; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٢٤) .. الشهيد صلاح حسن (أبو عمرو) | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٢٤) .. الشهيد صلاح حسن (أبو عمرو)

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997

مشاهدات 147

نشر في العدد 1249

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 13-مايو-1997

عرفته بمصر أثناء الدراسة الجامعية، فعرفت فيه الرجولة والصلابة والفداء والتضحية، والعزم فقد كان منا القلائل الذين فقهوا الإسلام والثبات جهادًا، وبذلًا، وصبرًا، وعبادة، ودعوة، وخلقًا، وحبًا وأخوة، وإيثارًا، حيث كان يدرس في معهد التربية العالي، ويشارك في تدريب الشباب المسلم والطلبة الجامعيين على الرياضة البدنية والتكتيك العنيف الذي يصنع الرجال، ويحارب الميوعة لدى الشباب فكان معلمًا، ومربيًا، وداعية، ومجاهدًا، أحبه زملاؤه وتلامذته وإخوانه، فكان مثال الأخ المسلم في الخلق الفاضل، والأدب الجم والتواضع ولين الجانب.  لقد أسهم في تدريب طلبة الجامعة بالأزهر، وعين شمس، وغرس فيهم روح الجهاد والتضحية في سبيل الله والمستضعفين والدفاع عن أرض الكنانة بمحاربة الإنكليز في منطقة قناة السويس، ثم قام الانقلاب العسكري سنة ١٩٥٢م، فغادر أرض الكنانة بعد أن اجتاحتها نذر الشر، وعواصف الطغيان مهاجرًا إلى جنوب السودان للتبشير بالإسلام في مدينة «جويا»، وما حولها، وظل يكافح ويجالد متصديًا لحملات التبشير الصليبي، المزودة بالإمكانات الضخمة، والدعم الدولي والإسناد المالي، حتى ضاق به المبشرون، فأغروا عملاءهم من أصحاب السلطة بإخراجه من السودان بكاملها، لا من الجنوب وحده، حيث توجه إلى الكويت ليعمل فيها مدرسًا للتربية البدنية، التي هي مجال اختصاصه، ثم تفرغ للعمل الحر الذي يكسب منه رزقه ويمارس من خلاله دعوته في حرية وانطلاق، ولقد سعدنا به في الكويت كثيرًا بعد هذه الغربة في السودان الشقيق، حيث كانت لنا معه جلسات وحوارات وأحاديث ومساجلات تدور كلها عن وضع المسلمين في العالم، وحاجة الأمة الإسلامية إلى إحياء روح الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، وشعار عزته، وكان رحمه الله يكرر القول بأن مصائب العالم الإسلامي في القديم والحديث إنما هي من جرثومة الفساد اليهودي الذي حارب الإسلام منذ البعثة النبوية وما زال يسعى ليل نهار لئلا تقوم للإسلام قائمة أو يعود المسلمون إلى دينهم، ويقول: إن العلاج الوحيد لحسم مادة الشر هو التصدي لرأس الأفعى، ففي القضاء عليها شفاء لصدور المؤمنين. وإن اليهود وإن ظاهرهم الشرق والغرب، وإن ملكوا زمام الدول وحازوا المال الحرام وسيطروا على الإعلام، فهم بحكم طبعهم جبناء أذلاء، حريصون على أي حياة ولو كانت في الوحل أو الدنس، وإن غضب الله عليهم يوجب على المسلمين أن يحذروهم، فهم لا يؤمن لهم جانب، ولا يعرفون الوفاء بالعهود، أو الالتزام بالمعاهدات، لأن من شأنهم الكذب والنكث والنفاق والتلوث، ولن يقف في وجههم ويتصدى لمكرهم غير عباد الله المجاهدين في سبيله والذين يرخصون أرواحهم ابتغاء مرضاته. وإذا كانت الحكومات الهزيلة مهزومة من داخلها مستكينة راضية بالذل والمهانة، فإن الشعوب الإسلامية ما زال فيها الخير، وما زالت روح التضحية والفداء كامنة فيها، تحتاج إلى من يثيرها، ويستجيش مشاعرها، ويلهب حماسها، وإن الواجب علينا كدعاة إلى الله، أن نوجهها ونربيها على منهج الإسلام، وندربها ونعدها الإعداد الحسن لمواجهة اليهود وأعوانهم. ولذا شرع الأخ المجاهد «أبو عمرو» مع إخوانه أبو أسامة، وأبو خليل، و أبو طارق، وغيرهم في الدراسات المعمقة والتدريبات الكثيفة، والدروس الإيمانية، والتحرك على مستوى العالم الإسلامي لاستقطاب الشباب الراغبين في الجهاد لإعلاء كلمة الله، والتصدي لليهود الجاثمين على أرض المسلمين ومقدساتهم، وقد أثمرت هذه الجهود المباركة نواة طيبة من شباب العالم الإسلامي هجرت حياة الدعة وسارعت إلى ساحة الجهاد. و ميدان الإعداد، وتوجهت إلى أرض الرباط قريبًا من أعداء الإسلام واليهود وقد قام البطل الشهيد صلاح حسن وإخوانه الكرام بتدريب الشباب على فنون القتال وأساليب الكر والفر والهجوم والدفاع وفق المنهج الإسلاميفي القتال المشروع. يقول الأخ د. محمد أبو فارس في كتابه «شهداء الإسلام»: «إن شهيدنا صلاح حسن، كاتب معروف له أكثر من كتاب في القصة والسيرة والتربية، وهو واسع الاطلاع، متين الثقافة، سيال القلم، خصب الفكر، ذو قدرة على الإبداع، وكان محبوبًا عند إخوانه من المجاهدين، وكل من يتعرف عليه من الناس لتواضعه ومرحه وحلمه وصدق إيمانه، وكان يتنافس مع أخيه أبي خليل في الجهاد والاستشهاد حيث قال له: «لئن سبقتني إلى الجهاد فسأسبقك إلى الشهادة والجنة»..

