; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٤٧) محمد هارون المجددي | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٤٧) محمد هارون المجددي

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1998

مشاهدات 172

نشر في العدد 1292

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 17-مارس-1998

  • كان مثال المسلم الصادق والمجاهد العامل بصمت.. قدم الدعوة على ما سواها وذاق في سبيلها السجن والنفي

عرفت سعادة الشيخ محمد صادق المجددي سفير أفغانستان الأسبق بمصر، من خلال ما قراته في صحف الإخوان المسلمين التي كانت تنشر اخبار نشاطه الإسلامي ولقاءاته مع الإمام الشهيد حسن البنا سنة ١٩٤٦م، وزعماء العالم الإسلامي الذين يقصدون المركز العام للإخوان المسلمين في الحلمية الجديدة، حيث يستمعون المحاضرات الإمام الشهيد ودرس الثلاثاء.

ثم يجتمعون بقسم الاتصال بالعالم الإسلامي لدراسة قضايا البلاد الإسلامية وعلاج مشكلات المسلمين والتصدي للمستعمرين الذين يحتلون البلاد الإسلامية وينهبون خيراتها ويسرقون ثرواتها، ويسخرون ابناءها لخدمة مصالحهم، كما كان الشيخ المجددي يقيم ندوة أسبوعية في منزله بالقاهرة يستقبل فيها الزعماء والقادة والطلاب واللاجئين السياسيين إلى مصر من مختلف العالم الإسلامي.

 ولما ذهبت إلى مصر للدراسة الجامعية سنة ١٩٤٩م سعدت بالاتصال المباشر بالأخ محمد هارون المجددي ابن السفير الأفغاني، فقد كان شعلة من النشاط والحيوية والعمل الدؤوب مع الإخوان المسلمين للنهوض بالشعوب الإسلامية لتأخذ مكانها اللائق بها في ظل الإسلام وتحت راية التوحيد، وكان متأثرًا بوالده من حيث الالتزام بالإسلام كنظام شامل لأمور الدين والدنيا والاهتمام بأمور المسلمين في كل مكان والعمل في حقل الدعوة الإسلامية دون كلل أو ملل، لأنه نشأ في عائلة متدينة عريقة معظم أفرادها من العلماء وطلبة العلم، فكان عمه نور المشايخ من كبار علماء أفغانستان ومن أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم الناس في مهمات الأمور ومدلهمات الخطوب وكانت ولادته في – كابل، ثم سافر مع والده الذي عين سفيرًا بمصر والتحق بكلية «دار العلوم» بالقاهرة وتخرج فيها وعين بوظيفة «قائم بأعمال السفارة»، وعاش وسط رجال السلك الدبلوماسي معتزًا بدينه ملتزمًا بأحكامه، مطبقًا لتعاليمه، وثيق الصلة برجال الدعوة الإسلامية وبخاصة الإخوان المسلمون الذين التقى مرشدهم الإمام الشهيد حسن البنا الذي تأثر به وأعجب بطريقته في الدعوة إلى الله وفهمه للإسلام كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله r كما أعجب بمناهج وبرامج الحركة الإسلامية من الأسر والكتائب والجوالة والمعسكرات التي تصوغ الفرد وفق منهج الإسلام. 

وكان من أصدقائه المقربين من الإخوان المسلمين الأستاذ منير دلة، والأستاذ حسن العشماوي، والأستاذ فريد عبد الخالق، وعن طريق هؤلاء تعرف إلى جمال عبد الناصر، الذي استغل هذه المعرفة ولم يقدرها حق قدرها بل غدر وفجر فيمن وقفوا إلى جانبه، وقلب لهم ظهر المجن بعد أن استولى على السلطة وتفرد بها. 

وذلك أن عبد الناصر استعان بالأخ محمد هارون المجددي لينقل الأسلحة بسيارته الدبلوماسية واستعان بالأخ حسن العشماوي لإخفائها في مزرعة والده بالقليوبية، فكان ما كان من المكر والخديعة والبهتان والافتراء من الطاغية وزبانيته عليهم من الله ما يستحقون.

 لقد كانت دار السفير المجددي والد الأخ هارون ملتقى العلماء والقادة ورجال الفكر وزعماء حركات التحرير للبلاد الإسلامية أمثال الأمير عبد الكريم الخطابي من المغرب، وإدريس السنوسي من ليبيا، والفضيل الورتلاني من الجزائر، كما كان شيخ الأزهر مصطفى المراغي صديقًا حميمًا لوالده، وكانت هيئة كبار العلماء في ذلك الوقت هي التي تنتخب شيخ الأزهر ولا يعينه حاكم مصر، ولا تأثير لجنسيته أو قوميته في هذا الانتخاب، لأن الدين والخلق وسعة العلم والأهلية هي المقياس في الاختيار، حتى جاء حكم الدكتاتور عبد الناصر فجعل ذلك بالتعيين الأصحاب الولاء لسلطته والمؤيدين لتصرفاته ففقد الناس الثقة بشيوخ الأزهر لأنهم صاروا أعوان السلطة وأبواقها. 

