; المجتمع الثقافي (العدد 1207) ص 54 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1207) ص 54

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996

مشاهدات 173

نشر في العدد 1207

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 09-يوليو-1996

من الأوراق الأخيرة للدكتور «نجيب الكيلاني» الأدب الإسلامي هو الرابط الوثيق بين الكلمة والمعتقد من خلال التصحيح للفطرة والإسلام

دكتور محمود خليل

يكتسب الأدب الإسلامي خصوصية، من الربانية التي ينتمي إليها إبداعا ومنهجًا.. غاية وممارسة تلك الربانية هي التي تكسبه الخلود والبقاء.. وتفيض عليه من الإنسانية والعالمية، وتوسع دائرته بالشمولية والتكامل.. وتؤصل فيه المسؤولية التي تتفيأ الصلاح والإصلاح.. ذلك لأن الأدب الإسلامي هو الرباط الوثيق بين الكلمة والمعتقد من خلال التصور الصحيح للفطرة والإسلام.

والراحل الكبير الدكتور نجيب الكيلاني.. الذي ودع دنيانا في مثل هذا الوقت من العام الماضي.. واحد من المتفردين القلائل والرواد الموهوبين الأمناء لرسالة الدعوة الإسلامية عبر ميادين الأدب المختلفة.. قصة وشعرًا ورواية وتنظيرًا.. ولأن همة الرجل كانت أكبر من آلامه.. وموهبته كانت أعلى من جراحاته المتواصلة.. فقد التقى بالموت في منتصف الطريق.. تاركًا على مكتبه الكثير من المشروعات الفكرية والأدبية والروايات شبه المنتهية.. وحاملًا معه من الأفكار والإشراقات ما سوف يكون قربة له عند ربه إن شاء الله تعالى..

ومن بين أوراقه الأخيرة، تلك المقدمة التي كتبها لديوان «رسالة إلى سيف الله المسلول» لكانت هذه السطور وقد ترددت كثيرًا في نشر هذه الورقة.. الدوافع ودواع لا تخفى على قارئ المجتمع.. لكن الحقيقة تمضي بنا في هذا لتعرف أن هذا السبيل.. الرجل الكبير الدكتور نجيب الكيلاني قد ظل معانقًا لقلمه، وفيا لدعوته ورسالته حتى النزع الأخير من حياته.. ليترك لنا مثالًا صادقا للأديب المسلم المنشود.

جدير بالذكر أن هذه المقدمة كان من المفروض أن يتوج بها الديوان - رسالة إلى سيف الله المسلول - في طبعته الأولى.. غير أن ظروف النشر كانت قد عجلت به من قبل.. وسوف تكون كلمات الكيلاني، هي الدرة الفريدة في صدر طبعته الثانية إن شاء الله تعالى.. وما دفعنا إلى نشرها، إلا لأنها وثيقة من أخريات الكلمات الطيبة التي خطها الراحل الكريم قبيل رحيله في مثل هذا الموعد من العام الماضي.

ومع كلماته الطيبات.. دون تدخل منا نعيش عبر هذه السطور:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد

الشعر بطبيعته لا ينفصل عن الذات، أو ينأى عن أهواء النفس وآمالها وآلامها، ولهذا فالشعر هو الشاعر، وحدة متماسكة لا تتجزأ، وكيان متحد لا ينفصم، ولا يمكن أن يكون الشعر إلا كذلك، وشاعرنا الأخ الأستاذ محمود خليل عاشق متيم بالتاريخ العظيم لأمته، متبتل في محراب مجدها الشامخ، عقيدة ورجالا ومعارك، ويحاول دائمًا أن يستلهم ذلك التراث الرائع، ويصول ويجول في جنباته، وليس من العسير على قارئ شعره أن يعرف انتماءه، ويكتشف أشواقه، ويدرك أهدافه، وهنا نجد الرباط الوثيق بين الكلمة والمعتقد بوضوح تام، فسنجد ذلك جليا في عدة أمور:

أولها: عناوين القصائد.

ثانيها: مفردات الألفاظ الشعرية لديه، واقتباسه البعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ولشطرات أو أبيات لشعراء آخرين يضعها بين قوسين.

ثالثها: التغني بقيم الإسلام العليا، من جهاد وعدالة وتضحية، وتفان في خدمة الدعوة، وانشغال دائم بها.

رابعها: أسماء الأعلام من الصحابة والمجاهدين والمصلحين نجدها في معظم قصائد الديوان.

