العنوان من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة: المربي الداعية يوسف العظم المربي الداعية يوسف العظم
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009
مشاهدات 45
نشر في العدد 1845
نشر في الصفحة 40
السبت 28-مارس-2009
تراجم:
فارس الكلمة وشاعر الأقصى (٢من ۲)
الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي «سابقًا»
تعرضنا في الجزء الأول من سيرة المربي الداعية يوسف العظم إلى مولده ونشأته في مدينة معان الأردنية وتلقى دراسته في المرحلة الثانوية بـ«عمان»، ثم دراسته للشريعة الإسلامية في «بغداد»، وحصوله على شهادة اللغة العربية من الأزهر الشريف عام ١٩٥٣م ، وكذلك تطرقنا لكتاباته السياسية الكثيرة في الصحف والمجلات، والتي هاجمت المتخاذلين واستنهضت همم المترددين، وإسهامه في كل مجالات الدعوة محاضرًا وخطيبًا وأديبًا ومحاورًا ومفكرًا ومنظرًا، وكان لشعره الهادف الأثر الكبير في تجييش المشاعر وإلهاب حماس الجماهير للذود عن حياض الإسلام. وذكرنا مشاركته في جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية في مصر، وتأسيسه لصحيفة الكفاح الإسلامي التي ترأس تحريرها فيما بعد في الأردن، وأنه تولى مواقع قيادية كبيرة في تنظيم الإخوان وشغل عضوية المجلس النيابي الأردني لمدة ۲۲ عامًا منذ عام ١٩٦٧م وحتى عام ۱۹۸۹م، كما أن مؤلفاته تنوعت بين الدواوين الشعرية والقصص الشبابية والكتابات السياسية والإعلامية والتربوية، وفي هذه الحلقة نتناول مواقفه الخالدة، وآراءه، وبعض أقواله، ثم وفاته، وماذا قال عنه العلماء والمفكرون:
من مواقفه الخالدة: عندما دخل البرلمان الأردني عام ١٩٦٣م، كان مع الذين حجبوا الثقة عن حكومة «سمير الرفاعي» فكان عملهم ذلك سببًا في إسقاط الحكومة وحل المجلس.. ولما عاد نائبًا مرة أخرى في العام ١٩٦٧م، لم يجد في مناهج الحكومات الأردنية جديدا ينسجم مع تصوراته الإسلامية عن الحكم، فاستمر على حجب الثقة عنها انسياقًا مع إيمانه الذي لا يقبل التردد أو المراوغة.
وبعد القرار الذي حل بموجبه مجلس النواب الأردني في العام ١٩٧٤م، تنفيذًا لتوجيهات قمة الرباط التي قضت بأن تكون منظمة التحرير هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، وبذلك انتهى عمل المجلس الذي كان نصف أعضائه من الفلسطينيين.. بيد أن مكافآت النواب لم تنقطع عنهم طوال المد ما بين العامين ٧٤، و١٩٨٤م، إذ كان الواحد منهم يتلقى مائة وخمسين دينارًا بنهاية الشهر، إلا واحدًا فقط من أولئك السادة هو الأستاذ يوسف العظم، فقد استثنى نفسه من هذا الراتب فاعتذر عن قبوله، لأنه يرى أنه قد أصبح بعد حل المجلس من نوع الكسب غير المشروع.
شارك في حجب الثقة عن حكومة «سمير الرفاعي» وغيرها من الحكومات التي لم تراع النهج الإسلامي
آراؤه
كان يرى أن جيل الشباب هو الأقدر على صياغة الخطاب الإسلامي المعاصر، بل عليه أن يقود العمل الإسلامي، ويدلل على صحة رأيه بأن الجيل الجديد من الشباب الإسلامي في مصر هم الذين يقودون النقابات، وحتى في الأردن معظم النقابات بأيدي الشباب الإسلامي.
ويرى أنه لابد أن يكون هناك تكامل وتلاحم بين الجيلين جيل الكبار الذي يعطي حكمته وخبرته وجيل الشباب الذي يعطي نشاطه وحيويته.
ورأى أن حزب العدالة والتنمية لم يقدم تنازلات للحفاظ على وجوده واستمراريته في السلطة، بل كان ناجحا وموفقا، بحيث احتال على الموقف، لأن تركيا منذ كمال أتاتورك، تحكم بروح أتاتورك، وكل رئيس جديد يضع صورة أتاتورك، أي أن أتاتورك مازال يحكم في تركيا، فلابد من وجود حزب يحتال على الموقف، أما ما ذكره أردوغان من أنه لن يتخلى عن المنهج العلماني فهو ألفاظ وكلمات ولكن سوف يعمل غير ذلك.
وعن رأيه في دور المرأة الملتزمة في العمل الإسلامي قال: «يوجد الآن تفكير جديد ووعي ناضج في هذه القضية، وفي حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن يوجد قطاع نسائي نشط لكن مازال القطاع النسائي ليس كما نريد، ونطالب بالمزيد وعلى القائمين على هذا القطاع فتح الباب أكثر لدور المرأة، ويرى أن المرأة الملتزمة منضبطة بضوابط الشرع، ولا تتحرك إلا من خلال هذه الضوابط، لذا كانت حركتها أقل من غيرها، ويرى أن موضوع اختلاط المرأة الملتزمة يحتاج إلى دراسة فقهية، وإلى فتاوى من العلماء والمشايخ، يتم من خلالها معرفة المسموح به وغير المسموح بحيث يكون الاختلاط منضبطًا غير مبتذل، والإسلام لا يمنع المرأة من أن تكون كاتبة أو صحفية أو فقيهة أو طبيبة، ولكن هناك تقصير من قبل النساء القائمات على العمل الإسلامي في هذا المجال».
تنبيه
هذه الحلقات بعضها خواطر من الذاكرة قد يعتريها النقص والنسيان. لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل على البريد الإلكتروني: alaqeelabumostafa@hotmail.com
وعن الأولويات في العمل الإسلامي، يرى أنه من الضروري توسيع دائرة الأولويات حتى تشمل كل شيء وتطبق في واقع الحياة، ويرى أن أولى الأولويات هي الانفتاح على الجماهير بشكل واسع، وهذا موجود في الحركات الإسلامية في هذه المرحلة، ولكن بحاجة إلى المزيد، ومن الأولويات أيضًا انطلاق المرأة الملتزمة نحو التخصص في الإعلام والصحافة والمحاماة وسائر التخصصات.
وعن النشيد الإسلامي، فهو ليس راضيًا عن مستواه، ويرى أنه بحاجة إلى التجديد والتطوير، وأنه لا بأس من أن يكون هناك غزل في الأناشيد وخصوصًا في الأعراس، ولكن بشرط أن يكون الغزل عفيفًا، ويوافق على إنشاء فرق نسائية خاصة بالنشيد تحيي الأعراس والمهرجانات الخاصة بالنساء، بشرط أن تكون المعاني التي ينشدنها هادفة وجميلة، وتكون الألحان فيها بعيدة عن الإسفاف والابتذال.
أما عن الفضائيات الإسلامية فيرى أننا بحاجة إلى قنوات فضائية إسلامية ولكن المشكلة في الإمكانيات المالية، وليس باستطاعة الحركات الإسلامية أن تمول مثل هذه الفضائيات.