إن الأخ الداعية هارون المجددي، كان مثال المسلم الصادق والمجاهد العامل بصمت، الذي يحب أن يرى أثره ولا يعرف شخصه، لأنه يبتغي بعمله وجهاده وجه الله عز وجل، فقد تعلم في مدرسة الإخوان المسلمين معنى هتافهم «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، وكم من خدمات قدمها لطلبة البعوث الإسلامية الذين يدرسون بمصر وهم من جميع أنحاء العالم الإسلامي، لأنهم إخوان العقيدة ورابطة العقيدة أقوى الروابط على الإطلاق واخوة الإسلام تسمو على ما عداها من روابط الجنس والنسب. 

لقد تعرض الأخ هارون المجددي إلى السجن سنة ١٩٥٤م وبقي في السجن الحربي فترة من الزمن معتقلًا بدون محاكمة وأجريت له عملية في المرارة وهو رهن الاعتقال، ثم تدخل بعض أصدقائه السياسيين من خارج مصر، أمثال الملك محمد الخامس من المغرب، والزعيم محمد خيضر من الجزائر، فأخرج من السجن الحربي ونفي من مصر، على الرغم من أن زوجته مصرية وأولاده من مواليد مصر واخته الكبرى متزوجة من مصري هو الدكتور شفيق الخشن، الذي كان عميدًا لكلية الزراعة في الإسكندرية، ثم وكيلًا المجلس الشعب الذي يراسه أنور السادات في ذلك الوقت، ومن هذا الموقع وبحكم الصلة بين اخته وزوجة عبد الناصر، سمح له بالعودة إلى مصر على أن يجدد إذن العودة سنويًا، ثم حين أصدر عبد الناصر أوامر الاعتقال من موسكو سنة ١٩٦٥م التي تنص على اعتقال كل من سبق اعتقاله، فكانت الموجة المحمومة التي شملت اعتقال أكثر من خمسة وستين ألفًا من الدعاة المسلمين والعلماء العاملين، وبخاصة الإخوان المسلمين، فكان منهم الأخ هارون وكان التحقيق شديدًا معه في المعتقل، لسؤاله عن علاقته بصديقه الحميم «المهدي بن بركة» الزعيم المغربي المعروف الذي اغتيل في فرنسا في الوقت الذي كان فيه الأخ هارون بالسجن، وحتى الآن لم يعرف من قتل المهدي بن بركة.

 ثم تدخلت أخته مرة أخرى لدى زوجة عبد الناصر فأخرج من السجن ونفي خارج – مصر، فذهب إلى المانيا ومنها إلى ليبيا، وعلى الرغم من– أن الملك إدريس السنوسي كان صديقا حميما لوالده ولم يكن يجد مكانا يؤنسه عندما كان لاجئًا في مصر إلا منزل آل المجددي وديوانيته – إلا أنه لم يلجأ إليه في ليبيا بل قضى عامًا كاملًا مع إخوانه ورفاقه السابقين في المعتقل حيث عاش وإياهم في بيت متواضع بطرابلس الغرب  ليبيا. 

يحدثني رفيقه الذي كان معه في السجن . وفي ليبيا فيقول: «إنني كنت أرى فيه مثلًا للخلق والوفاء، ومن هذا الوفاء الذي ترك أثرًا في نفسي لا ينسى أنه في الشهر الأول من عودته إلى مصر، بإذن يتجدد سنويًا، اصطحبني معه في سيارته حوالي ست ساعات نسير في طرق زراعية غير معبدة، يبحث في «الدلنجات» وهي آخر المناطق الزراعية في «أبو المطامير» بالبحيرة ليرى أطفال صديقه المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، والذي كان من مؤسسي الجامعة العربية مع عزام باشا، ذلكم هو الأخ المجاهد صالح أبو رقيق وحين رآهم قبلهم وضمهم إلى صدره، وذرف الدموع ولم يتمالك نفسه أمام هؤلاء الأطفال الذين يحبهم كأبنائه وفلذات كبده ثم عدنا سريعًا حيث لم تزد الزيارة على خمس دقائق خوفًا من أعين الرقباء والجواسيس وحين تغير الملك في أفغانستان عين سفيرًا جديدًا بدل المجددي وعامل هذا السفير آل المجددي معاملة غير كريمة وقاطعهم، وشاء الله أن يمرض السفير الجديد فما كان من الأخ هارون إلا أن يعوده في المستشفى ويرسل له باقات الورد مقرونة بالدعاء له بالشفاء فتأثر السفير من هذا النبل في الأخلاق، واعتذر عما بدر منه وزار الأخ هارون في منزله بعد خروجه من المستشفى مباشرة .