خامسها: النظر إلى واقع المسلمين المرير، وانتكاساتهم المحزنة، من خلال الرؤية الإسلامية، وكأنه يقول: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».

سادسًا: الندم والنقد الذاتي - أو جلد الذات ـ إن صح التعبير، فنحن مشاركون جميعا فيما آلت إليه أمور الأمة من اضمحلال وفساد، وهزيمة وتقهقر، يقول في قصيدته رسالة إلى سيف الله المسلول:

یا خالد 
خارطتي فاجعة جدا.. 
لا أذرع فيها.. لا قلب ولا سيقان 
خارطتي فاقدة النطق 
وفاقدة السمع 
مسجاة تحتضر الآن 
قتلانا من غير قبور 
أبدان من غير رؤوس
منبرنا يرعف بالبهتان
يا خالد.. أدركنا..
في سيفك بعض البرء... فأدركنا
لا نجد لموتانا لحدًا
لا نملك ثمن الأكفان
وتراه يهتف بالفاتح العظيم خالد بن الوليد في نهاية هذه الملحمة قائلًا: 
فاسمح لي

أن أرفع بصمة حافر خيلك لتصير شعارًا
لبيان يلقى في عيد النصر المقبل إن شاء الله.

ولأن حياة الشعر فكرته الصحيحة السامية، وجمال أوزانه، ومعانيه الرائعة، فإن شاعرنا يترجم عن وجدانه بأمانة، ويعرب عن مذهبه ومعتقده بجلاء واضح، وفنية جميلة.. فيقول:

أتى الظلام الذي لا صبح يعقبه 
إلا يعود إلى القرآن ينجينا 
دستورنا المرتجى في وجه من شنئوا 
ووجه من حكموا حكامنا فينا 
لا نرتضي غيره في الحكم شرعتنا 
إنا كفرنا بمن لسواه يدعونا 
في كل حرف به نمتد سارية 
ونمتطي صهوة.. نستل سكينا 
تسري بآياته أرواح لذتنا
«والموت في ظله أسمى أمانينا».

ثم يعرض فكرته الإسلامية التي تملك عليه فؤاده، في تصوير مبسوط، وحجة بلاغية عذبة:

قولوا لحكامنا «الله غايتنا»              فإن تقولوا بها جئنا ملبينا

نصبُ مًاء طهورًا كي نوضئكم        فهل شققنا عصا أو شق داعينا

وهي قصيدة رصينة - كسائر شعره – معبأة بالثورة والحرية.. وعلى حد تعبيره يقول:

يا سيدي.. لغة الكلام إليك تنزف من دمي وبغير سيف الله ليست تحتمي .

وشاعرنا يتجول مع آلام وجراحات المسلمين في البوسنة والهرسك، وكشمير وبورما، ومصر، وتونس وبخاري وبلغاريا والجزائر وفلسطين..

كما يقدم أغاريده الجياشة «يا فتى القرآن» و«إلى رحاب يثرب» و«يا شعب الله المختار» و«اسبقيني».. و«إني قطعت العهد أن أسير».

وشاعرنا ينحو منحى ملحميًا في كثير من قصائده، ولكن يحسب له أنه لم يقع في مصيدة «السرد» التي قد تؤثر على الصورة الفنية للقصيدة.. فتعامل مع ذلك الهدف بمهارة وحذر.. ويجب أن نتنبه إلى قضية حيوية وهي أن لشعر الدعوة منطلقًا خاصًا.. ذلك أن الشاعر حريص أشد الحرص أن تصل رسالته إلى المتلقي بوضوح وصدق، وحتى تؤتي كلماته ثمارها، فليس مطلوبًا من «الشاعر الداعية»، أن تكون رسالته مشوبة بالإبهام أو الغموض، أو باعثة على الحيرة عيية على الفهم، وإلا ضلت الطريق إلى الهدف الذي يتوخاه الشاعر.

وهذا لا ينفي أن لدى أي شاعر، الكثير من الموضوعات التي يعوزها الرمز الجميل، والإيحاء المثير، وقدر من الغموض الموظف توظيفًا فنيا مؤثرًا، يستمري تجربة الشاعر، ويعايشها ويفكر فيها طويلًا، فتزيد من متعته وتشغله بكل ما هو رائع ومحرك للمشاعر، وباعث على اتخاذ مواقف إيجابية في الحياة.