ومما يجدر ذكره أنه رحمه الله كان يتوقع الشهادة، بل لقد رأى في المنام ما يشعر بدنو أجله وأنه سيرزق الشهادة فحدث إخوانه: «رأيت في المنام أني أركب قطارًا ويقود هذا القطار الشهيد سيد قطب رحمه الله»، فأولها هو وإخوانه بأنه سيرزق الشهادة ولقد اتخذه الله شهيدًا في اليوم الذي رزق الله الشهيد سيد قطب الشهادة». لقد خطط الأخ صلاح حسن، وإخوانه أبو أسامة، وأبو خليل، وغيرهم من المجاهدين المرابطين قبالة اليهود للقيام بعملية جهادية ضد اليهود تكون في نفس اليوم الذي هزمت فيه الحكومات العربية عام ١٩٦٧م «أي يوم ٥/٦» وبالفعل كان يوم ٥/٦/١٩٩٧م موعد العملية الجهادية، حيث دمر المجاهدون دبابات للعدو كانت مرابطة في مستعمرة «کفار روبين» في سهل بيان، وبعدها بأكثر من شهرين خطط «أبو عمر» وإخوانه لمعركة أخرى مع اليهود، حيث اصطدموا بهم وتبادلوا معهم إطلاق النيران، وسقط من المجاهدين ثلاثة شهداء أحدهم القائد صلاح حسن «أبو عمرو»، وإخوانه زهير سعدو من سورية ومحمود البرقاوي من الأردن، حيث سطروا بدمائهم الزكية طريق المجد لتحرير المقدسات الإسلامية، مكملين بذلك ما بدأه الإخوان المسلمون بمصر وسورية والأردن حين انطلقت كتائبهم لقتال اليهود بفلسطين ١٩٤٨م، وقدموا مئات الشهداء على ثرى القدس وفلسطين دفاعًا عن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين. ومن توفيق الله وعجائب قدرته أن يكون يوم استشهاد صلاح حسن هو نفس اليوم الذي أعدم فيه الشهيد سيد قطب من قبل طاغية مصر صنيعة اليهود والأمريكان وهو يوم ٢٨/٨/١٩٧٠م. وحين توجه المجاهدون لحمل جثث الشهداء الثلاثة، وجدوا جثة الشهيد صلاح حسن قد مثل بها تمثيلًا شنيعًا، حيث فقئت عيناه واخترقت عشرات الطلقات جسمه الطاهر بعد أن قتل من اليهود أكثر من اثني عشر جنديًا، وكان شقيقه أبو خليل، معه في نفس المعركة، ولكنه نجا من الموت. رحم الله شهيدنا الذي تعلمنا منه الكثير من دروس التضحية والجهاد والصبر، والمصابرة والعزم، والتصميم، والاستعلاء على زخارف الدنيا، والزهد بما في أيدي الناس، والسعي الدؤوب للعمل الجاد الذي يرضي الله عز وجل وينفع المسلمين والاعتزاز بالإسلام الدين الحق، والتمسك بحبل الله المتين، وتقديم الغالي والنفيس في سبيل الله عز وجل والمستضعفين من المسلمين والذود عن ديار المسلمين ومقدساتهم ونصرة المسلمين في كل مكان، والتبشير بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته. يقول الأستاذ حسن دوح في كتابه «شهداء على الطريق»: «ويتحلق الرجال حول جثة الشهيد صلاح حسن ويقف ابنه عمرو صامتًا يغالب دموعه ويتذكر أن أباه أوصاه بأن يخلفه في أداء رسالته وأن يستمر على طريق الإسلام الحق طريق الجهاد في سبيل الله لإعلاء «كلمة الله». نسأل الله عز وجل أن يتغمد شهيدنا الغالي صلاح حسن وإخوانه الشهداء معه وقبله وبعده برحمته، وأن يوفق الله شباب الإسلام للالتزام بمنهج الإسلام الحق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  وأن يكتب لنا حسن الختام، ويلحقنا بالصالحين من عباده، وأن ينزلنا وإياهم منازل من أحب من عباده فرضي عنهم ورضوا عنه، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 

الرابط المختصر :