العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة : الزعيم علال الفاسي
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1993
مشاهدات 91
نشر في العدد 1056
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 06-يوليو-1993
علال الفاسي.. الزعيم والمفكر والمجاهد
أستاذنا العالم المجاهد والزعيم الكبير علال الفاسي رجل من رجالات
الإسلام المعاصرين الذين حملوا دعوته وجاهدوا في سبيله وأمضوا حياتهم يقارعون
الظلم والاستبداد ويحاربون الاستعمار، وهو رئيس حزب الاستقلال المغربي والذي اضطلع
في بواكير إنشائه للتصدي للاستعمار الفرنسي ومحاولته لنيل حقوق الشعب المغربي.
وكان الأستاذ علال الفاسي هو العالم المبرز الذي قاد المسيرة نحو استرداد الحقوق
للشعب المغربي العربي المسلم وشارك في المقاومة الوطنية بلسانه وقلمه وبدنه، وصار
يتحرك في طول البلاد وعرضها مشجعًا الناس على الجهاد ومقاومة الاستعمار والتصدي
لأعداء الإسلام الذين احتلوا البلاد وأذلوا العباد ونهبوا الخيرات ونشروا الفساد.
ثم هاجر من بلده مطاردًا من الاستعمار وأعوانه. وطاف الأقطار العربية والإسلامية
والعالمية معرفًا بقضية بلاده، معريًا أساليب الاستعمار ووسائله كاشفًا خططه
ومراميه موضحًا الطريق لاسترداد الحق ونيل الاستقلال وإقامة الشرع.
بناء الصفوف والتواصل مع قادة العالم الإسلامي
فاستجاب لندائه الكثير من داخل البلاد وخارجها، والتف حوله الشعب
والشباب واتخذوه زعيمًا لهم وقائدًا لمسيرتهم، فانطلق بهم مجمعًا لصفوفهم، شارحًا
لهم خطوات العمل ومراحل الجهاد وأعباءه وتكاليفه. وقد استطاع في هذه الجولات أن
يتصل بالكثيرين من القادة والزعماء والمجاهدين في العالم الإسلامي أمثال الإمام
حسن البنا ومحمد صالح حرب وأمين الحسيني والبشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني
وحسن الهضيبي وغيرهم.
وقد سعدت بلقائه مرات ومرات، واستفدت من دروسه ومحاضراته وندواته، حين
كنا ندرس في مصر في أوائل الخمسينات الميلادية. وكنا نحن الطلاب الوافدين نشكل
جنسيات مختلفة من أنحاء الوطن الإسلامي المتين الذي يقوم عليه تجمع طلبة البعوث
الإسلامية بمصر، وقد جرى حوار طويل معه أثاره بعض إخواننا الطلبة المغاربة
المعارين الذين طالبوا الزعيم الفاسي بأن يعني حزب الاستقلال بالجانب التربوي بحيث
لا يطغى الجانب السياسي على معظم نشاط الحزب، وقد تلقى الزعيم الراحل هذه
المناقشات بروح الود والإكبار واعتبرها بادرة طيبة من الشباب المغربي الذين
استفادوا من وجودهم بمصر في الاتصال بالحركة الإسلامية المعاصرة.
الدفاع عن الدعاة ومواجهة طغيان السلطة
وكان الأستاذ علال الفاسي وثيق الصلة بالدعاة الإسلاميين والعاملين في
الحقل الإسلامي، ينسق العمل معهم ويقف إلى جانبهم في محنهم ويتصدى للذود عنهم
والدفاع عن أهدافهم، وقد اضطلع بمهمة تصعيد الحملة ضد طغيان السلطة الحاكمة بمصر
أيام عبد الناصر التي أقدمت على زج العاملين للإسلام ودعاته أمثال عبد القادر عودة
ومحمد الفرغلي وسيد قطب.
وقد أصدر علال الفاسي العديد
من البيانات والتصريحات وعقد الكثير من المؤتمرات لتفنيد مزاعم السلطة واستنكار
أعمالها وسطر المقالات الطويلة، التي تتحدث عن جهاد هؤلاء الدعاة في جريدة «العلم»
المغربية لسان حزب الاستقلال، كما أقام الحزب المهرجانات في استنكار تلك المجازر
البشعة لأولئك الدعاة المجاهدين في أرض الكنانة.
