; المجتمع النسوي (1000) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع النسوي (1000)

الكاتب نادية البراك

تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992

مشاهدات 74

نشر في العدد 1000

نشر في الصفحة 36

الأحد 10-مايو-1992

 

من أوراق أخصائية اجتماعية: أبناؤنا والحزن

بقلم: نادية البرك

 

ما أن وصلت إلى مكتبي في المدرسة المشتركة التي أعمل فيها، حتى جاءت زميلتي التي تشاركني العمل تخبرني أن ولية أمر تطلب مقابلتي في غرفة الناظرة، فطلبت منها أن تدعوها لمقابلتي في مكتبي حتى نكون في خلوة من أعين المدرسات الفضوليات اللواتي يقتحمن غرفة الناظرة بين فترة وأخرى.

 

دخلت الأم غرفتي وقد ملأت أنفي رائحة عطرها الفواح وتفرست في الملابس الأنيقة التي ترتديها والتي تدل بلا شك على وضع اجتماعي متميز. طرحت العباءة الحريرية على كتفيها وهي تجلس قبالتي وألقت بالتحية:

"صباح الخير."

"أهلًا وسهلًا. حياك الله."

"أنا والدة الطالبة سهى في الفصل الرابع «ثان»."

 

تذكرت الطالبة على الفور، فهي طفلة جميلة هادئة في ال13 من عمرها. تساءلت على الفور: وما سبب الزيارة يا ترى، فحسب علمي سهى طفلة هادئة، محبوبة من زميلاتها ومدرساتها.

 

أجابت في انفعال:

"هدوؤها هو الذي يثيرني، إنها هادئة أكثر مما يجب، ليس لها رغبات، ليس لها مشاكل في البيت، هادئة في المدرسة، هادئة إذا أخذتها معي في زيارة عائلية، لا تتحدث على الإطلاق. كل أوامري لها مجابة، لا تناقشني بتاتًا ولا تجادلني كما تفعل الفتيات في مثل عمرها. أنا بصراحة أراها نوعًا ما انطوائية فهذه الصفة تناسبها أكثر من كلمة «هادئة»".

 

أسندت ظهري إلى الكرسي وقلت:

"ربما هي كما تقولين، ولكن ما السبب في تلك الانطوائية يا ترى؟"

تنهدت قائلة:

"هذا هو السبب الذي أود معرفته، والذي أطمع في مساعدتك لي فيه."

 

أجبتها بصراحة:

"الواقع أن احتكاكي بابنتك ليس قويًا. فهي كما قلت طالبة هادئة ليست ذات مشاكل مما لا يستدعي حضورها باستمرار إلى مكتبي، كما أنها من النوع الهادئ كما أسلفت ولا شكوى هناك إطلاقًا من مدرساتها أو زميلاتها."

 

فتحت الأم حقيبتها الجلدية، باحثة عن منديل ورق وقالت بعد أن وجدته:

"إنني ألبي لها كافة رغباتها المادية. أشتري لها الثياب الأنيقة الغالية الثمن باستمرار وأعطيها مصروفًا يوميًا لا تحظى به قريناتها، آخذها معي في سفراتي المتعددة إلى الدول العربية والأوروبية، لا أسمح لها أن تشعر بالحزن أو الهم إطلاقًا. ومع ذلك تظل دائمًا ساكتة منطوية على نفسها."

 

رنت في ذهني عبارة الأم الأخيرة فتساءلت:

"-ما الذي قصدته من قولك إنك لا تدعينها تشعر بالهم والحزن؟"

ردت قائلة:

"ما عنيته بالضبط، إذا وجدتها مهمومة بسبب مشكلة ما أخذتها في نزهة، أو إلى السوق، لا أدع الدراسة لكي تصبح همًا من همومها. أدعها دائمًا تعايش الجانب الجميل من الحياة ولا أدعها ترى الجانب السلبي منها."

 

تساءلت مندهشة:

"ولم تفعلين ذلك؟"

"لأني أريدها أن تكون سعيدة على الدوام."

 

أمعنت النظر في الأم الأنيقة وقلت:

"أعتقد أنني أدركت مشكلة ابنتك يا سيدتي."

"ما هي يا ترى؟"

"إنها «أنت». نعم أنت التي أحطتها بالمادة والترف على الدوام. أنت التي لا تريدينها أن تعرف مآسي الحياة كما تعرف مسراتها. إنك بهذا تخالفين الفطرة يا سيدتي. فعلى الطفل أن يتعلم أن في الدنيا مآسٍ ومسرات، بل عليه أن يعايشها. حتى يصبح قويًا في مواجهة المحن في المستقبل. أنت لن تكوني معها على الدوام لتخليصها من المشاكل والمآزق. دعيها تواجه مشاكل الحياة بنفسها وتعتمد على حلها بمفردها. دعيها تجرب وتخرج من التجارب بدروس ومواعظ. لا تكوني لها حائط الوقاية الذي ينتصب إلى جانبها على الدوام لحمايتها. أعطيها الفرصة لكي تنمي شخصيتها وتعرف ما يدور حولها من أمور."

 

أجابتني الأم في تردد:

"يبدو أنني أخطأت بلجوئي إليك، فها أنت تلقين اللوم عليّ بدلًا من مساعدتي، لا أعتقد أن هناك أمًا في العالم قدمت لابنتها ما قدمته لها ومع هذا يأتيني اللوم منك على ما فعلت."

 

قلت بسرعة:

"اسمعيني يا سيدتي. لم أقصد ما..."

قاطعتني وهي تقف مستعدة للانصراف:

"لقد أخطأت بحضوري إليك."

 

غادرت الأم مكتبي ولم أرها بعد تلك الزيارة لكني كنت أرى الابنة باستمرار وأستفسر عن أخبارها فوجدتها تزداد انطواء وعزلة إلى جانب أم ظلمتها حين حرمتها من أن تعايش مسرات الدنيا وأحزانها.

 


 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :