; من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة...عبد الله علي المطوع | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة...عبد الله علي المطوع

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006

مشاهدات 64

نشر في العدد 1730

نشر في الصفحة 36

السبت 09-ديسمبر-2006

رجل المواقف وداعية الإصلاح ورائد الخير

نشأ شابًا صالحًا ملتزمًا بتعاليم الإسلام...

  • التقى الإمام البنا في الحرمين الشريفين عام ١٩٤٦م، ومنذ ذلك الوقت سار في خط الجماعة والتزم منهجها وطبق برامجها وبذل الغالي والنفيس في دعمها إلى أن توفاه الله.

  • كان سباقًا في كل ميادين الخير لا يجاريه أحد من إخوانه أو أقرانه.. مريبًا من الطراز الفريد.. يسمع للصغير والكبير والأمير والفقير فيترك أطيب الأثر في النفوس.

  • اتصف بعمق الإيمان وحسن التوكل والثقة فيما عند الله... لا يخاف مغريات الدنيا ولا يتهافت على جمع المال ولا يضعف أمام تهديدات الطغاة

  • كان محور النشاط للعاملين في الحقل الإسلامي بالكويت.. من الكويتيين والمقيمين على حد سواء.. يجمع القلوب ويرص الصفوف ويوحد مسار العمل ليؤتي أطيب الثمار.

  • من مواقفه الجسورة... استضافة الفريق طيار عبد المنعم عبد الرؤوف وحمايته بعد أن حكم عليه عبد الناصر بالإعدام غيابيًا إثر قراره من مصر

ولد الأخ الحبيب والخل الوفي، رفيق الدرب في طريق الدعوة إلى الله الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الوهاب المطوع القناعي في مدينة الكويت ١٣٤٥هـ- ١٩٢٦م، ونشأ في أسرة متدينة محافظة تعنى بتربية الأولاد على منهج الإسلام، فنشأ شابًا صالحًا ومسلمًا عاملًا بتعاليم الإسلام، ملتزمًا بسلوكه وآدابه وكان هذا سمته طيلة عمره.

ولقد أكرمه الله في وقت مبكر من شبابه أن يلتقي بإمام الدعوة ومجدد القرن الإمام الشهيد حسن البنا في الحرمين الشريفين بدلالة أخيه الأكبر عبد العزيز الذي سبقه إلى التعرف على دعوة الإخوان المسلمين ومؤسسها وقادتها، ومنذ ذلك الوقت والأخ أبو بدر يسهر في خط الجماعة ويلتزم منهجها ويطبق برامجها ويبذل الغالي والرخيص في دعمها، باعتبارها حركة الإصلاح والتجديد في هذا العصر، والأمل الذي تتطلع إليه القلوب لجمع شمل المسلمين وتبصيرهم بحقيقة الإسلام المستقى من الكتاب والسنة والعمل الجماعي المنظم في الطابع العالمي الذي ينتظم المسلمين في جميع أنحاء العالم للانضواء تحت رايته وتحقيق أهدافه. وهكذا كانت سيرة الحبيب أبي بدر وكان توفيق الله له في العمل التجاري سببًا في زيادة السخاء والدعم لكل عمل يرضي الله -عز وجل- ويحقق الخير للمسلمين ويرفد الدعاة إلى الله في هذا العصر في كل مكان.

ولست بحاجة لذكر تفاصيل ما كان يقوم به أو المناطق التي وصلها خيره وبره، فهذا أمر معروف ومشاهد لدى المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة رجال الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، فهم يشهدون له بالقدم الراسخة في هذا الميدان واليد الطولي في تعزيز مسيرة العمل الإسلامي.

ولقد وقفت على الكثير من ذلك بحكم قربي منه ومعايشتي له طيلة أكثر من نصف قرن في إطار العمل الدعوي على المستويين المحلي والعالمي، ويشهد الله أنه كان سباقًا في كل ميدان من ميادين الخير لا يجاريه أحد من أقرانه وإخوانه، وكان صاحب دعوة ومربيًا من الطراز الفريد المتميز الذي يسع الصغير والكبير، والأمير والفقير، بحيث يترك أطيب الأثر في النفوس لصدق نيته ونبل غايته، وحسن أسلوبه، وسعة صدره في استيعاب المخالفين من إخوانه أو خصومه على حد سواء، وكان يتميز بالصبر والمصابرة والعمل الدؤوب لتحقيق ما يؤمن به من أهداف الإسلام، فلا يكل ولا يمل وهذا شأنه في السفر والحضر ومع مختلف الأشخاص، فلا يملك الآخرون إلا التسليم بوجهة نظره والاقتناع برأيه، والسير معه في طريق الحق والخير الذي فيه نجاة الدنيا والآخرة.

مسيرته

إن المتأمل في سيرة الأخ أبي بدر يدرك عمق الإيمان وحسن التوكل والثقة بما عند الله، فلا يخاف من مغريات الدنيا، ولا يضعف أمام تهديد الطغاة ولا يتهالك على جمع المال للتبذير والإسراف أو الملاهي والملذات أو البذخ أو الشرف، بل يكدح الليل والنهار لجمع المال وتثميره وتنميته ليزداد الربع فيما ينفق من أبواب الخير في أصقاع الدنيا، وها هو يضرب لنا المثل الحي في تنمية ثلث والده -يرحمه الله- علي عبد الوهاب حتى صار أضعافًا كثيرة، ومن ألوف الروبيات إلى ملايين الدنانير، فعم نفع المسلمين منه بكل مكان وعهد للأوقاف بتوليه وإدارته قبيل وفاته.

وكذا شأنه في تجارته حيث هو من الدقة في الحساب والتوفير وعدم الإسراف على الكماليات والالتزام الصارم بالمعاملات الإسلامية في البيع والشراء والأخذ والعطاء، فلا يعرف الرشوة ولا الربا ولا أي لون من ألوان الغش أو التدليس أو الغرر، ويحاسب نفسه وإخوانه وأولاده والعاملين معه محاسبة صارمة جدًا دون هوادة أو لين. ومن لا يدرك بواطن الأمور يظن لأول وهلة أن الأخ أبا بدر حريص على جمع المال وتكديسه، ولكن الصحيح أنه يؤمن بأن المال هو مال الله فهو حريص على صيانته وتنميته لينفق في سبيل الله، وأنه مؤتمن على هذا المال فلا يضعه إلا في يد مستحقيه في أي مكان من العالم.

 ولن أنسى له المواقف الكثيرة على مدى سنين حين يسألني عن الجهات المستحقة في أصقاع الدنيا لإيصال العون لها، بل كثيرًا ما يطلب مني أن أقترح الجهة والمبلغ اللازم لها على ضوء معرفتي واطلاعي أثناء زياراتي الدعوية للأقطار. بل أحيانًا كثيرة يسألني أنه قرر صرف المبلغ كذا لجهة كذا فهل يكفي أم يزيده؟ هكذا شأنه دائمًا، ولقد كنت أسأله بعض الأحيان: هل يرسل للجهة الفلانية؟ فيكون الجواب بأنه قد أرسل لها بالفعل.

ولا أعرف طيلة هذه السنين أن جهة مستحقة سألته شيئًا من مال الله وكانت موضع الثقة إلا وكان مسارعًا لمساعدتها ما دامت تدخل في المصارف الثمانية من مصارف الزكاة، بل إن له نفقات غير الزكاة وربع الثلث وهي صدقات وتبرعات يدفعها، على مدار العام للأشخاص والأسر والجهات وتفريج كرب المكروبين وإغاثة المنكوبين. وكثيرًا ما كان يكلفني بالاتصال ببعض الجهات والاطلاع على أوضاعها وتقدير احتياجاتها على ضوء الزيارة الميدانية والاتصال المباشر.

أما المساعدات للأسر والأفراد داخل الكويت وخارجها فحدث ولا حرج حيث لا يحصيها إلا الله -عز وجل-.  وليس هذا الموقف معي وحدي، بل هو مع الكثير من إخوانه وتلامذته الذين يثق بهم ويطمئن إلى حسن تقديرهم.  وعن المبادرات السخية في النكبات فهذا شيء يشهد به العالم العربي والإسلامي كله، فهو الرائد فيه والقدوة التي يسير خلفها الآخرون لإيمانهم بصدقه وحسن تقديره للوقائع والأحداث، والأشخاص، والجماعات، والهيئات.

إن هذه صورة مشرقة مضيئة لهذا الأخ المسلم الذي تربى في رحاب الإسلام، وفقه الدين من الكتاب والسنة على أنه نية خالصة وقول صادق وعمل مخلص وبذل وعطاء في سبيل الله والمستضعفين في الأرض، فالمال مال الله والخلق عباد الله وهم مستخلفون على هذا المال لينفقوه في الوجوه التي أمر الله أن ينفق فيها دون تأخير أو تعطيل. وأحسب، والله حسيبه، أن الأخ أبا بدر كان من القلائل الذين عرفوا مهمتهم من جمع المال بالطريق الحلال وإنفاقه على المحتاجين من عباد الله حيثما كانوا وأينما وجدوا، وقد بارك الله في ماله وعمره وعم الخير أنحاء الدنيا بفضل توفيق الله له، وهذا هو الأثر الباقي الذي سيلحقه أجره بإذن الله تعالى بعد وفاته.

معرفتي به

عرفته منذ أكثر من نصف قرن حيث كانت أولى زياراتي للكويت ١٩٥٥م، في طريقنا للحج مع بعثة مدرسي مدرسة النجاة الأهلية في الزبير، وكنت قبلًا أسمع عنه من خلال إخواننا في جمعية الإرشاد الذين زارونا في الزبير وعن طريق أخيه عبد العزيز الذي كان يتردد على العراق وعلى مصر أثناء دراستي الجامعية فيها (١٩٤٩م- ١٩٥٤م).  وحين التقيت الأخ أبا بدر وجدت فيه الصورة الصادقة للمسلم الملتزم بدينه العامل في سبيل نشر دعوة الإسلام الباذل قصاري الجهد والمال والوقت لإعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين من المسلمين في كل مكان، ثم تكررت زياراتي ١٩٥٨م للكويت حتى استقر بي المقام فيها في فبراير ١٩٤٩م، حيث عملت في رئاسة المحاكم رئيسًا لقسم التنفيذ ثم مديرًا للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف، ثم مستشارًا للوزارة، وظلت الصلة واللقاءات مستمرة إلى قبل شهر من وفاته حيث كان عندنا في الأردن قبل توجهه مع أسرته إلى آبها، ومنها إلى الكويت.

 لقد كان الأخ عبد الله المطوع شعلة من النشاط والحيوية في كل مجال من مجالات الخير لا يجاريه في هذا المجال حتى الشباب الأشداء من رجال الدعوة، فلا يعرف الدعة والهدوء، ويل ينطلق في عمله في الليل والنهار والسفر والحضر ولا يؤخر عمل اليوم إلى الغد، ويأخذ بالعزائم في كل أموره حتى أثناء مرضه وكبر سنه. ولقد سعدنا بزيارة إخواننا من شباب جمعية الإرشاد بالكويت الذين زارونا في الزبير بجمعية الأخوة الإسلامية وفي مدرسة النجاة الأهلية كما قمنا بزيارة إخواننا في الكويت مرات عديدة بجمعية الإرشاد في العام ١٩٥٥م، وما بعده. 

وكنت في مصر قبل تخرجي عام ١٩٥٤م قد التقيت بالطلبة الكويتيين الدارسين بمصر مثل: الأخ عبد الرحمن المحجم وعبد الله علي العيسى، وعبد العزيز عبد القادر، وغيرهم الذين أثنوا الثناء الحسن على جمعية الإرشاد الإسلامي وشبابها ونشاطها، وخصوا بالذكر الإخوة عبد العزيز المطوع وعبد الله المطوع ومحمد العدساني وعبد الله سلطان الكليب وغيرهم، وبعد إقامتي الدائمة في الكويت من سنة ١٩٥٩م إلى سنة ١٩٨٧م كان التعاون مع الإخوان في الإرشاد من خلال المدرسة التي بقيت بعد أن حلت الجمعية والأندية ١٩٥٨م، وكان نشاطنا في المحاضرات والدروس والرحلات والندوات ولقد كان للعم الحاج عبد الرزاق الصالح المطوع والأخ عبد الله علي المطوع، والشيخ عبد الرحمن الدوسري، والأخ محمد عبدالله بودي والأخ خالد الرويشد، والأخ سالم تركي الفرج، والأخ عالم الشاهين وغيرهم دورهم البارز في النشاط الإسلامي بالكويت.

وقد تم في تلك الفترة استضافة العلامة الشيخ أبي الأعلى المودودي من باكستان والأستاذ غلام محمد رئيس المؤسسة الإسلامية في كينيا، وكان الأخ عبد الله المطوع هو محور النشاط للعاملين في الحقل الإسلامي بالكويت من الكويتيين والمقيمين على حد سواء، فهو القاسم المشترك بين الجميع والذي تجتمع عليه القلوب وينهض بتبعة رص الصفوف وتوحيد مسار العمل الإسلامي ليؤتي أطيب الثمار وأحسن الآثار، كما كان همزة الوصل مع العاملين في الدعوة إلى الله في كل مكان حيث يزورهم في بلدانهم ويزورونه بالكويت ويضطلع بدرور المنسق النشاط الإسلامي وتسديده وترشيده ودعمه وتعضيده واحتضان العاملين في الميدان الدعوي وتسهيل مهمتهم لأداء رسالة الإسلام في الدعوة إلى الله ونشر الخير بين الناس.

 وقد وفقنا الله وإياه والإخوة العاملين معنا في ركب الدعوة الإسلامية المباركة أن نسهم في كثير من المشاريع كمكتبة المنار الإسلامية ١٩٦٠م، وجمعية الإصلاح الاجتماعي ١٩٦٣م، ومجلة المجتمع ١٩٧٠ م، و مدرسة النجاة الخاصة ١٩٧٠م، ودورات تحفيظ القرآن الكريم، ومعارض الكتاب الإسلامي، والمواسم الثقافية واستضافة الوفود والمحاضرين وإقامة المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والصحية والرياضية، كما وفقنا الله لاستقدام أعداد كبيرة من كبار العلماء والدعاة في العالم العربي والإسلامي، بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حيث سعدت الكويت بثلة من هؤلاء العلماء الأجلاء في مختلف جوانب المعرفة، فكان الشيخ د. أبو زهرة والدكتور عيسى عبده إبراهيم، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ صلاح أبو إسماعيل، والشيخ حسن أيوب، والشيخ حسن طنون، والأستاذ البهي الخولي، والشيخ الفاضل بن عاشور، والشيخ محمد محمود الصواف، والدكتور المهدي بن عبود، والشيخ عبد المنعم تعيلي، والشيخ حسن مراد مناع، والشيخ محمد الغزالي، والأستاذ يوسف العظم، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ عبد رب الرسول سياف، والشيخ برهان الدين رباني، والدكتور زغلول النجار، والدكتور احمد العسال، والدكتور عبدالله عزام، والدكتور محمد محمد حسين، والشيخ فتح الله بدران، والشيخ عبد المنعم النمر، والشيخ أحمد جلباية، والدكتور سعد المرصفي، والدكتور توفيق الواعي، واللواء محمود شيت خطاب، والشيخ مصطفى الزرقاء، والدكتور حسن هويدي، والشيخ مناع القطان، وغيرهم كثيرون لا تحيط بهم الذاكرة.

كما كانت زياراتنا الدعوية برفقته إلى كل من مصر والأردن والبحرين والسودان ذات مردود طيب في تعضيد العمل الإسلامي ورفده ودفعه خطوات المزاحمة الأفكار الوافدة من الشرق والغرب التي تريد صرف المسلمين عن دينهم بالدعوات العلمانية والثقافة التغريبية والمناهج الوضعية.

 ومن المواقف الرجولية للأخ المطوع استضافته لفريق الركن طيار عبد المنعم عبد الرؤوف وحمايته بعد أن حكم عليه الطاغية عبد الناصر بالإعدام غيابيًا بعد قراره من مصر فكان في مأمن ولا يعرف عنه أحد شيئًا بعد الله سوى الأخوين كمال القزاز وسيد محمد صالح، وكانت لقاءات العمل الدعوي تتكرر كل عام تقريبًا من خلال مجلس الشورى العام الذي كان أبو بدر من الأعضاء العاملين فيه والذي يعقد معظم اجتماعاته في البلاد الإسلامية والأوروبية كتركيا وباكستان وألمانيا وسويسرا وبريطانيا وفرنسا وغيرها حيث يحضر ممثلو الإخوان من الأقطار كافة الدراسة واقع العمل الإسلامي والأوضاع في البلاد العربية والإسلامية وأحوال المسلمين ومشكلاتهم وسبل علاجها.

وكان الأخ أبو بدر يحرص على اللقاء بإخوانه مهما كانت الظروف ويشارك مشاركة فعالة في الرأي والمشورة واتخاذ القرارات. كما كان للأخ المطوع الدور الكبير في إقامة معسكر الشيوخ بمنطقة الأغوار في الأردن المناجزة اليهود والذي قدم الكثير من الشهداء من شباب الحركة الإسلامية الذين سطروا ببطولاتهم أروع الملاحم وأعادوا الكرامة إلى الأمة التي فجعت بهزيمة ١٩٦٧م. وبعد هلاك الطاغية عبد الناصر ١٩٧٠م، وخروج الإخوان من السجون أوائل السبعينيات وقيامهم بتجميع الصفوف ولم الشمل للإخوان في داخل مصر وخارجها حضر الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام لموسم الحج ١٩٧٣م، حيث التقى بالإخوان من سائر الأقطار.

من أقواله

«لقد نشأت في أحضان أسرة ملتزمة تخشى الله وتتبع سنة رسوله، وكان أخي الأكبر عبد العزيز المطوع له صلة بالحركات الإسلامية والعمل الإسلامي، حيث كانت صلته بالإخوان المسلمين تحديدًا ومكتب الإرشاد في مصر آنذاك قوية ووطيدة، وكانت مطبوعات الإخوان المسلمين تصل إلى الكويت، كما انتشر مدرسو الإخوان المسلمين في معظم البلدان العربية ومنها الكويت والسعودية والعراق، وغيرها، ولهؤلاء فضل كبير على هذه البلدان لما أشاعوه بها من قيم إسلامية نبيلة لا تعرف التطرف أو الغلو، وإنما تعرف الوسطية والاعتدال».

 ولما كان أخي عبد العزيز له صلة بهذا العمل الإسلامي المنظم وهو عمل جماعة الإخوان المسلمين فقد تأثرت بهذا التوجه وتشكلت لدي الخلفية الإسلامية من خلال هذا الفكر الإسلامي الصحيح، وقد كان لهذا الفكر الحي النابض دور كبير في نشر قيم الخير والدعوة والأسماء إلى الأمة، حيث كنا نعيش في عهود الذل والاحتلال العربي الحاكم على نفوسنا.

لقد تمكن الإنجليز من فرض هيمنتهم على معظم العالم الإسلامي والأقطار العربية بعد إسقاط الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤م.

