العنوان من أين خرج الجيل الثالث الذي أشعل الانتفاضة؟!
الكاتب يحيي محمد رسام
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988
مشاهدات 87
نشر في العدد 869
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 07-يونيو-1988
الدور المتميز الذي تفردت به الجامعة الإسلامية بغزة أهّلها للعب الدور الرئيسي في الانتفاضة.
"في وسط المخيمات التي تحيطها الأسلاك الشائكة، نشأت بين الشباب علاقات حميمة لم يعرفوها من قبل أبدًا، ويلتقي الشباب ذوو الأفكار المتشابهة الذين يمثلون الجيل الثالث من أبناء المخيمات من أنحاء قطاع غزة المختلفة، وذلك لإجراء اتصالات بين بعضهم البعض"!
ذلك بعض ما كتبته صحيفة التايمز اللندنية ضمن مقال لها حول الأحداث في فلسطين، بعد أسبوعين من بداية الانتفاضة وعلى وجه التحديد في عددها الصادر يوم 22/2/1987.
وقد عللت الصحيفة نفسها نشوء مثل هذه العلاقة "الحميمة" بين الشباب في المخيمات والتقائهم من أنحاء قطاع غزة المختلفة لإجراء اتصالات بينهم! بأنه ناتج عن فقدانهم للأمل! فقد فقدوا الأمل في كل شيء - كما عرفت التايمز:
1. فقدوا الأمل في الدول العربية، وخاصة بعد مؤتمر عمان الذي كانت للقضية مكانة ثانوية في جدول أعماله.
2. وفقدوا الأمل في الدول الكبرى وخاصة بعد قمة "ريغان - غورباتشوف" التي تجاهلت القضية أساسًا!
3. وفقدوا الأمل حتى في المنظمات الثورية ورئيسها ياسر عرفات!
ولكنهم - كما قالت الصحيفة أيضًا - "قد وجدوا الأمل في الإسلام!! في المسجد!" "الذي تربت فيه معاني الجهاد".
تساؤل وتفسير:
لقد حاول الإعلام الغربي - والبريطاني على وجه الخصوص - كعادته إخفاء شيء اسمه "المبادئ الإسلامية" وصلتها بالأحداث! فقد كان القوم يحلمون بأن الأحداث ستنتهي على أرض الإسراء خلال أيام قليلة! وإن كان حلمهم ذلك قد جاء بناءً على:
1. تقديرات لبعض خبرائهم! عضدتها حسابات بعض المختصين منهم! وأيدتها - من وجهة نظرهم - تجارب سابقة في بقاع كثيرة!
2. وعلى اعتبار أن من يقوم بالانتفاضة ويتزعمها جيل نشأ وترعرع في ظل الاستيطان اليهودي الذي عمل بكل جهده على طمس هويته وشخصيته! وبالتالي فقد فقد الكثير من خصائص جيل العشرينيات أو الثلاثينيات وحتى الأربعينيات، إن لم يكن قد فقدها كلية! وبالتالي فلا طاقة لديه على الاستمرار ولا قدرة عنده على تحمل نتائجها الجسيمة والخطيرة!
ولكن استمرار جيل الانتفاضة أثبت للعالم أنه بإيمانه وتلاحمه الحميم ثم تعاونه وحجارته أقوى من جنود العدو، ومدرعاته ورشاشاته بل وغازاته وطائراته! وقد أبطل الله - بثباته وتضحياته وإخلاصه - تقديرات الأعداء في الغرب وخيب آمالهم، وأفشل حساباتهم!
الـ بي بي سي 2 والإفصاح عن الحقيقة
كان لا بد - والحالة كما علمنا - من أن يضطر الإعلام - هنا - أن يخرج عن صمته، ويتخلى عن طبعه، فإذا بالمشاهدين لبرنامج "أخبار المساء" في الـ بي بي سي 2 يوم 21/12/1987 يفاجأون بتقرير أرسله مراسلهم في الأراضي المحتلة قال فيه: "إن الأحداث الأخيرة لم تكن من صنع منظمة التحرير الفلسطينية" كما قد يتبادر إلى الأذهان.
وإنما هي من صنع الأصوليين الإسلاميين! وهم من الشباب الفلسطيني المتشبع بتعاليم الإسلام. ثم نقل للمشاهدين صورًا حية لجنود "إسرائيليين" يحاولون فتح متاجر غزة عن طريق كسر الأبواب والمغاليق! ثم قال معلقًا: "بأن هذه المحلات التجارية قد أغلقها أصحابها استجابة للنداء الذي أطلقه والذي وجهه إليهم "المتطرفون الإسلاميون" للإضراب العام!" وأضاف قائلًا وموضحًا "إن من المواقع الهامة لتواجد الإسلاميين هو الجامعة الإسلامية بغزة"! وحينها رأى المشاهدون منظرًا لمجموعة من المباني أغلبها دور أرضي - عدا واحدًا - كان مكونًا من دورين، وفي أحد واجهاتها لوحة مكتوب عليها "الجامعة الإسلامية - غزة".
علاقة واضحة
ذلك ما كشفته الأخبار في الأسابيع الأولى للانتفاضة يوم كان كثير من الغموض يلف حقيقة الأوضاع هناك! بل وكثر حينها ادعاء كثير من الجهات صلتها بالأحداث أو تبنيها لها، أو التنسيق مع القائمين بها!
ولكننا نظن أن العلاقة بين خبر "التايمز" المتقدم وما أوردته الـ بي بي سي 2 وبين موضوع حديثنا وثيقة جدًّا ومترابطة.
وإذا كنا اليوم وبعد مرور نصف عام على الانتفاضة نرى أن الشعب الفلسطيني بكل فئاته قد شارك في الانتفاضة بطريقة أو بأخرى.
