; من أوراق اختصاصية اجتماعية أم بلا مشاعر | مجلة المجتمع

العنوان من أوراق اختصاصية اجتماعية أم بلا مشاعر

الكاتب نادية البراك

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مشاهدات 128

نشر في العدد 1119

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994


رنا وقسوة الأمومة

في زماننا هذا صرنا نسمع عن أمور غريبة، ومن خلال وظيفتي تعرضت لقصص وحالات عجيبة، لو أنني لم أشاهدها عياناً ما صدقتها، وهذا ما حدث لي مع الطالبة رنا والبالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً. «رنا» طفلة هادئة، مستوى تحصيلها العلمي لا بأس به، غير أن شكوى مدرساتها قد جاءت من باب آخر هو عدم اهتمام «رنا» بنظافتها الشخصية، ولما استدعيتها لمكتبي أدركت سر تلك الشكوى، فالرائحة غير المستحبة تفوح من ثيابها التي تبدو عليها بقع الزيت والطين، إلى جانب الشعر المنكوش الممتلئ بالحشرات، ثم الأظافر الطويلة المتسخة.

أنبت «رنا» على مظهرها غير اللائق، وحدثتها طويلاً عن أهمية النظافة في حياة الإنسان، و«رنا» الصغيرة تستمع إليَّ مذعورة، وفي نهاية الجلسة وعدتني بأنني لن أرى منها إلا ما يسر. جاءت «رنا» في صباح اليوم التالي وقد غسلت ثوبها، ومشطت شعرها، وقصت أظافرها، فأثنيت على هندامها وطاعتها لي، لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً؛ إذ سرعان ما تراكمت الأوساخ عليها، وعادت شكوى المدرسات من جديد. الغريب أن لرنا أختًا في العاشرة تعاني من نفس الوضع السابق، وقد بدا لي أن الأختين بحاجة إلى رعاية خاصة ومتابعة من قبل الأم؛ لذا حرصت على استدعاء والدتهما للمدرسة، لكن التي جاءتني لم تكن أمهما؛ بل زوجة عمهما التي قالت:

"رنا وأختها تقيمان معي في شقتي الصغيرة، وأنا لدي سبعة أطفال، بصراحة لست مسؤولة عن رعاية الفتاتين، المفروض أن أمهما هي التي تتولى رعايتهما والاهتمام بشؤونهما، لمَ تكلِّفاننا بما لا نطيق؟ تكفيني رعاية أطفالي السبعة".

سألتها باهتمام: وأين أمهما؟

قالت: بعد وفاة زوجها –شقيق زوجي– تزوجت من آخر، ورفضت أن تتولى رعاية بناتها رغم أنها تقيم في منزل واسع كبير، وزوجها على قدر من الثراء، بينما نحن نقيم في شقة صغيرة وزوجي موظف بسيط، يجب أن أعترف لك بصراحة أن الفتاتين تنامان في المطبخ، فأنا لا أملك مكاناً آخر لهما، ولولا بقايا خوف من الله وشيء من الضمير لطردتهما إلى الشارع، أو أسأت معاملتهما، فأنا مرهقة بمسؤوليات البيت والأطفال، وليس لدي استعداد لتولي مسؤولية جديدة.

كان لابد من لقاء آخر مع الأم، والتي استجابت للحضور بعد تمنع كبير وإلحاح طويل مني. حين دخلت مكتبي لم أصدق أنها والدة «رنا»، فقد كانت امرأة شابة على قدر كبير من الجمال والأناقة، إن الناظر إليها لا يصدق بأي حال من الأحوال أنها أم لتلك الفتاة الرثة الثياب المتسخة المظهر. حيتني الأم ببرود، ولما جلست قلت لها: لقد استدعيتك اليوم يا سيدتي لأجل أمر خاص يتعلق بابنتك «رنا» و........

قاطعتني قائلة: كان المفروض أن تستدعي عمهما أو زوجته، فهما يقيمان عنده، وليس لي علاقة بأمرهما.

دهشت من أسلوبها الجاف وكنت قد استدعيت «رنا» وأختها لمكتبي، فدخلتا في تلك اللحظة، ولما رأت الصغيرة أمها برقت الفرحة في عينيها وألقت بنفسها في أحضانها، لكن الأم أبعدتها عنها في قسوة، والتفتت إليَّ قائلة: لقد أصررت على حضوري إلى هنا، ولست أدري لماذا؟

قلت لها بانفعال: لأجل أن أحيي شيئاً من مشاعر الأمومة في قلبك، انظري إلى مظهر ابنتيك وقارني بينهما وبينك، أنت رغم كل شيء أم، فلماذا لا تتولين رعاية ابنتيك بدلاً من أن تتركيهما لرعاية زوجة العم، التي هي مشغولة بتربية أبنائها السبعة، وأنت حسب ما سمعت تقيمين في منزل كبير وزوجك على قدر من الثراء و...

قاطعتني من جديد قائلة بحدة: لا أسمح لك بالتدخل في شؤون حياتي الخاصة، هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي أحضر فيها إلى هنا. لقد اتفقت مع عمهما على أن يتولى رعاية البنات، ولن أفكر مطلقاً في أن آخذهما إلى منزلي.. حين مات أبوهما كنت في العشرين من عمري، كنت لا أزال صغيرة وجميلة ومرغوبة، ومن حقي أن أستمتع بحياتي.

قلت بهدوء: ولماذا تعتقدين أن وجودهما سينغص عليك حياتك؟

تدخلت «رنا» لتقول لها بصوت باكٍ: لماذا لا تريديننا يا أمي؟

بكت الصغيرة ولاذت بحضن شقيقتها التي راحت تمسح على رأسها، بينما لم يبدُ على الأم أي تأثر وكأنهما ليستا فلذات كبدها.

فقلت لها: هل يمانع زوجك في أن تسكن الفتاتان في بيته؟

قالت ببرود: زوجي لا يمانع بتاتاً، أنا التي لا أرغب بهما، أريد أن أعيش مع زوجي بهدوء دون إزعاج أطفال أو تحمل مسؤولية.

كتمت غيظي من برودها وقلت بلطف: «رنا» وأختها طفلتان هادئتان، ولن يسببا لك أي إزعاج، أنا متأكدة، أليس كذلك يا رنا؟

هزت «رنا» رأسها وقالت بحماس: أجل.. أجل.. خذينا معك يا أمي أرجوك.

أشاحت الأم بوجهها بعصبية وقالت: لم أقدم إلى هنا كي أتلقى نصائح ومواعظ، لقد رتبت أمور حياتي، ولا أريد لأحد أن يتدخل فيها. أنا اتفقت مع عمهما منذ البداية على أن يتكفل برعايتهما.

قلت لها: لكن الفتاتين في مثل هذه السن تحتاجان إلى رعايتك أنت بالذات، لا بأس بأن يتولى العم الإنفاق عليهما، وقد أبدى استعداده، لكن مسألة الرعاية والحب من واجبك أنت. نهضت واقفة بشموخ وهي تقول بعصبية: لقد ذكرت لك قراري الأخير ولن أعدل عنه، لن آخذ البنتين لبيتي مطلقاً، أريد أن أعيش حياتي بدون منغصات. خرجت تسير في كبرياء دون أن تعبأ ببكاء الصغيرتين وتوسلاتهما.

ظللت أياماً طويلة أفكر في تلك الحادثة، وفي قسوة تلك الأم التي نزعت الرحمة من قلبها. لست أدري سر تلك الأنانية والقسوة التي في قلبها، وكيف يهنأ لها عيش وهي تعلم أن بناتها تعانيان ما تعانيانه في بيت ذلك العم الفقير. إنها شديدة الاهتمام بمظهرها وأناقتها، ومع ذلك لم تبالِ بمظهر بنتيها المثير للاشمئزاز، ولست أدري كيف لا تبالي بذلك أو تخجل منه، إنها نوع غريب من الأمهات، صحيح أنها نموذج لا يتكرر كثيراً، لكنه موجود على كل حال!


اعترافات زوجة: صدمة ردتني إلى الصواب

كنت أعيش مع أفراد أسرتي ومع عائلة زوجي، وكنت في شجار دائم معهم لا ينتهي، أحتقر الكبير، وأضرب الصغير، ولا أرضى أن يمس أحدهم أبنائي، كنت أتضايق من كل ما يقال لي، مع أن والد زوجي كان عمي، فهو أخو أبي، ولكن غروري وكبريائي جعلني أكره من حولي من جميع أفراد أسرة زوجي. مرت السنون تلو السنون، ومرضت أم زوجي مرضاً شديداً، أدى إلى وفاتها –رحمها الله– فزاد ذلك من كرهي لأهل زوجي، أصبحت المسؤولة عنهم صغيراً وكبيراً، ولم أعد أطيق الحياة معهم رغم أني كنت أخرج في الصباح للعمل، ولا أعود إلا بعد الظهر، ولكن نفسي الأمارة بالسوء حملتني على ما كنت أفعل معهم، كنت أتحدث إليهم وكأنهم أعدائي.

نصحتني زميلتي في العمل كثيراً أن أغير هذا الأسلوب في التعامل مع أهل زوجي، ولكن ذهبت هذه النصائح أدراج الرياح، لم أستفد منها شيئاً ولم أعد أفرق بين الصواب والخطأ، أرى أن من حولي هم المخطئون، وأنا وحدي المصيبة، كان الشيطان قد تملكني وتحكم في كياني كله. حاول زوجي مراراً أن يبصرني بالصواب، وأن يبعدني عن هذا الطريق ولكن دون جدوى.

وفي أحد الأيام – وأنا في عملي – وجهت لي إحدى الأخوات نصيحة وأخبرتني أن عملي هذا ليس في مصلحتي وأنه يسيء إليَّ، وقع كلامها على نفسي كالصاعقة، خرجت من عملي وركبت السيارة وفي الطريق حدث لي حادث مروري، نقلت بسببه إلى المستشفى، وظللت في حالة إغماء لمدة شهر ونصف الشهر في غرفة العناية المركزة، وعندما أفقت وخرجت من العناية المركزة؛ تذكرت كلام صديقتي، وتساءلت في نفسي: كيف كان حال أبنائي؟ من كان يرعاهم؟ وماذا فعلوا بعدي؟ كيف كان تصرف من أسأت إليهم معهم؟

تتابعت الأسئلة دون إجابة.. لكن الإجابة كانت فيما رأيت من رعاية أهل زوجي لأبنائي طوال فترة مرضي، أدركت عمق الخطأ الذي كنت فيه، وبشاعة الإساءة التي ألحقتها بأهل زوجي.. ندمت على ما فعلت، وتوجهت إلى الله أن يسامحني، وأن يلطف بي كي أعود إلى أبنائي وأهل زوجي، أعود إليهم إنسانة أخرى غير تلك التي عرفوها سابقاً، فقد عدت إلى الله، وتبت إليه!!

زوجة نادمة

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

136

الثلاثاء 14-أبريل-1970

محطات على الطريق

نشر في العدد 16

926

الثلاثاء 30-يونيو-1970

ركن الأسرة - العدد 16

نشر في العدد 296

92

الثلاثاء 20-أبريل-1976

خاطرة (العدد 296)