 وجاؤوا بمصطفى كمال أتاتورك ورفاقه من يهود الدونمة ليقودوا هذه الأمة إلى الهاوية، لكن الله -عز وجل- سخر لهذه الأمة حركة الإخوان المسلمين التي قامت من أجل تحريرها وإعادتها إلى هويتها، واستطاعت هذه الحركة المباركة أن تؤسس عملًا إسلاميًا منظمًا يدفع في الاتجاه الصحيح وحمل لواء تحرير المجتمعات العربية والإسلامية مما زرعة الاستعمار من الحركات والتيارات التغريبية التي زرعتها القوى الاستعمارية في بلادنا.

كنا نسير في عملنا الدعوي وفق آليات مستفيدين من مناهج الإخوان المسلمين في التربية والتوجيه والتي مردها إلى الكتاب والسنة، ووجدنا في تجمع الإخوان المسلمين آنذاك نموذجًا يحتذى، مما جعلنا نتبنى طروحاتهم الطيبة ومسيرتهم الخيرة.

وبعد أن كرسنا جهودنا في النطاق المحلي اتجهنا إلى توسيع نطاق نشاطنا الإسلامي، وبدأنا في تنميته من خلال استضافة العلماء والمحاضرين، وعندئذ أصدرنا مجلة «الإرشاد الإسلامي» ودعونا الأخ البشير الإبراهيمي نائب الشيخ عبد الحميد باديس رحمه الله زعيم الحركة الإسلامية التي أنقذت الجزائر من الانسياق وراء فرنسا لغويًا وفكريًا، والتي الشيخ الإبراهيمي العديد من المحاضرات القيمة في الكويت والخليج وحضرتها أعداد كبيرة من الناس، كما دعونا الأخ الفضيل الورتلاني وهو من الشخصيات الجزائرية أيضًا، وكان محاضرًا  لبقًا وخطيبًا مفوهًا، وقد دعونا المجاهد التونسي محيي الدين القليبي والشيخ مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية وغيرهم وقد أسهم هؤلاء العلماء المحاضرون في  تنمية الحركات الدعوية الإسلامية في الكويت وهذا ثارت ثائرة كثير من القوى التي يقف خلفها الاستعمار فتمكنا، بفضل الله من إحباط مخططاتهم، واستطعنا أن نسيطر على الساحة تقريبًا، إلى أن جاء المد الناصري الاستعماري الذي وقفت خلفه قوى استعمارية وساعدته على الانتشار.

إن تكويني الفكري والثقافي تشكل من خلال اتصالي بالناس وقراءة الكتب وحضور مجالس العلم والاحتكاك بالعلماء خاصة قادة جماعة الإخوان المسلمين وعلى رأس هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا الذي التقيته مع أخي عبد العزيز في المدينة المنورة ومكة المكرمة (١٣٦٥ هـ ١٩٤٦م) وحضرت له محاضرة في المدينة المنورة وأهدى لي كتاب «الرحلة الحجازية» و«كتب الإمام البنا بخط يده على الكتاب ذكرى اللقاء المبارك في الحرمين الشريفين» وبعد هذا التاريخ بحوالي ٦٠ عامًا زارني ابنه المستشار سيف الإسلام البنا بالكويت وقصصت عليه ما حدث واطلع على الكتاب الذي مازلت احتفظ به قصور الصفحة التي عليها إهداؤه وتوقيعه واسم الكتاب.

وما زلت احتفظ بمحاضر جمعية الإرشاد آنذاك وهي بخط الأخ محمد العدساني الذي كان أمين السر، وكان معنا الأخ عبد الله سلطان الكليب في قيادة الحركة ومنذ ذلك التاريخ وأنا مع إخواني الدعاة العاملين اليوم أنظر إلى إنتاجهم بفرح عظيم، فالحركة الإسلامية في الكويت تمتلك مؤسسات جادة تعمل في ميادين مختلفة لصالح أبناء الوطن، ورغم المد الفكري الوافد من الشرق والغرب نشطت الحركة الإسلامية وأثبتت قدرتها على أنها التنظيم الوحيد على الساحة العربية والإسلامية القادر على تحقيق أمال الشعوب برغم ما واجهته من تضييق عبر حكام موالين للغرب تارة وللشرق تارة أخرى.

