوبر الماضي عن مسؤول أمريكي كبير أن «صقور» وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» طلبوا من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي أي إيه» تزويدهم بقائمة شخصيات سورية يمكن أن تحل محل الرئيس بشار الأسد، وكان أنصار الكيان الصهيوني وتحديدًا «اللوبي اليهودي – الإسرائيلي» في واشنطن قد عملوا على «فبركة» حزب سوري معارض في واشنطن تحت اسم «حزب الإصلاح » وضعوا على رأسه فريد الغادري، وهو ابن الصحفي السوري المقيم حاليًا في دمشق نهاد الغادري والذي يصدر صحيفة «المحرر» الأسبوعية ويعترف فريد الغادري رغم زعمه بأن حزبه يمثل مليوني سوري بعدم وجود أعضاء بارزين في صفوفه.
فالمحافظون الجدد الذين يعتبرون أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان نفس الأعداء ويشتركان في نفس القيم، كانوا يضعون سورية نصب أعينهم، وإن عددًا كبيرًا من المسؤولين في حكومة بوش الحالية وخارجها ممن حبذوا جعل سورية هدفًا أوليًا في الحرب الأمريكية على الإرهاب، وقّعوا قبل أربع سنوات دراسة بعنوان «إنهاء احتلال سورية للبنان: الدور الأمريكي»، تدعو بوضوح إلى استخدام القوة العسكرية لتجريد سورية ممن يزعمون أنها أسلحة دمار شامل وإنهاء وجودها العسكري في لبنان وقد شارك في وضع الدراسة دانيال بايبس الذي عينه بوش عضوًا في مجلس إدارة المعهد الأمريكي للسلام، وزياد عبد النور الذي يترأس اللجنة الأمريكية من أجل لبنان حر.
ويلاحظ أن نفس النصوص العامة الواردة في الدراسة قد تضمنها مشروع قانون محاسبة سورية. كما يسود الاعتقاد بأن أعمال شارون ضد سورية قصد منها تعزيز مشروع القانون ليصبح قانونًا نافذًا، وما يؤكد ذلك أن تمرير مشروع القانون في لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي جاء بعد ثلاثة أيام فقط من العدوان الإسرائيلي على عين الصاحب وقد وصل الأمر بمحللين إلى القول إن بوش قد ضم سورية بالفعل إلى قائمة دول محور الشر على خلفية انهيار النظام العراقي، وإعداد الرأي العام الأمريكي والعالمي لتوجيه حملة أخرى ضد «دكتاتورية أخرى».
كما أن سورية ذُكرت كهدف في رسالة علنية إلى الرئيس بوش في ٢٠ سبتمبر ٢٠٠١م بعد تسعة أيام من هجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن، وجهها عدد من المرتبطين بمشروع القرن الأمريكي الجديد الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع معهد أمريكان إنتربرايز.
ومن بين الإجراءات الأخرى دعا واضعو الرسالة (الذين هم تقريبًا موقعو الدراسة) بوش إلى استهداف حزب الله في لبنان، وقالت: «إننا نعتقد أنه يتعين على الحكومة أن تطلب من إيران وسورية وقف كل دعم عسكري ومالي وسياسي لحزب الله وعملياته، وإذا رفضت إيران وسورية الامتثال للطلب فإنه ينبغي على الحكومة (الأمريكية) أن تنظر في اتخاذ إجراءات مناسبة للرد الانتقامي ضد هاتين الدولتين المعروفتين برعايتهما للإرهاب»، وأكدوا في الرسالة أن «إسرائيل كانت وستبقى الحليف القوي لأمريكا ضد الإرهاب الدولي وبخاصة في الشرق الأوسط، وينبغي على الولايات المتحدة أن تؤيد بالكامل زميلتنا الديمقراطية (إسرائيل) في كفاحها ضد الإرهاب»..!!
مقاول أمني بستة بنود
وقد عمدت وزارة الخارجية الأمريكية في سياق هدفها إلى تحويل سورية إلى «مقاول أمني» على غرار ما تطلبه من السلسلة الفلسطينية، إلى بلورة مذكرة من ست نقاط تدعو الحكومة السورية إلى:
- العمل على ضبط حدودها مع العراق وأن تمنع تسلل عناصر مقاومة إلى العراق.
- ضبط جميع الحسابات والأرصدة المالية لأي من عناصر نظام الرئيس العراقي صدام حسين داخل سورية وتسليمها إلى سلطة الاحتلال الأمريكي في العراق.
- عدم الاكتفاء بغلق مكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق، بل يجب طرد جميع العناصر القيادية لهذه المنظمات إلى خارج سورية، وفي حال عدم القيام بذلك، فإن سورية ستكون شريكة في المسؤولية عن أي عمليات فدائية تقوم بها هذه المنظمات داخل فلسطين المحتلة.
- سحب القوات السورية من لبنان، ولكن دون النص على ذلك بشكل مباشر، حيث ستضع وزارة الخارجية صيغة ذلك بضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان، وضرورة تقيد سورية بما نص عليه اتفاق الطائف بإعادة نشر سورية لقواتها في لبنان.
- وقف الدعم لحزب الله في لبنان.
- الإعلان رسميًا أنها لا تملك أسلحة كيماوية أو بيولوجية، وإذا كانت تملك ذلك فينبغي أن تقوم بالكشف عنها للعمل على تدميرها ووقف برامج إنتاجها.
ويقول مراقبون سياسيون: إن موقف واشنطن المنحاز للكيان الصهيوني سيضع مزيدًا من العراقيل أمام سياسة الولايات المتحدة إزاء المنطقة حيث من شأن تمرير مشروع القانون أن يزيد من حالة العداء للولايات المتحدة في أوساط الجماهير العربية التي تعتبره تصعيدًا لسياسة العداء للعرب، ويعزز الانطباع بأن لدى الحكومة الأمريكية سياسة لتغيير أنظمة المنطقة، وهو ما كان صرح به بعض المسؤولين الأمريكيين عشية الحرب على العراق.
وقد حذر غاري سيك- وهو مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي في عهد حكومة الرئيس الأسبق جيمي كارتر- من أن الدول المستهدفة قد تجتمع معًا باعتبارها دولاً عربية قومية جيدة لإلحاق الهزيمة بالغزاة» وتساءل سيك: «هل يؤدي ذلك إلى تسريع الإصلاح السياسي؟ وهل ستتمكن هذه الدول من السيطرة أكثر على سكانها؟ إن المنطقة قد تصبح مناهضة أكثر للولايات المتحدة، وسيؤدي ذلك إلى دفع العناصر الإسلامية الأكثر راديكالية لتجنيد المزيد من الدعم وتشجعها على تحدي حكوماتها» وقال: «إننا لا نريد سلسلة من الثورات الإسلامية».