من أقواله
قال عندما طلب منه أن يعرف نفسه للقراء: «ألخص التعريف في أبيات من الشعر: أقول من قصيدة «رجمت إبليس»:
وراية الشعر للإسلام أرفعها
كالشمس يشرق مجلوا بأوزان
يعيش حسان في قلبي وفي قلمي
فهل بلغت بشعري روح حسان
من آرائه وأقواله:
جيل الشباب هو الأقدر على صياغة الخطاب الإسلامي المعاصر
حزب العدالة والتنمية التركي لم يقدم تنازلات ليبقى في السلطة
انفتاح الحركات الإسلامية على الجماهير بشكل واسع من أهم الأولويات
المرأة الملتزمة يجب أن تنطلق نحو التخصص في الإعلام والمحاماة وسائر المجالات
ويقول: «كل حركة إصلاحية، وخاصة حين تكون جماهيرية لها في كل حقل بذور وفي كل ميدان حضور، لابد أن تقع في أخطاء وتعثرات، لأنها تعمل»، والأحياء العاملون يخطئون ويصيبون، والأموات الخاملون ليس لهم وزن في مسيرة الحياة... والإخوان لم يدعوا يوما العصمة، ولكن بعض الآراء في أوساطهم تلتزم خطأ غير مقصود، وسبب هذا أن خصومهم قد وقفوا منهم موقفًا ضديًا موحدًا لاجتثاثهم، مما دعاهم أن يوحدوا هم الآخرون صفهم، ليحموا هذا الصف من التمزق، ويحموا الحركة من الذوبان إلى أن جاء اليوم الذي أصبحوا فيه في الأردن نواة للوحدة الوطنية مع كل العاملين لخير هذا الوطن معارضين أو مؤيدين.
أحمد الجدع: «العظم» حمل على عاتقه إخراج جيل مسلم فأسس «مدارس الأقصى» ووضع لها
المناهج الإسلامية
... ولـيـس هـذا دفاعًا عن الحركة الإسلامية الأم، ولكنه تقرير للواقع.. على أن للإخوان أخطاء وهفوات بدأوا يراجعونها، ليستزيدوا من صوابهم وإيجابياتهم، ويتجنبوا أخطاءهم وسلبياتهم، مما جعلهم زخمًا جماهيريًا واعيًا يحسب له حساب».
ويقول: «يؤرقني ويقض مضجعي أن المؤامرة الكبرى على الأمة تكبر يوما بعد يوم والأمة مازالت غافلة عما يدبر لها أو مخدرة إذا وعت لأن القرار ليس بيد الجماهير، وإنما بيد حفنة من الناس تتحكم في مواقع شتى من جسد الأمة الذي كلما التأمت جراحه يبدأ في التآكل والضمور كالمصاب بمرض عضال، مهما نال من الغذاء والدواء فإنه إلى هزال وزوال، ولكن الذي يحول دون يأسي أن المؤامرة أكبر من الناس وأصغر من إرادة الله ووعده بنصرة هذا الدين القادر على بعث الحياة في الجسد العملاق المخدر المطعون بحراب مؤامرة الغدر والتخاذل وليستقر في أذهان الظالمين بوعي قول سيد الخلق الموحى إليه عليه الصلاة والسلام: «اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
وفاته
اشتد المرض على الفقيد رحمه الله، وقد نقل إلى «المستشفى التخصصي» بعمان، ثم خرج من المستشفى، وقد منعه الطبيب من الوضوء قبل عدة أيام من وفاته إلا أن ذلك لم يمنعه من التيمم والصلاة، فقد كان حريصًا عليها في أقسى لحظات مرضه وقد من الله عليه أن يغادر المستشفى صبيحة الثامن والعشرين من شهر يوليو، وذلك قبل وفاته بيوم واحد، وشاء الله أن يقبض روحه الطاهرة يوم التاسع والعشرين من الشهر نفسه بعد أن أنهى وضوءه في منزله وبين أهله وهذا من المبشرات بحسن الخاتمة.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم ١٥ من رجب ١٤٢٨هـ، الموافق ليوم الأحد ٢٩ من يوليو ۲۰۰۷م، وترك الفقيد خمسة من الأبناء وإحدى عشرة بنتًا.
قالوا عنه
يقول أحمد الجدع- أحد أصدقاء العظم ومدير دار الضياء للنشر التي تولت طباعة أعماله: «والأستاذ يوسف من الفئة التي ترى ترامي أن التربية أساس لبناء المجتمع، وأن إهمالها فيه خطورة كبيرة على أبناء المسلمين الذين تتلقفهم المدارس التبشيرية، فتبث فيهم سمومها، وتنبتهم نباتًا شيطانيًا فعمل على دخول الميدان التربوي بهدف وضعه نصب عينيه، هو إخراج جيل مسلم مؤمن يحمل أمانة الإسلام على عاتقه، فأنشأ «مدارس الأقصى»، التي نمت وتفرعت ووضع لها مجموعة من الكتب تخدم الهدف الذي أنشئت من أجله.
ولم يكتف بهذه الميادين الرحبة التي صال فيها وجال ووضع بصماته عليها التفت إلى الميدان السياسي، فرأى أنه مجال آخر متسع لخدمة الإسلام، فولجه من أوسع أبوابه فاستطاع أن يدخل مجلس الأمة الأردني مرتين نائبًا منتخبًا عن مدينة «معان»، المرة الأولى عام ١٩٦٣م، والمرة الثانية عام١٩٦٧م.
ولهذا النشاط الجم، والإخلاص الذي تميزت به تحركاته في كل الميادين ذاع صيته، وعرفته المحافل الإسلامية في العالم الإسلامي، فدعي إلى المؤتمرات والندوات والمواسم الثقافية فكان له فيها مواقف مشهورة.
فالتزام الأستاذ يوسف العظم في شعره نابع من تشبعه بالتصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان هذا التصور الذي جعل في قلبه يقينا لا يتزعزع بضرورة الحل الإسلامي لجميع المشكلات الإنسانية وليس الإسلامية فقط، وهذا التصور هو الذي أقنعه بأن الجرثومة الفاسدة التي زرعت في قلب العالم الإسلامي لابد من اقتلاعها، ولابد من القضاء عليها، حتى يعود للأمة وعيها بذاتها وإيمانها بقدراتها وحتى تعود أمة الإسلام ذات اليد العليا التي تعلو على كل يد، وذات السيادة المطلقة في هذا الكون، وهي الجديرة بذلك».
ويقول الدكتور رحيل غرايبة- نائب الأمين العام في حزب جبهة العمل الإسلامي «العظم كان سباقًا في إدخال الأدب والشعر في الأدبيات الإسلامية والقيم التي تسعى إلى نشرها كالمقاومة والوحدة والعطاء».
ويقول سالم الفلاحات المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين السابق: «من الشخصيات الأردنية القليلة التي برزت على الساحة العربية والأردنية على وجه الخصوص دون مقدمات، ودون ظروف ميسرة وعوامل مساعدة، وكانت أكبر من واقعها وأوسع من محيطها شخصية لا تعرف حدودًا للعمل ولا تعترف بحدود تمزق أحشاء الأمة عن أطرافها، فهو في العراق الجريح، وهو على مقاعد الدراسة في أول العراقيين، وفي مقدمة صفهم منافحًا عن العراق والأمة، فقد قاد المظاهرات ودخل السجن، ثم لم تتسع متعلمًا، له ولكلمته الحرة، فذهب إلى مصر وداعيًا فنضجت شخصيته ولمع نجمه، أديبًا أريبًا وشاعرًا فحلًا، ولسانًا صادقًا، وخطيبًا مفوّهًا.
سالم الفلاحات: يوسف العظم من الشخصيات التي برزت على الساحة دون مقدمات وكانت أكبر من واقعها وأوسع من محيطها الشخصي
عمد إلى التربية، وأعلى أركانها، فدخل سلك البناء الحقيقي للأجيال، فكان معلمًا نادرًا في «الكلية العلمية الإسلامية» يشهد له كل من عرفه، ثم عمد إلى بناء معهد لتربية الناشئة، فأسس «مدارس الأقصى» الخاصة في عمان، وجعل لها في العديد من المحافظات فروعًا، مع أنه لم يملك مالًا، فقد استقطب من يملك المال ليخرج المشروع للنور، وكان له ما أراد.
لقد كان مربيًا:
استمع له إن شئت محاضرًا في ميدان التربية والبناء، وهذه بعض آثاره محفوظة، شهدت أنه التي محاضرة عن الإسراء والمعراج في مدرسة بنات ثانوية «مأدبًا» في الصباح، ثم رجع إلى عمان لحضور ندوة سياسية، ثم رجع مساء «مأدبًا» مرة أخرى ليعلم الناس في المسجد الكبير دروسًا في المحبة والمواطنة ووحدة الأمة والأمل الواسع.
لقد كان يهتم بالشخص فكرًا وعقيدة وثقافة، وحتى مظهرًا ولباسًا، كان أستاذًا في هذه كما في سواها، لا يعجبه الداعي الذي لا يعتني بهندامه بل لا يبالغ في جمالية مظهره، وكان يردد الحديث الشريف: «إن الله جميل يحب الجمال، نظيف يحب النظافة».
ألف في تربية الأجيال مؤلفات عديدة تعنى بالإنسان طفلًا وشابًا ثم كهلًا وشيبًا، وهي موجودة متداولة.
ترك أثرًا واضحًا فيمن خالطه والتقاه، حتى وإن لم يقنعه بالانضمام إلى مدرسة الإخوان، فقد أثر في نفسه وسلوكه وأخلاقه.
لمست في أبنائه وأحفاده بمناسبة أيام عزائه صدق المحبين وخلق الأوفياء، وسلامة صدور الرجال وشهامة أبي جهاد، وبريق عينيه.
عندما أقعده المرض، وألمت به العلل، كنت أزوره على فترات متباعدة بتقصير مني ولكنه وهو يخرج الكلمات بصعوبة كان دائم السؤال عن معالي الأمور وعظيمها.
وكان دائم السؤال عن الإخوان، ويخص بعضهم بالاسم، ويطمئن على استمرارهم في طريق الحق، كان يركز في التربية على احترام النظام، ويحذر من الفوضى في الكلام والفعال، وحتى في المظهر واللباس.
كانت له نظرة ثاقبة في الرجال تحداني مرة في مستقبل أحدهم أو إحداهن فخالفته ولم تمض سنة واحدة حتى كسب الرهان. وكان رأيه هو الأصوب من أن المقدمات لم تكن كذلك، فسبحان الله الذي يجعل من يحب يرى بنوره الكريم، وأحسب أبا جهاد منهم -رحمه الله-.
ويقول الدكتور مأمون فريز جرار: «إذا ذكر يوسف العظم ذكر الأقصى، وإذا ذكر الأقصى ذكر يوسف العظم رحمه الله رحمة واسعة، ذلك أن قلب يوسف العظم تعلق بالقدس منذ فترة مبكرة من عمره وربما كان لتردده المستمر على القدس في الزيارات الدعوية والزيارات الموسمية أثر في ذلك، ولا يخفى أن للقدس منزلة خاصة في قلب كل مسلم، لكن منزلتها في قلب يوسف العظم منزلة متميزة، ولذلك لم يكن عجبًا أن يعرف أبو جهاد بلقب أثير لديه هو: «شاعر الأقصى».
وحيثما نظرت في شعر يوسف العظم وجدت اسم القدس والأقصى وفلسطين ويزداد تذكره لها في المناسبات المرتبطة بها.
ويقول الشيخ عبدالله الطنطاوي: «أول ما تعرفت إلى الأخ الحبيب الأستاذ يوسف العظم. تغمده الله بفيض رحمته ورضوانه. كان على صفحات مجلة «الشهاب» الدمشقية الأسبوعية التي كان يكتب فيها «حصاد الأسبوع» كل أسبوع، وكان ذلك عام ١٩٥٥م فيما أذكر.
وفي هذا العام (١٩٥٥م) أسسنا نحن الثلاثة محمد غزيل ومحمود كلزي وعبد الله الطنطاوي رابطة الوعي الإسلامي في حلب، وبادر عدد من أدباء الأردن إلى الانتساب إليها، كان في طليعتهم الأستاذ يوسف العظم.
في عام ١٩٥٦م التقيت الأستاذ العظم في مخيم الإخوان في اللاذقية، وكان التعارف مثيرًا، فقد سألني الأستاذ يوسف عما إذا كنت قريبًا للأستاذ عبدالله الطنطاوي -رئيس رابطة الوعي الإسلامي- وعندما قلت له: أنا عبدالله الطنطاوي، قال: أعرف، ولكني أسألك عن سميك رئيس الرابطة.
فقيل له: إنه هو.
فسأل الأستاذ في استغراب: ماذا تعني بقولك: إنه هو؟
أجيب هذا هو رئيس الرابطة الذي تسأل عنه.
كنت حينها في الصف الحادي عشر، الثانوي، ولهذا استغرب الأستاذ يوسف أن أكون هو ثم قال:
زدتني رغبة في التعرف إليك أيها الأخ الحبيب.
د. مأمون جرار: إذا ذكر يوسف العظم ذكر الأقصى.. وإذا ذكر الأقصى ذكر يوسف العظم يرحمه الله
ومنذئذ، بدأت الصلات والعلاقات والرسائل تزداد وما انقطعت حتى وفاته -رحمه الله تعالى-.
وعندما أصدر جريدة «الكفاح الإسلامي» عام ١٩٥٦م. أرسل إلينا لنكتب فيها، وقد كتبت موضوعين نشرهما في ركنه المفضل الذي حافظ عليه طوال حياته: «شهد وعلقم» حيث آثرني على نفسه، وكان الموضوعان بهذين العنوانين: مواكب الفارغين. ومواكب الفارغات» وقد أهديتهما إلى الأستاذ الشهيد سيد قطب -رحمه الله رحمة واسعة- وكان أثناءها معتقلًا في سجون عبد الناصر.
وعندما هُجرنا من ديارنا عام ١٩٨٠م إلى بلد النصرة والرباط -الأردن الحبيب- وجدنا الدفء لدى أبي جهاد، فقد كان صاحب القلب الكبير والعقل الحصيف والبيت الواسع والكلمة الحنون، والعاطفة الجياشة.. كان يهاتفني وكنت أزوره، وكانت أحاديثنا في السياسة والدعوة والأدب، وكنت أستفيد من آرائه وتوجيهاته ومعلوماته، ولعلّي أتمكن من كتابة ذكرياتي معه، ففيها ما فيها من فوائد.
ويقول حمزة منصور: «مثل يوسف العظم المعارضة السياسية خير تمثيل طوال حياته عبر كل وسائل التعبير المتاحة من صحافة إلى أدب إلى عمل نيابي وجماهيري ينتقد الحكام والحكومات، ويدين المواقف والممارسات الخاطئة ويشتد في معارضته دون أن تحمله المعارضة على التجريح أو الإسفاف».
ويقول الدكتور صلاح الخالدي «يوسف العظم رحمه الله شخصية إسلامية عالمية متعددة المواهب والإبداعات غزيرة العطاء في شتي الجوانب والمجالات.
كان موهوبًا في علمه وفكره، وموهوبًا في بيانه وبلاغته وأدبه، وموهوبًا في شاعريته وقصائده وأشعاره، وموهوبًا في دراسته وأبحاثه، وموهوبًا في خطبه وكلماته، وموهوبًا في مشاركاته وندواته، وموهوبًا في نشاطه الدعوي والاجتماعي والتربوي والإعلامي.
يأسرك يوسف العظم عندما تسمع له، وتشهد بالتفوق والنجاح عندما يشترك في ندوة خصمه فيها أحد خصوم الفكرة الإسلامية والعظم «مبدع» في رده ونقضه وتحديثه وتفنيده لكلام خصومه... وقد كان المد اليساري في الأردن في الخمسينيات والستينيات كبيرًا، وكان الصوت اليساري عاليًا مدويًا، وكان قادة اليسار من الشيوعيين والبعثيين والناصريين والقوميين يهابون أن يلتقوا يوسف العظم، ويرفضون أن يشتركوا معه في ندوة.