 إن الغزو العراقي للكويت لم يكن وليد الصدفة، بل كان مخططًا له منذ سنوات طويلة من قبل القوى الأجنبية التي لها استراتيجيات مدروسة في المنطقة، فقد خططت هذه القوى لهذا الغزو العالم ودعموا حاكم العراق الظالم صدام حسين لارتكاب هذه الجريمة النكراء، وكان الغرب قد جاء بهذا الطاغية المغرور إلى حكم العراق وقد استفاد منه في تدمير الأمة، وتقطيع أوصالها، وكان الهدف من هذه المؤامرة الكبرى العمل على إيجاد قواعد أجنبية في المنطقة والتواجد قرب منابع البترول وتدمير الآلة العسكرية الضخمة في العراق، وفي الوقت الذي لم تكن هناك قوى تردع هذا النظام الغاشم جاء الجيش الأمريكي وفق خطة مرسومة ومعروفة وطرد القوات العراقية وحطم أسلحتهم العسكرية، ولا تستطيع أن تذكر أن القوى الأمريكية والأوروبية وحليفاتها التي جاءت للكويت كانت لها غايات وأهداف مرسومة ومعروفة، وبالفعل تحقق لهم ما أرادوه من طرد صدام ومحاصرته وشل حركته وبناء قواعد عسكرية لهم في المنطقة والتحكم في نفط العراق ووارداته حتى أصبح العراق مشلول الحركة، ومنذ ذلك التاريخ مطلع التسعينيات، وهذه القوى تعد الغزو العراق مجددًا وبالفعل قامت باحتلاله واعتقال رأس نظامه البائد وبطانته السيئة تلك العصبة الباغية، وهم الآن رهن الاعتقال والمحاكمة في وضع مهين جراء ما اقترفته أياديهم الأئمة ضد شعبهم وجيرانهم.

ولقد كان لقيادة جماعة الإخوان المسلمين بمصر مواقف مشرفة، حيث أبدوا استعدادهم وتأييدهم للقضية الكويتية بعد حفل عشاء أعدوه لنا ولإخواننا الذين كانوا معنا، وبعد عودتنا من القاهرة بدأنا نخطط لمؤتمر جدة وكان الأعضاء جمعية الإصلاح الاجتماعي دور طيب ومرموق في هذه الفعالية التاريخية، وكذلك عموم الإخوة الكويتيين الموجودين في جدة وقد حصل خلاف بين الشيخ سعد وعبد العزيز الصقر كاد أن يؤدي إلى فشل المؤتمر، فتدخلت في الأمر ودعوتهم لتقديم مصلحة الكويت العليا على ما عداها والتوقف عن هذا الخلاف واستجاب الجميع، جزاهم الله خيرًا، إلى ندائي، وتم المؤتمر بنجاح والحمد لله.

ووصيتي للدعاة والمؤسسات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية أن تواصل الدعوة الحالية بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن والاهتمام بنشر الوعي والثقافة الإسلامية وعدم استعجال النتائج، فالإسلام يرفض جميع أشكال العنف الفردي والجماعي والرسمي، وأية محاولة لإلصاق الإرهاب بالمتدينين هي صناعة أجنبية الهدف منها تشويه الدين الإسلامي والحقيقة التي يعرفها الجميع أن الإسلام يدعو إلى السلام ومعاملة الناس بالحسني والمجادلة بالتي هي أحسن ورفض الإرهاب بكل صوره وأشكاله.

