العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (21) ... المفكر الجزائري مالك بن نبي
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994
مشاهدات 103
نشر في العدد 1087
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-فبراير-1994
تربطني
بالمفكر الجزائري الأستاذ الكبير مالك بن نبي روابط فكرية حيث سعدت بقراءة أول
كتاب له بالعربية وهو «الظاهرة القرآنية» وشدتني لقراءته والتمعن فيه المقدمة التي
دبجتها يراعة الأديب اللغوي الكبير الأستاذ محمود محمد شاكر فضلًا عن أن مترجم
الكتاب الأستاذ الكبير الدكتور عبدالصبور شاهين من الزملاء الأعزاء الذين جمعتني
وإياهم روابط العقيدة والعمل المشترك في ميدان الدعوة إلى الله فكان اضطلاعه
بالترجمة حافزًا لي لقراءة كتاب عن مؤلف لا أعرفه من قبل. ثم تتابعت قراءاتي لما
صدر بعد ذلك من كتبه المترجمة إلى العربية والتي وجدت فيها نظرة تستوعب مشكلات
الحضارة وتستلهم الحل الإسلامي لعلاج هذه المشكلات وحل معضلات العصر وبناء شخصية
المسلم المعاصر البناء العقدي الإيجابي المبني على النظر والتدبر في حقائق الكون
والحياة والنفس الإنسانية ومساربها ومحاربة التخلف الفكري والحضاري لمواجهة ضرورات
العصر ومنطلقاته.
ثم شاء
الله أن ألتقي به أول مرة في الكويت حين دعوناه للموسم الثقافي هناك أواخر الستينيات
وكان لنا معه حوارات وندوات وأحاديث ومناظرات، خرجت منها بأن الأستاذ مالك بن نبي
طراز فريد من المفكرين الذين يستخدمون العقل في تعضيد ما ورد بالنص ويؤثرون
التحليل للمشكلات ودراستها دراسة استيعاب ويطرحون الحلول لمعضلاتها على ضوء التصور
الإسلامي وفي ظل القرآن وهدي السنة.
ولقد
تأثر به قطاع عريض من الشباب في المغرب والمشرق على حد سواء، فكان منهم الأستاذ
رشيد بن عيسى من الجزائر والأستاذ عمر مسقساوي من لبنان، والأستاذ جودت سعيد من
سوريا، ود. عبدالصبور شاهين من مصر، وغيرهم من الذين حملوا الفكر الإسلامي
المعاصر، فلقد كانت المدارس الفكرية للمودودي وسيد قطب ومالك بن نبي ينتظم في
عدادها الألوف من شباب العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص.
لقد أسهم
الأستاذ مالك بن نبي بالعديد من المؤلفات التي ترجم بعضها إلى اللغة العربية وكلها
تدور حول مشكلات الحضارة وفي مقدمة هذه الكتب: كتاب «الظاهرة القرآنية» وكتاب
«وجهة العالم الإسلامي» وكتاب «الفكرة الأفريقية الآسيوية» وكتاب «شروط النهضة»
وكتاب «يوميات شاهد للقرآن» وكتاب «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» وكتاب «آفاق
جزائرية» وكتاب «المسلم في عالم الاقتصاد» وكتاب «لبيك» وغيرها كثير بالعربية
والفرنسية، ولقد أحدثت موضوعات هذه الكتب أثرها في توعية الشباب عن الاستعمار
الغربي الذي يجثم على صدور الشعوب الإسلامية وأساليبه في إذلال هذه الشعوب، كما
تكلم مالك بن نبي عن النهضة وشرائطها والحضارة الغربية وطرق مواجهتها والشخصية
المسلمة ومواصفاتها، ولقد لفت الأستاذ مالك بن نبي نظر الأمة الإسلامية إلى أن
الأخطر من الاستعمار هو القابلية للاستعمار لأن النفوس إذا ضعفت وانهزمت من داخلها
فمعنى هذا أنها ستكون خير وعاء لاستقبال الاستعمار والرضى به والسير وراء حضارة
الغالب والتخلي عن أمجاد الماضي وأصالته والالتصاق بكل ما يرد من المستعمر من خير
وشر وحلو ومر وصواب وخطأ دون تمييزٍ أو انتقاءٍ بل بتقليد المغلوب للغالب والعبد
للسيد، وأوضح لها بأن القوي الغالب هو الله فلا غالب إلا الله وأن المسلم الحق هو
الأعلى وأن الإسلام هو الدين الحق وأن المستقبل للإسلام.
ومن هذه
النظرة المعتزة بدينها والمستعلية بإيمانها الآخذة بخير ما في الحضارات المعرضة عن
سوآتها، أهابت مؤلفات مالك بن نبي بأمة الإسلام ألا تكون من عبيد الاستعمار وألا
تكون مُسخرة لأعماله ولا سوقًا لمنتجاته وألا تفقد أصالتها بتقليده في كل شيء حتى
الأفكار كما يفعل المستغربون والمخدوعون بحضارة المستعمر من العلمانيين والحداثيين
والإمعات الراكضة وراء كل ناعق.
إن
الأستاذ مالك بن نبي الذي ولد سنة 1905 في مدينة قسطنطينية بالجزائر، وتخرج من
باريس مهندسًا كهربائيًا سنة 1935م، ورحل سنة 1956م إلى مصر، ثم استقر بالجزائر
سنة 1963م، وانتقل إلى جوار ربه سنة 1973م، قد أعطى الفكر الإسلامي عصارة أفكاره
وخلاصة تجاربه، واستقطب العديد من شباب المشرق والمغرب الذين اتخذوا من أفكاره
مناهج للتعامل مع الحضارة المعاصرة بأخذ الصالح منها واطراح الطالح، وتسخير العقل
لإعمال النظر في التراث الإنساني وإخضاعه للمقاييس والمعايير الإسلامية التي تريد
للإنسان أن يعيش عزيزًا مكرمًا في هذه الدنيا التي استخلفه الله فيها ليعمرها بعمل
الخير وفعل المعروف وإحسان العبادة لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم
يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
إن
الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله- كان شعلة نشاط وكان منظارًا فكريًا ودارسًا
متعمقًا قدم الفكر الإسلامي الأصيل الذي أعاد لشباب الأمة ثقته في دينه والتزامه
بمفاهيمه وتطبيقه لأحكامه فالتقى تلامذته وحملة أفكاره بتلامذة المودودي وتلامذة
سيد قطب فكان هؤلاء ومن قبلهم تلامذة حسن البنا هم ركائز الصحوة الإسلامية الراشدة
في العالم الإسلامي كله وتيارها الديني الذي سيجرف بإذن الله كل المفاهيم والأفكار
العلمانية التي نشرها الاستعمار وروج لها الغرب في ديار المسلمين.
وسيطرح
الحل الإسلامي بديلًا عن الحلول المستوردة التي جنت على أمتنا وفرقتها شيعًا
وأحزابًا وطوائف وقوميات فالحل الإسلامي هو فريضة وضرورة وهو العلاج لكل المشكلات
والمجيب على كل التساؤلات والمداوي لكل الجراحات.
من هذا
المنطلق كانت كتابات هؤلاء العمالقة من المفكرين الإسلاميين تشد الشباب لاقتعاد
مكان الصدارة والسير قدمًا إلى الأمام في ركب الحضارة المعاصرة متزودين بأسباب
اليقظة وشرائط الحضارة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة والتي تستلهم ماضي الأمة
وأمجادها في شق طريقها نحو الحياة الحرة الكريمة في ظل الإيمان.
وإذا كان
مالك بن نبي قد امتلك زمام التعريف الحضاري بمعظم جوانب العطاء الإسلامي للحضارة
البشرية فإنني أعتقد أن الآثار التي خلفها لنا هذا المفكر الإسلامي هي بعض الزاد
الحضاري الإسلامي الذي يمكن للمسلمين اليوم أن يطرحوه أمام العالم، فالأفكار التي
طرحها مالك بن نبي أفكار ناضجة في ميادين العلاقات الدولية والنظم السياسية
والفكرية والثقافية والتربوية والتنموية مما تحتاجه المجتمعات البشرية الحديثة.
ولقد قدم
الأستاذ مالك بن نبي الأنظمة الإسلامية في قالب حضاري وأسلوب معاصر كما تمكن من
تجزئة الاحتياجات الحضارية للمجتمعات البشرية حيث فصلها وطرح البديل الإسلامي
مقارنًا مع النظم الإنسانية الوضعية فكان بهذا الأسلوب صاحب مدرسة نقلت إلى العالم
جوهر الإسلام وبدائله التي تتقزم أمامها كل النظريات البشرية الوضعية الأمر الذي
رسخ الاعتزاز بالإسلام وحلوله في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وحصن
أفكارهم التي كانت في مطلع هذا القرن تستهل قبول الفكر التغريبي المادي الذي سيطر
فترة من الزمن على بعض العقول.
إن مالك بن نبي -رحمه الله- كان أحد عمالقة الفكر الإسلامي في هذا العصر، وقد قدم الفكرة الإسلامية وأحسن عرضها على جماهير الأمة الإسلامية وبخاصة شبابها الذين ترك فيهم الآثار الطيبة. ومهما كان في هذه الأفكار من ملاحظات فهي بمجموعها تشكل رافدًا من روافد الفكر الإسلامي المعاصر يعد الشباب بالزاد الفكري الذي يقف في وجه الأفكار المستوردة من الشرق والغرب على حد سواء. رحم الله الأستاذ مالك بن نبي وجزاه الله عما قدم خير الجزاء.