ومازلت أذكر ذلك الدكتور اليساري في الجامعة الأردنية عندما طلب منه شباب الإخوان في الجامعة في السبعينيات المشاركة في ندوة تعقد في الجامعة فوافق ولما علم أن الشخص المقابل له سيكون يوسف العظم انسحب ورفض المشاركة وقال قولته المشهورة: «لا كله إلا يوسف العظم فلا يقدر أحد أن يقف أمامه!!»
وما زلت أذكر موقفًا رائعًا ليوسف العظم -ومواقفه الأدبية الدعوية لا تحصى- أنه كان حاضرًا ندوة إسلامية في مؤتمر إسلامي أقيم في الرياض عام ۱۹۷۷م على هامش أحد معارض الكتاب الإسلامي وشارك فيه معظم قادة الإخوان في مصر، وفي مقدمتهم عمر التلمساني، وصالح عشماوي، وجابر رزق -رحمهم الله- وكنت واقفًا في أحد ممرات المدرج مع بعض الطلبة الجامعيين وكان على المنصة أحد المتفلسفين المصريين وتكلم كلامًا حادًا ضد تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان الأستاذ العظم في وسط القاعة بين عشرات الحاضرين، فطلب الكلمة، ولذع المتفلسف المصري مجموعة من لذعاته الرائعة التي حركت القاعة للتصفيق إعجابًا بأسلوب العظم في إخراس ذلك الخصم..
وتقول ابنته أشواق يوسف العظم: مما أذكر عن والدي -رحمه الله- أنه كان شفوقًا بأولاده رحيمًا بهم يخشى عليهم من كلمة موجعة أو نظرة قاسية، وكان يعتبر تنشئة بيته وتربية أولاده نوعًا من العبادة بها يتقرب إلى الله.
لقد شغل والدي -رحمه الله- بالدعوة إلى الله، وكان شعره وأدبه قد أخذ جل وقته فكنا نراه دائم العلم والبذل، ولم يكن وقته ملكه، بل كان ملكًا لمن حوله وما يحيط به من هموم الأمة، لكنه رغم ذلك أمضى من سني عمره أوقاتًا كانت لنا دون غيرنا، كنا نقضيها بصحبته، وما أجمل تلك الصحبة فقد كان لطيفًا معنا، خفيف الظل.. يمازحنا ويلاعبنا ولم يكن يهنأ بالًا حتى يمسح دموعنا ويحيل مكانها ابتسامات كانت ترضيه وتسعده».
وتقول د. خيرية السقاف: «إن الأستاذ يوسف العظم يمثل قمة الإخلاص والغيرة فهو المربي المسلم الفاضل... وكتب الأطفال التي أصدرها كتب أنيقة تستهوي الكبار، فما بالك بالأطفال الصغار؟! فشكلها الجميل ولغتها البسيطة الواضحة ومعلوماتها القيمة خير معين على تربية الأطفال تربية إسلامية وبقليل من العناية ستشاهد آثارها واضحة جلية مع الأيام.
إننا ندعو وزارة المعارف الجليلة والرئاسة العامة لتعليم البنات والمديرية العامة للرعاية الاجتماعية إلى تبني هذه الكتب مثل: «أين محاضن الجيل المسلم؟ أدعية وآداب للجيل المسلم- أناشيد وأغاريد للطفل المسلم» وتوزيعها على المدارس الابتدائية للدراسة والتلقين، لتكون بين أيدي أطفالنا لتساعدهم على النشوء نشأة إسلامية صحيحة.
يوسف الحجي: برحيل العظم» فقدت الأمة شخصية ساهمت في العمل الإسلامي التربوي عقودًا طويلة
ويقول أحد تلامذته ياسر أبو هلالة: «إن الأستاذ يوسف العظم لم يدخل الوظيفة الحكومية في حياته إلا وزيرا في مطلع التسعينيات، وقبلها كان نائبًا في أكثر من دورة برلمانية، فضلًا عن خطه التربوي في مدارس «الكلية العلمية الإسلامية التي درس فيها أبناء العائلة المالكة وكبار المسؤولين، ثم انتقل منها ليؤسس «مدارس الأقصى» ومن قبل كان إصداره المجلة «الكفاح الإسلامي».