إن الإسلاميين لا يسعون إلى الحكم لأنهم ليسوا طلاب سلطة وإنما يريدون أن يحكم الحكام بشرع الله فعالية الإسلاميين الاحتكام إلى الكتاب والسنة في جميع شؤون الحياة ومجالاتها، ولابد أن يعلم الجميع أن الإسلاميين هم أولى الناس في الحرص على الحريات وحقوق الإنسان لأن الإسلام كرم الإنسان وكفل له حقوقه وفرض عليه واجبات.

وإني أقول: إن الإرهاصات والمبشرات تبعث على الأمل والتفاؤل، فهناك قرائن عديدة تدل على الإقبال على التدين والتمسك بالإسلام ومنها انتشار ظاهرة الحجاب بين الفتيات وإقبال الشباب والشابات على المساجد وتحول البنوك الربوية إلى بنوك إسلامية، ونجاح الإسلاميين في كل انتخابات يخوضونها، والإقبال على العمل التطوعي والعمل على تلبية احتياجات المعوزين.  أن العمل الخيري عبادة لا يستطيع أحد وقفه أو تحجيمه، ومهما تكالبت عليه المؤامرات العربية، فلن تنال منه، فالعمل الخيري ماض إلى يوم القيامة وما يمارس ضده هو الإرهاب بعينه، بل ما يمارس ضده هو إرهاب ضد الفقراء والمساكين، والصح إخواني في قافلة الخير المباركة ألا يصفوا لحملات التشكيك وأن يستمروا في العطاء وألا يستجيبوا لأية ضغوط، وعليهم ألا تأخذهم في الله لومة لائم.

عندما التقيت الإمام الشهيد البنا وتعرفت عليه وجدت فيه من الصفات والسمات القيادية التي تؤهله لتحقيق غاية الإسلام ونشر دعوة الله في الأرض وإيقاظ الأمة من غفلتها وإحياء الإيمان المخدر في جنباتها، وحين استمعت إلى محاضرة له في المدينة المنورة زاد إعجابي بالرجل وبحسن عرضه وعمق فكرته وغيرته على الإسلام وتحمسه لمشروعه، وبينما كنت عائدًا أنا وأخي عبد العزيز إلى الكويت زارنا الإمام في بيتنا في المدينة مودعًا، وأوصانا بالعمل لدين الله فلقد كان الإمام البنا داعية من الطراز الأول وسياسيًا  فريدًا وعالمًا هذا، ومصلحًا واعيًا وإنسانًا بسيطًا ومتواضعًا، وقائدًا ذكيًا، يفرض على كل من يلتقيه أن يعجب به ويعمل معه فقد عرفته رجلًا يعمل للإسلام بصدق عاش من أجله، واستشهد في سبيله نحسبه من الصالحين ولا نزكيه على الله.

ولقد التقيت المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي وهناته بثقة إخوانه ودعوت له بالتوفيق والسداد، ولقد قاد هذا الرجل الدعوة خير قيادة وعبر بها محنة عظيمة مكان نعم الخلف النعم السلف، كما التقيته مرة أخرى على عرفات أثناء حجه الأخير بعد خروجه من السجن، فوجدته رجلًا قويًا حازمًا صابرًا محتسبًا على البلاء.

 أما المرشد الثالث عمر التلمساني فتقد التقيته عدة مرات في مصر وغيرها من البلدان وكذلك عندما زار الكويت، كما التقيت المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر في مصر وكان له دور واضح وملموس في الدفاع عن الحق الكويتي.

وأيضًا التقيت المرشد الخامس مصطفى مشهور مرات عديدة في الكويت وغيرها، كما عرفت المرشد السادس المستشار محمد المأمون الهضيبي، والتقيت أيضًا المرشد الحالي محمد مهدي عاكف وهو رجل فذ كبقية إخوانه، ونحن ندين بالفضل لله ثم لحركة الإخوان المسلمين ودعوتها المباركة، ونسأل الله أن يعيننا جميعًا على العمل المخلص الصادق لإعلاء كلمته ويرزقنا الثبات.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 14

131

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4

نشر في العدد 28

181

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

التحول إلى الدين.. وكيف يتم؟