لقد حاول الوجوديون «سارتر» إخراج الشعر من دائرة الالتزام والمسؤولية في فترة من الزمن، سائرين في ذلك على درب الرومانسية ودعاة البنيوية، لكننا نعلن دائمًا.. بثقة لا تتزعزع - في إطار الأدب الإسلامي - أن الفن وسيلة لا غاية - وأن الالتزام عندما ينسحب على الشعر والنثر معا، بل وعلى كل الفنون التشكيلية والمسرحية والتمثيلية، وهي قضية عقيدة لا تراجع عنها.. فنحن نحتفي بالجمال شكلا ومضمونًا. ولم نقل في يوم من الأيام بإهدار القيم الجمالية من أجل القيم المضمونية، وللشاعر المسلم أن يلجأ إلى كافة الأشكال الفنية باعتبارها تراثًا إنسانيًا للجميع، وأن يضيف إليها، ويبدع كما شاء، دون أن يضحي بالقيم الفكرية التي تعتبر هيكل البناء في الصورة الفنية.

ونحن إزاء تجربة شاعر واعد التزم بقضايا أمته في هذه المجموعة الشعرية «وهي الثالثة له» ويملك الأدوات الفنية والفكرية القادرة على إثراء المسيرة، والمضي بها قدما إلى الأمام، ومن أجل المشاركة في تشكيل وجدان الأمة الإسلامية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة.

ولا يسعني إلا أن أحيي روحه الوثابة، وولاءه العقيدي، وإبداعه الفني المتوهج، أملا أن يقدم لنا دائمًا المزيد من تلك التجارب التي تجمع بين المتعة والفائدة وأن يساهم بكلماته في صنع الغد الأفضل لأمته الجديرة بالتفوق والازدهار والنصر، وبالله التوفيق.

نجيب الكيلاني:

.. وهكذا يؤكد الرائد الكبير الراحل، مبدأ المسؤولية والالتزام على طريق الأدب الإسلامي الرفيع.. ويضرب مثالًا رائعًا بتقديم النموذج المثال.. ويؤصل الأهمية البالغة لتواصل الأجيال على الطريق المضيء لهذا الأدب الرباني الوهاج.

الشخصية اليهودية.. والاختراق الفيروسي

من الحقائق المعروفة في علم الأحياء أن الفيروس كائن دقيق جدا لا يُرى إلا بميكروسكوب خاص نظرًا لصغر حجمه، والفيروس لا يستطيع الحياة بذاته وإنما يظل كامنًا وكأنه جسم صغير غير حي، حتى إذا استطاع أن يخترق جدار خلية حية فإنه ينشط ويتوجه مباشرة إلى نواة هذه الخلية فيخترقها ويغير برنامج التشغيل فيها فتنتج مواد بروتينية تلائم حياة الفيروس لكي ينمو ويتكاثر، وبما أن نواة الخلية هي مركز الحياة فيها فإن بقية أجزاء الخلية تضعف وتضمر الحساب حياة الفيروس الدخيل، وإذا استمر هذا الوضع فإن الخلية ربما تموت بالكامل ولكن بعد أن يكون الفيروس قد استغل إمكانياتها ومخزونها لتكاثره، والاحتمال الثاني هو أن تفيق الخلية وتنتبه إلى هذا الكائن الدخيل وتبدأ في محاصرته ومقاومته وتسترد عافيتها مرة أخرى.

وقد انتقل هذا المفهوم من علم الحياة إلى علم الكمبيوتر حيث استخدم لفظ «الفيروس» للدلالة على برامج متخفية تتسلل إلى أقراص الكمبيوتر فتمسح برامج وتضيف برامج أخرى دخيلة فيضطرب النظام لحساب البرامج الدخيلة.

ولو أردنا تطبيق هذا المفهوم في علم الاجتماع فسوف نجد النموذج اليهودي أقرب مثال لهذا الاختراق الفيروسي، فاليهود في كل مراحل التاريخ وفي كل المجتمعات كانوا يعيشون أقلية في مناطق معزولة ولا يذوبون أبدا في أي مجتمع، ولكنهم يتحينون الفرص حتى إذا وجدوا ثغرة أو نقطة ضعف تسللوا منها إلى مراكز التأثير الاجتماعي «السياسة، الإعلام، المال، الجنس.. إلخ» وبدأوا في تغيير البرنامج الاجتماعي لصالحهم وبذلك يسخرون كل الإمكانات والطاقات لصالح بقائهم ونموهم وازدهارهم، وبالطبع يتم ذلك على حساب الجسد الاجتماعي الذي تم اختراقه، ويستمر هذا الوضع إلى أن تنفد إمكانات هذا الجسد الاجتماعي أو يتحلل فيتركه الفيروس اليهودي ويبحث عن جسد آخر يخترقه ويبرمجه ويسخره، وربما يسأل سائل: ولماذا يسمى الجسد الاجتماعي بهذا الاختراق «الفيروس» اليهودي إذا كان ليس في صالحه؟.. والجواب: إن هذا الأمر ليس سهلا فاكتشاف الفيروس وهو يخترق الخلية الاجتماعية يتم بشكل دقيق لا ينتبه إليه الكثير، وهو يقنع أجزاء الخلية المخترقة بأنه جاء لمصلحتهم، وإذا لم يفلح في ذلك يستخدم سياسة العصا والجزرة، فإما أن تستسلم وتأكل الجزرة «وهي وهمية» وإما أن تضرب بالعصا الغليظة.

وقد حدث في بعض فترات التاريخ أن البنيان الاجتماعي انتبه لهذا الاختراق «الفيروس» اليهودي وكان هذا البنيان الاجتماعي في حالة من الصحة والمناعة بحيث استطاع أن يحاصر هذا الفيروس ويلفظه، وأقرب مثال لذلك اليهود في يثرب فقد كانوا يخترقون قبائل الأوس والخزرج ويسخرون إمكاناتهم لصالح اليهود ويستخدمون المال والسلاح والجنس في سبيل تحقيق ذلك، وإذا استعصى عليهم الأمر أثاروا الفتن وأشعلوا الحروب وحركوا الضغائن، وهم في كل الأحوال مستفيدون، وعندما بدأ المجتمع المسلم يتكون في المدينة بعد هجرة الرسول r وبدأت القيم الإسلامية تحديد ملامح هذا المجتمع المتماسك لم يكن لليهود قدرة على اختراقه، فتمت بعض المعاهدات بين المجتمع المسلم الفتي وبين جماعات اليهود لتنظم العلاقة بينهما طبقا للواقع الجديد، ولكن طبائع اليهود «التي لم ولن تتغير» لم تتحمل ذلك فحاولوا الغدر والاختراق والدس إلى أن تم طرد بني قينقاع، ولم يعتبر الآخرون فاستمروا في نفس الطريق حتى تم طرد بني النضير، ولم يعتبر الآخرون حتى كان الغدر الكبير من بني قريظة وحدث لهم ما حدث بعد غزوة الخندق ونالوا جزاءهم الذي يستحقون، وبهذا استطاع المجتمع المسلم أن يلفظهم بعدما تأكد استحالة التعايش معهم نظرا لصفاتهم الفيروسية العدوانية.

وهم ما زالوا يمارسون هذا الأسلوب الاختراقي الفيروسي حتى هذا اليوم وقد اكتسبوا خبرة طويلة على مدى التاريخ حين استطاعوا اختراق دول كبيرة وحضارات ضخمة وتسخير كل هؤلاء لخدمة مصالح اليهود.

ولو تأملنا اختراقهم للخلية العربية فسنجد التشابه هائلًا مع الاختراق الفيروسي الذي تحدثنا عنه من قبل، فقد كانوا قلة مقارنة بالمجتمع العربي الكبير، واتجهوا إلى قلب هذا المجتمع وتسللوا إلى مراكز التأثير وبرمجوا العقول «أو بعض العقول فأفرزت مذاهب وتيارات غريبة على المجتمع العربي المسلم فظهرت البعثية، والشيوعية، والاشتراكية، والقومية، والعلمانية، وكان هذا التغيير تمهيدًا لاختراق أكبر حين تؤتي هذه التيارات ثمارها من إضعاف الجسد العربي وتشتيت قواه، حيث يستطيع الفيروس اليهودي توجيه وتسخير كل إمكاناته لصالح التكاثر والنمو اليهودي ولتتغير الخريطة بالكامل ويمحى العالم العربي الإسلامي ويستبدل بخريطة أخرى وبرنامج آخر يطلق عليه الشرق الأوسط حيث تسود مفاهيم جديدة وعلاقات جديدة، وقيم جديدة طبقا للبرنامج الفيروسي اليهودي.

فهل هناك أمل في أن يفيق الجسد العربي المسلم وينتبه لاختراق هذا الجسم الفيروسي اليهودي له ويبدأ في استرداد وعيه وعافيته وفي سد منافذ الاختراق واستنفار أجهزة المناعة لمحاصرة هذا الخطر الداهم؟

د. محمد المهدي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

879

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك

نشر في العدد 3

211

الثلاثاء 31-مارس-1970

سراقة بن مالك رضي الله عنه