دور متميز
فإن الدور المتميز الذي تفردت به الجامعة الإسلامية بغزة والذي أهّلها لأن تلعب الدور الرئيسي في الانتفاضة يبقى ذا دلالة خاصة! وحتى لا نتهم بالتحيز - وإن كان التحيز محمودًا عندما يكون للحق وحده - نقول: إن من يقرأ الحوار الذي أجرته "صحيفة الثورة اليمنية" مشكورة مع رؤساء الجامعات الفلسطينية الذين شاركوا في فعاليات مؤتمر الجامعات العربية الذي عقد بصنعاء في أول رجب الماضي، وفي عددها الصادر يوم السبت 3 رجب 1408هـ الموافق 20/2/1988 يدرك دون عناء صحة ما ذهبنا إليه!
فراغ كبير.. وهدف عظيم:
بل إن المطلع على ذلك الحوار المذكور يدرك من خلال إجابات السادة رؤساء الجامعات الفلسطينية على أسئلة صحيفة الثورة، أن هناك فراغًا كبيرًا لم تسده تلك الجامعات! وأن هدفًا عظيمًا ومهمًا وخطيرًا لم يكن على قائمة أهداف وأولويات تلك الجامعات أيضًا!
وفي الجهة المقابلة يستطيع القارئ إدراك العكس من ذلك عند اطلاعه على الحوار الطويل الذي أجرته ونشرته صحيفة "الصحوة"، مع الدكتور محمد الصقر رئيس الجامعة الإسلامية بغزة على حلقتين، وخاصة الجزء الثاني منه الذي نشر في عددها الصادر يوم الخميس 29 رجب 1408هـ الموافق 17/3/1988 وذلك أن قارئ الحوار يخرج بنتيجة مفادها أن هذه الجامعة الإسلامية بغزة قد تميزت عن الجامعات الأخرى بأمور كثيرة من الأهداف والوسائل وبالتالي جاء تميزها في الثمار والنتائج!
1. فمع أن الجامعة هي أحدث الجامعات الفلسطينية إنشاءً، فبعض تلك الجامعات يرجع تاريخ إنشائها إلى العقود الأولى من هذا القرن! وهذه نشأت عام 1978.
2. ومع أنها الجامعة الوحيدة من بين الجامعات الفلسطينية التي رفضت دولة الكيان الاعتراف بها حتى هذه اللحظة.
3. ومع أنها الجامعة الوحيدة التي لم يُعترف بشهاداتها ولا يُسمح بتوظيف خريجيها في الوظائف الحكومية! مع أن كثيرين من خريجي الجامعات الأخرى تُقدم لهم المغريات ليلتحقوا بوظائف حكومية.
4. ومع أنها أفقر تلك الجامعات، فبعض تلك الجامعات تمولها هيئات تبشيرية وصليبية وفئات حزبية قومية، وبعضها يمولها الفاتيكان مباشرة!
مع ذلك فإنها تبقى:
1. الجامعة الوحيدة التي أسست على التقوى من أول يوم! فهي الجامعة الوحيدة - ليس في فلسطين - أو البلاد العربية أو الإسلامية بل في العالم، التي يتخرج فيها الطالب في الكليات العلمية متخصصًا في الفيزياء أو الكيمياء، الرياضيات أو أي من التخصصات العلمية الأخرى وقد فهم دينه حق الفهم، وحفظ ما يقرب من ربع القرآن الكريم، كمقرر إجباري أو إلزامي، كعامل فعال في مواجهة التحدي الحضاري، والهجمة التتارية الجديدة على حد تعبير الدكتور الصقر رئيس الجامعة المبعد.
2. وقد كان من أهم نتائج هذا النظام الفريد أن يزداد الإقبال عليها من أبناء الضفة والقطاع، فيصبح عدد طلابها حد السقف المحدد لها خمسة آلاف طالب! كما ذكر ذلك الدكتور الصقر في مقابلته مع الصحوة. وذكر كتيب الجامعة الصادر عام 86 أن عددهم 4493 طالبًا. وهذا العدد يمثل نصف عدد طلاب جامعات فلسطين كلها حسب تقدير نائب رئيس جامعة بيرزيت، في إجابته على أسئلة صحيفة الثورة، الذي قال بأن عدد طلاب جامعات فلسطين يصل إلى عشرة آلاف طالب.
3. أقسام خاصة للبنات: فعلى الرغم من فقر الجامعة ماديًا وقلة إمكاناتها، فقد خصصت أقسامًا خاصة في كل الكليات للبنات. بحيث يمكن القول بأن الجامعة الإسلامية بغزة عبارة عن جامعتين منفصلتين، جامعة للشباب وأخرى للشابات! وذلك يمثل أعظم تحد وأقوى رد يدحض حجج الذين يعتذرون بقلة الإمكانات لفصل تعليم الفتيات عن الفتيان في بعض الجامعات العربية!
4. وقد بقيت بعض النقاط يجدر الإشارة إليها:
1. الجامعة الإسلامية بغزة عضو في اتحاد الجامعات العربية من عام 1980. أي أن عضويتها أو قبولها عضوًا قد تم بعد سنتين من إنشائها فقط.
2. وهي عضو أيضًا في رابطة الجامعات الإسلامية منذ عام 1984.
3. مع ذلك كله فقد رفض الأزهر الشريف الاعتراف بالجامعة! كما صرح بذلك رئيس الجامعة الدكتور الصقر في مقابلة له مع الأهرام الشهر الماضي عند زيارته للقاهرة.
وعلى ذلك تصبح الجامعة الإسلامية بغزة معترفًا بها من قبل الجامعات عربيًا ودوليًا، وغير معترف بها من قبل حكومة اليهود! والأزهر الشريف!