وكان الأخ هارون يملك مزرعة في أبو حمص بالبحيرة فاستولى عليها الإصلاح الزراعي، فلم يقطع عادته السنوية في الذهاب إلى المزرعة وتوزيع الملابس والأرز والدقيق والزيت وبعض المال على الفقراء من الفلاحين.

 وأفلس صديق له كان تاجرًا افغانيًا في المانيا فأرسل إلى هارون يطلب عونه، فلم يرد طلبه على الرغم من أن هارون نفسه في ضائقة مالية بعد مصادرة مزرعته فكلف صديقًا أن يعينه بكفالته ولم يف التاجر الأفغاني بالسداد فاضطر هارون لوفاء الدين عنه باعتباره «كفيلًا له»، انتهى. 

ويتحدث الشيخ أبو الحسن الندوي عن والد الأخ هارون فيقول في كتابه القيم «مذكرات سائح في الشرق العربي»:

« وفي يوم ١١/٦/١٣٧٠هـ (19/٣/1951) خرجنا لزيارة سعادة الشيخ محمد صادق المجددي سفير أفغانستان بمصر وجلسنا معه مجلسًا طويلًا، وصلينا المغرب وتعرفنا إلى نجليه هارون وأخيه وسرونا بهذه الزيارة فسعادته لا يمثل الحكومة الأفغانية فحسب بل يمثل ذلك البيت العظيم الذي له منة على كل مسلم في الهند، وتربطنا به روابط دينية وصلات روحية قديمة. 

وقد شرفنا فيما بعد بزيارته لنا في محلنا المتواضع وجلس معنا ووعدنا بالتشريف مرة أخرى فأكبرنا منه هذا التواضع والإكرام ولا غرو فإنه سليل مجددنا العظيم الشيخ أحمد الفاروقي 

وحين زونا القدس يوم ٢٦رمضان سنة١٣٧٠هـ وصلينا العشاء والتراويح في المسجد الأقصى سمعنا بأن الشيخ المجددي معتكف في بعض حجرات المسجد– حيث من عادته ذلك كل عام في القدس فدخلنا عليه وسلمنا ورجعنا إلى محلنا، وفي يوم ۲۷ رمضان دعانا سعادته إلى العشاء وطلب منا الإقامة معه. فاعتبرنا هذا من تيسير الله سبحانه وتعالى. واقعنا معه في راحة وسعة.

 وفي يوم ٣٠ رمضان رأينا الهلال وتعشينا مع السيد المجددي، وجاء كثيرون من وجهاء المدينة وكبار الموظفين يسلمون عليه ويهنئونه، وانتهزت الفرصة فألقيت كلمة بمناسبة العيد»، انتهى.

 إن الأخ الكريم والداعية المجاهد محمد هارون المجددي كان من النوادر في حسن خلقه وتواضعه ونجدته ومروحه وإخلاصه ووفائه وقد أحبه كل من عرفه رغم موقعه الدبلوماسي فإن الدعوة كانت هي كل شيء في حياته يقدمها على ما سواها ويفتديها بروحه وأهله وماله. 

وقد انقطعت الصلة به بعد تخرجي فلم أسعد بلقائه، ولكن أخباره وجهاده داخل مصر وخارجها كانت تصلنا عن طريق الخلصاء من الإخوان. 

وقد أكرمني الله بزيارته للكويت حيث زارني في داري وشرفت به ندوة الجمعة الأسبوعية وكان ذلك بداية الجهاد الأفغاني حيث حدثنا حديث العالم البصير المسلم بالأمور الأفغانية دقيقها وجليلها والأطراف الصادقة المخلصة المجاهدة بصدق والعناصر التي تؤثر العاجل على الأجل، وكان له من عمق التجربة وفقه الواقع وما تعلمه في مدرسة الإمام الشهيد حسن البنا من الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل وإخلاص النية لله وصدق التوجه له وطلب مرضاته الأثر الطيب المبارك.

 لقد كان الأخ هارون نموذج المسلم الذي يسخر كل طاقاته وإمكاناته لخدمة دينه وعقيدته وقد وجد في الإخوان المسلمين ضالته فكان ارتباطه بالدعوة التي بقي وفيًا لها حتى لقي ربه. 

نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل ما قدم في میزان حسناته وأن يتغمدنا الله وإياه بواسع رحمته وأن يدخلنا معه فسيح جنته ويحشره مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تنبيه هذه الحلقات خواطر من الذاكرة قد يعروها النقص والنسيان، لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل، وعنواني ص ب ٩٣٦٥٠ – الرياض ١١٦٨٣

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل