العنوان من أوراق اختصاصية اجتماعية.. الزائر الثقيل
الكاتب نادية البراك
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994
مشاهدات 93
نشر في العدد 1094
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 05-أبريل-1994
• من أوراق اختصاصية اجتماعية
• الزائر الثقيل
زارتني والدة الطالبة «لمياء» هذا الصباح لتسأل عن معدلات ابنتها
طالبة الفصل الثاني الثانوي. رحبت بالأم وأنا أدعوها للجلوس وقلت:
• لقد تحسن مستوى لمياء الدراسي كثيرًا والحمد لله على ذلك. ارتسمت
ابتسامة فاترة على شفتيها وقالت:
- الحمد
لله.
• لست أدري لماذا شعرت وكأن الأم غير سعيدة بتحسن مستوى ابنتها
الدراسي، رغم أنها كانت شديدة الاهتمام بهذا الموضوع في السابق، فقلت لها: لقد
أصبحت «لمياء» أكثر إقبالًا على دروسها.
هزت رأسها موافقة..
- حقًا..
- لا
شك أنك سعيدة جدًا بذلك.
- نعم،
وإني لشاكرة لكم هذه الجهود التي تبذلونها.
أسندت ظهري إلى المقعد وقلت: • الشكر لله أولًا ثم لأبلة فاطمة، فهي
على علاقة طيبة بلمياء وقد ساعدتها كثيرًا للنهوض بمستواها الدراسي.
أطرقت الأم إلى الأرض لحظات فعاودني الشعور الخفي بأن الأم تخفي في
قلبها أمرًا، وقد صدق حدسي «ظني» إذ لم تلبث أن رفعت رأسها وقالت:
- لقد
قدمت أبلة فاطمة لابنتي مساعدة كبيرة.. لست أنكر ذلك، ولكن..
صمتت قليلًا ثم تابعت.. إن علاقة أبلة فاطمة الوطيدة بابنتي تضايقني
كثيرًا.
تساءلت مندهشة: • تضايقك؟ هزت رأسها بالإيجاب..
- نعم..
تضايقني..
• إن أبلة «فاطمة» على علاقة طيبة ووطيدة بالكثير من الطالبات ولم
يسبق أن اشتكى أحد منها.
ردت بضيق:
- أنا
لا أنكر أنها مدرسة ممتازة وأنها تساعد ابنتي كثيرًا.. ولكني ما عدت أحتمل
هذا الأمر، فهذه المدرسة صارت تزورنا في البيت وتقضي الساعات مع ابنتي في
غرفتها وتعطيها من الحنان والاهتمام الشيء الكثير.. شيء جميل أن تزور المدرسة
الطالبة في بيتها وتهتم بها، ولكن بحدود المعقول، وهذه المدرسة مع الأسف قد
تجاوزت حدود المعقول، إذ صارت تكثر من الزيارة لنا في البيت كما ذكرت، إنها
تقضي من الوقت مع ابنتي أكثر مما أقضيه أنا!
حاولت معالجة الموضوع بحكمة فقلت لها: • لا شك أن نيتها كانت حسنة
وأنها كانت ترغب بالمساعدة و.. قاطعتني قائلة:
- أنا
لا أسوء الظن بها، فلا شك عندي أنها تريد مساعدة ابنتي، ولكني أرجوك أن
تتفهمي موقفي فلمياء قد تحسن مستواها الدراسي فعلًا، ولكن بالمقابل ساءت
علاقتها بي وأصبحت أكثر عنادًا وجفاء وعصيانًا لأوامري، أنا أعترف أنني لا
أستطيع أن أعطيها من الاهتمام مثل مدرستها، فأنا مشغولة جدًا بإخوتها الصغار
وأبلة فاطمة مع الأسف بدلًا من أن تعذرني صارت تبين عيوبي ومساوئي لابنتي
وتقول لها إنني مخطئة حيث لا أقضي الكثير من الوقت معها.
بصراحة لقد سلبتني دوري كأم فهي الآن الأم والمدرسة في نظر ابنتي، وقد
صارت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة ابنتي.. لقد جئت لك اليوم لأجد لديك الحل
لمشكلتي ولأمنع هذا الزائر الثقيل من دخول بيتي، فما رأيك؟
قلت بحيرة: • الحقيقة.. إنني...
- لا
شك أنك توافقين على أن علاقة المدرسة بالطالبة يجب أن تكون في حدود المعقول..
• نعم..
- وإن
زياراتها لنا في البيت يجب أن تكون قصيرة ومتباعدة.. • أجل.. أجل..
- إذًا..
فهل تساعدينني؟
• طبعًا.. طبعًا.. ولكن تعالي نبحث عن جذور المشكلة.. باعتقادي أن هذه
العلاقة القوية ما كانت لتنشأ بين ابنتك ومدرستها لو كانت علاقتك أنت بها قوية،
ولو أنك كما ذكرت قد تفرغت لها قليلًا وأعطيتها شيئًا من اهتمامك.
- أنت
محقة، وقد كنت أتمنى هذا فعلًا، لكن أرجو أن تتفهمي موقفي فأنا في النهار
موظفة وفي المساء مشغولة بأمور المنزل وإخوتها الصغار.
• لكنك الآن تريدين وضع حد لهذه العلاقة فلا بد من أن تقدمي لابنتك
البديل، ستكون مرحلة حرجة جدًا لك ولها، أنا عن نفسي سأطلب من المدرسة تخفيف قوة
هذه العلاقة، ولكن ماذا عنك أنت؟
قالت بحيرة:
- لقد
شرحت لك وضعي! • لا بد أن تفكري في حل كما قلت، ما دمت مشغولة جدًا.. كما قلت
لماذا لا تأخذين إجازة طويلة من عملك؟
- إجازة؟
• أجل.
- لا
أستطيع فعملي مهم و... قاطعتها قائلة: • وابنتك أليست مهمة؟
- بلى..
بلى.. وإلا ما كنت حضرت لك اليوم.. • إذًا..
هزت رأسها.
- سأفكر
بالموضوع. • وأنا على استعداد لمساعدتك في أي وقت.
نفذت وعدي للأم، وتحدثت في الموضوع مع المدرسة فاطمة التي امتعضت في
البداية، لكنها رضخت لرغبة الأم مرغمة، وقد علمت فيما بعد أن الأم قد حصلت على
إجازة من عملها كما أشرت عليها، ولما زارتني بعد شهور كانت سعيدة مبتسمة فسألتها..
• أرجو أن تكون الأمور على ما يرام الآن؟
- قالت
فرحة: نعم.. نعم.. لا أنكر أنه واجهتني صعاب في البداية، فقد دهشت ابنتي من
الموقف المفاجئ للمدرسة واتهمتني بأنني السبب وخاصمتني لفترة، لكنها بعد ذلك
وبتوددي الكبير لها، صارت تستجيب لمحاولاتي والآن عادت علاقتي معها على ما
يرام فالحمد لله وإني لشاكرة لك.