لقد كنت طفلًا في «براعم الأقصى» ألثغ بأناشيده الإسلامية التي تربى عليها النشء لا في الأردن وحدها، بل في العالم الإسلامي كله».
ويقول تلميذ آخر من تلامذته، وهو إبراهيم غرايبة: «هذا الفارس الأردني الذي أعطى أكثر مما أخذ، وبذل وقدم في التربية والأدب والدعوة والإعلام والسياسة والخدمة العامة ما يحتاج إلى مؤسسة وفريق وكأنه أمة في رجل».
ويقول د. عبدالله فرج الله: «كان العظم لسان المقدسات ونفس الحرمات، وسيد الرجال، تجاوز بهمه وهمته حدود الوطن الجغرافية ليحلق في سماء لا حدود لها، وفضاء لا آخر له: كان أردني المولد والنشأة، عالمي الشعر، إسلامي الهوى، له في كل قضية حروف نابضة، وكلمات ناطقة وقصائد سائرة، ومواقف صادقة».
ويقول د. غالب الشاويش: «يوسف العظم رجل من رجالات الأردن القلائل وعلم من أعلام الفكر الإسلامي في العالم. عرفه القاصي والداني، صاحب خلق ودين وقلم ولسان تربى على يديه أجيال، صاحب مدرسة فكرية معتدلة خطيب مؤثر وشخصية مقنعة لبق، ذكي، فطن، سريع البديهة، يضع الكلم في مواضعه، أحبه أهل «معان، فانتخبوه لعدة دورات نيابية، لإخلاصه وصدقه ووفائه- أعماله الخيّرة كثيرة، يشهد لها الجميع نظمتُ قصيدة بعنوان «يا شاعر الأقصى»، لأنه يحب القدس والأقصى، وكتبتها على درع أهديته إياه أثناء زيارته لمدينة «معان»، وسعدت به في زياراته للرياض محاضرًا، كما سعد به طلاب الجامعات السعودية».
ويقول الشيخ يوسف جاسم الحجي- رئيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت في نعيه: «إن الأستاذ يوسف العظم أحد مؤسسي الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية وأحد أعضاء الجمعية العامة فيها، وبرحيله فقد العالم الإسلامي شخصية بارزة ساهمت خلال عقود في العمل الإسلامي والتربوي والأدبي والسياسي، رحمه الله وجعل الجنة مثواه وألهم أهله الصبر والسلوان، وعوّض الأمة العربية والإسلامية خيرًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون».
في رثاء العظم
قال الشاعر والكاتب محمد شركي في رثاء الشاعر الداعية يوسف العظم:
عيني جودا بتسكاب وتهطال
على فتى لجميل الشعر قوال
لقد قضى العظم إذ لبى مناديه
مصليًا فرضه طهرًا بإسبال
لبى النطاسي قبيل الموت رغبته
بالماء ينصح لا مسحًا بصلصال
طوبى ليوسف إذ لبى وقد خضعت
لله هامته طوعًا بإجلال
والعمر أنفقه لله داعية
بالنصح يتبعه قولًا بأفعال
يقود بالشام إخوانًا عقيدتهم
من وحي هدي بأعراف وأنفال
هدي الرسول وقد راموا محجته
لم يخلطوا أبدًا حقًا بإبطال
والقدس يعشقها بالقلب يهواها
بالروح يمنعها والأهل والمال
بالشعر يمدحها بالوعظ يذكرها
في جوف ليل وفي فجر وأصال
ولم تغب لحظة عن طرفه أبدًا
حتى قضى دأب صلاح وابدال
نعم الرحيم وأحنى في عشيرته
يعطي الغريم وذا عسر وأثقال
فوق المنابر بدر بين أنجمه
وفي النوائب ليث بين أشبال
في البرلمان تفانى في نيابته
منافح عن حمى قدس وأوصال
أم من يكون خطيب القوم إن وهنوا
يوم الوقيعة إذ تغشى وأهوال
بالروح لو يفتدى كانت بدائله
أرواح قوم وما يفدى بأمثالي