ولن أستطيع الاسترسال في تسجيل المواقف البطولية الرائعة التي كان
يقفها المجاهد المرحوم علال الفاسي فهي أكثر من أن تحصى ومرت تجري سراعًا ثم
التقيت به في زيارة قام بها إلى الكويت قبل سنوات وكان بيننا وبينه أحاديث عن هموم
المسلمين ومشكلاتهم وطرائق العمل الناجح لإخراجهم من محنتهم.
التربية العقائدية وبناء جيل المستقبل
وكانت أحاديث وخطب ومحاضرات وندوات خرج منها الفقيد رحمه الله بضرورة
توثيق العمل مع الشباب المسلم باعتبارهم الركائز الأساسية لحمل دعوة الإسلام كما
أيقن بأهمية البناء التربوي العقائدي للشباب حتى يكونوا طلائع البعث الإسلامي
المرتقب لهذه الأمة التي طال أمد رقادها واستكانتها لوعود الحكام وخداعهم الذين لا
يهمهم إلا البقاء على كراسي السلطة ولو هلكت الشعوب بكاملها ولو ضاعت المقدسات،
وديست الكرامات. ومن هنا أخذ رحمه الله يبحث عن العناصر المؤمنة الشابة ليوطد
الصلة بها ويكسبها من خبراته وتجاربه في ميدان السياسة والعلم والجهاد والكفاح.
وهكذا كان الزعيم الراحل لا يدع مجالًا من مجالات العمل الإسلامي إلا وأسهم فيه
وبذل من الجهد ما يستطيع ورغم أننا نخالفه في بعض اجتهاداته السياسية فإنه ليس لنا
إلا أن نعترف بأن مواقفه كانت تنبع من قناعته بأن الإسلام هو طريق الخلاص لهذه
الأمة من كل ما تشكوه من ويلات وما تعانيه من محن وكوارث.
الفقيه والمفكر خلف قناع السياسي
والكثير من الناس لا يعرفون عن المرحوم علال الفاسي إلا أنه رجل من
رجال السياسة وزعيم من زعماء الوطنية في الوقت الذي هو فيه علم من أعلام الفكر
الإسلامي المعاصر وداعية من دعاة المدرسة الإصلاحية التي بدأها المرحوم محمد رشيد
رضا كما أن له باعًا طويلًا وقدمًا راسخة في الفقه الإسلامي وخاصة الفقه المالكي
والفقه المقارن. وله اجتهادات فقهية يحتج بها علماء المغرب والجزائر وتونس ولكن
غلبة الطابع السياسي والوطني جعل انصرافه للأمور الفقهية يحتل المرتبة الثانية من
اهتماماته. كما كان خطيبًا مفوهًا وفقيهًا عالمًا وسياسيًا بارعًا وداعية عاملًا
يشد القلوب والعقول إليه ويستجيب لنداءاته الشباب، فكانوا يستضيفونه بالحلقات
العلمية والتجمعات الطلابية والندوات الفكرية ويطرحون عليه كل تساؤلاتهم ومشكلاتهم
والطريق المثلى لتحرير بلادهم من نير الاستعمار، وفي الولايات المتحدة الأمريكية
حين كنت أنا وإياه والدكتور حسن الترابي والأستاذ إبراهيم الوزير مدعوين لحضور
المؤتمر السنوي لاتحاد الطلبة المسلمين سنة 1968م كانت فترة من أجمل الفترات
وأيامًا من أسعد الأيام حيث امتدت زيارتنا وتطوافنا في الولايات المتحدة قرابة شهر
وقفت فيها على الكثير من جوانب شخصيته الفذة التي تمثل الرجولة والعصامية في أجلى
صورها. وكان آخر عمل مشكور قام به هو جهوده في حمل حكومة المغرب على التخلي عن
موقفها في المساهمة بإخراج فيلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تكمن وراءه
جبهات تريد الإساءة لرسول الإسلام ودين الإسلام وأمة الإسلام. رحم الله الفقيد
رحمة واسعة وجزاه الله خيرًا عن كل عمل صالح قدمه وتجاوز عن أخطائه وسيئاته وغفر
الله لنا وله.
اقرأ أيضا:
علال الفاسي