; من أين يبدأ تطبيق الشريعة واستكماله؟ (١ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان من أين يبدأ تطبيق الشريعة واستكماله؟ (١ من ٢)

الكاتب عبدالحميد البعلي

تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009

مشاهدات 57

نشر في العدد 1875

نشر في الصفحة 38

السبت 31-أكتوبر-2009

شمولية المنهج وشمولية التطبيق المنهج الإسلامي شامل للحياة بنوعيها الأولى والآخرة، ولذلك استحق بجدارة أن يكون المنهج الخاتم الذي تمت به حكمة الله إلى الناس أجمعين: ﴿وَتَمَتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صَدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام:115) ولهذا يتعين أن تلحقه أيضًا شمولية التطبيق، واستكماله حتى يجني الناس ثماره فيكونون على أحسن حال، ويكون النهج على أكمل وجه وتتم النعمة لتدوم في الدنيا والآخرة.

الشريعة خطاب الله المباشر إلى الناس كافة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم:

يقول تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية:18)، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة:67).

والأحكام الشرعية التي تنطوي عليها الشريعة يقول عنها الأصوليون: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، فالناس - والمسلمون منهم خاصة وجوهرهم الإنسان - مخاطبون بأحكام الشريعة امتثالًا وتنفيذًا لهم الغنم وعليهم الغُرم، وكان هذا هو الأصل في الأحكام الشرعية بأنواعها، يخاطب بها الإنسان تحت قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عتِيدٌ﴾ (ق:18).

خطاب ابتدائي وانتهائي ألزمته به الدولة أم لم تلزمه، بل إن الدولة ذاتها ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا هو فصل الخطاب في خطاب الله إلى العالمين.

الإنسان بشمولية جماع الأمر كله ومبتدأ التطبيق والاستكمال يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة:۳۱)، ويقول: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن3:4)، ويقول: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:5)، فالإنسان محط العلم وأهل العبادة والاستعانة ومطلوب منه وله الهداية، منهجا يؤسس عليه بنيانه ويستضيء به في جميع أطوار حياته، يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (التوبة:109). ولهذا قال بعض العلماء: الإنسان نسخة الوجود؛ لأن فيه الطبائع والعناصر والمعدن والنبات والحيوان والإنسان والشيطان والملك..

«التيسير والاعتبار للأسدي ص ١٦٩». 

التطبيق الشامل للمنهج الإسلامي أمر واجب لأنه الخاتم المعني بالحياة الدنيا والآخرة

الإنسان هو الجوهر العاقل الذي يقتدي بالأسوة الحسنة ومنه يبدأ التطبيق واستكمال الأحكام 

وهذا الإنسان المركب الشامل العجيب كي يستجيب للتطبيق الشامل للمنهج الكامل ويكون حجة له، فهو كتاب لكتاب الإنسان كتاب تحصى فيه أعماله بشمولها وتفاصيلها يحكي مدى امتثاله لأحكام وقيم الكتاب المنزل يقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء:14).

النموذج المحمدي لهداية الإنسان الجوهر هذا الإنسان الجوهر لابد له من مثال يحاكيه، ونموذج يهتدي به ويمتثله وأسوة يتأسى بها، فكان ذلك المثال والأسوة هو محمد صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم كتابًا من كتاب مفتوح يحاكيه الناس ويمتثلونه، من كتاب منزل هو القرآن قال «سعد بن هشام»: دخلت على «عائشة» - رضي الله عنها وعن أبيها - فسألتها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: «كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن «إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ٣٥٨/٢ أخرجه مسلم»

 عقد العلامة «ابن خلدون» في مقدمته فصلًا في أن العمران البشري لا بد له من سياسة تنتظم أمره، وقال: «اعلم أن الاجتماع للبشر ضروري وهو معنى العمران، وأنه لابد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه وحكمه فيهم تارة يكون مستندًا إلى شرع منزل من عند الله، وتارة إلى سياسة عقلية فالأولى يحل نفعها في الدنيا والآخرة؛ لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة والمراعاة نجاة العباد في الآخرة» (ص۳۰۳). والإنسان الجوهر العاقل الذي يقتدي بالأسوة الحسنة والمثال الكامل هل يبيع نفسه لهواه ويؤثر دنياه على أخراه فيخسر الاثنتين معًا؟! ومن ثم فمن الإنسان يبدأ التطبيق والاستكمال لأحكام الشريعة الغراء، ولكن كيف؟ هذا ما سنتناوله في مقال آخر إن شاء الله.

الرابط المختصر :