; من أخلاق الدعاة: عبد البديع صقر.. والصياد | مجلة المجتمع

العنوان من أخلاق الدعاة: عبد البديع صقر.. والصياد

الكاتب عبد القادر محمد السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998

مشاهدات 78

نشر في العدد 1304

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 16-يونيو-1998

لم تكن الحياة في مصر في نهاية العقد الرابع من هذا القرن سهلة بسيطة، بل كانت صعبة مريرة على قطاع عريض من عامة الناس الذين يعيشون على الكفاف، ويتكسبون أقواتهم ببذل مزيد من الجهد والتعرض لمزيد من المعاناة، وكانت طبيعة الحياة لا تخلو من قسوة ومن شدة.

وفي ليلة شديدة الظلمة في وقت لم يكن هناك وسيلة للإضاءة ليلًا إلا القمر، شديدة البرودة حيث يزيد السكون والهدوء والشعور بالخوف والإحساس بالبرد، كثيرة الأمطار على طرق وعرة غير ممهدة، ينزل المطر على الطين فيصعب السير في مناطق كما يستحيل في مناطق أخرى، ولذلك فلا يخرج في هذا الوقت المتأخر من الليل إلا من اضطرته الظروف القاهرة إلى ذلك، أو من كانت طبيعة عمله تفرض عليه هذا النوع من المكابدة، وهذا التحمل من المعاناة.

في هذا الجو الذي لا يعرف قسوته إلا مَن عايَشه، يمر الشيخ عبد البديع صقر الذي كان يطوف القرى والعزب والنجوع وراء دعوة حملها على عاتقه، وانتشرت بين الناس، وتحتاج إلى من يرعاها ويبثها في قلوب ظامئة وأفئدة متشوقة، يمر على صياد للسمك أنهكه الجهد والعمل وصعوبة الطبيعة التي يعمل فيها، جمع بعض أعواد الحطب وبعض أغصان الأشجار وأوقد نارًا قريبًا من شاطئ بعض الأنهار التي تعوَّد الصيد فيها، يبحث جاهدًا عن بعض الدفء، كما يبحث جاهدًا عن بعض الرزق.

 نظر الداعية إلى ذلك الصياد الفقير ودارت في نفسه حوارات ومحادثات، فماذا لو قدر له أن يكون في مكان هذا الصياد؟ هل يستطيع تحمل هذا البرد القارس بهذه الثياب المبللة، وهذه الهيئة الرثة؟ نظر الشيخ إلى نفسه فوجد أنه يرتدي ثيابًا فاخرة ومن أغلى الأصناف ثقيلة سميكة ومع ذلك فأطرافه تكاد تتجمد من شدة البرد، وهذا الصياد الفقير المسكين ثيابه ممزقة، وقد غرقت بالماء، فكيف يكون حال هذا المسكين، فلربما كان من عباد الله الصالحين، وهو بلا شك كما ينطق حاله فهو من عباد الله الكادحين، قطع الشيخ المحادثة مع نفسه مخافة الاسترسال والاستطراد، واقترب من الصياد وألقى عليه التحية والسلام، وسأله عن حاله وأحوال أسرته والعيال، فلما علم حاله رق له قلبه وجاشت من أجله عاطفته، وذرفت دمعة من عينه ونزع ثيابه من على جسده وأعطاها للصياد، إلا أن الصياد ارتاب في الأمر وتردد في أن يمد يده ليأخذ هذه الثياب التي ربما لم يلامسها في يوم من الأيام، فقال له: اتركني في حالي يرحمك الله، فقال له الشيخ: إن الأمر بسيط، فسأرتدي ثوبك بدلًا منه فهو مبادلة ومقايضة.

الصياد: لا تهزأ بي واتركني وشأني فورائي عمل طويل..

الشيخ: لن يضيرك شيء ولا عليك مني.

 وأمام شدة الإلحاح والإصرار على الطلب نزع الصياد ثوبه وأعطاها لذلك الشيخ العجيب والغريب. لبس الصياد الثوب فوجده من أفخر الأنواع ومن أغلى الأصناف، فلم يتمالك نفسه من شدة الفرح أن يقطع عمله ويسرع الخطى إلى بيته ويوقظ زوجته وأولاده، ويقص عليهم وقائع تلك القصة العجيبة التي حدثت معه.

وأما الشيخ فقد ارتدى تلك الثياب المهلهلة فارتعدت فرائصه من شدة البرد وصكت أسنانه من وقع ما أحس وكاد يصاب بحمى، إلا أنه سارع إلى أقرب بيت من بيوت أصدقائه وأحبائه في أقرب قرية قابلته وطلب من صاحبه أن يعيره ثوبًا إلى الغد، لأنه لا يتحمل هذا الوضع إلى أن يصل إلى داره، ومع إلحاح صاحب البيت لمعرفة ما حدث، أخبره الشيخ الخبر وقص عليه الحكاية فكانت مثارًا للضحك ومادة للدعابة بين الإخوان والأحباب.

 هذه القصة أهديها لإخواننا الدعاة إلى الله الذين بنوا لأنفسهم أبراجًا عـاجـيـة، وأحاطوا أنفسهم بأسوار عالية، ونظروا إلى واقع الناس شذرًا، وانقطعت الصلات بينهم وبين غيرهم، فلم يدركوا عن حياة الناس شيئًا، ولم يعلموا من مشاكلهم ولا من معاناتهم ما تكون مادة للتفاهم والتقارب والتجاذب، ولذلك زادت الفجوة وظهرت الهوة بين ما يُقال وما يفعل، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.

وهي درس عملي نستطيع من خلاله أن نفرق بين من جعل الدعوة شغله الشاغل، وهي حياته وسبب وجوده، وبين من يأخذها على سبيل الوجاهة والمكانة الاجتماعية، فهناك فرق واضح يُرى بالعين المجردة بين النائحة والثكلى:

مواعظ الواعظ لن تُقبلا *** حتى يعـيـهــا قلبه أولا

يا قوم مَنْ أظلم من واعظ *** خالف ما قد قاله في الملا

أظهر بين الناس إحسانه *** وخالف الرحمن لما خلا

كلمة إلى الدعاة

الانتماء إلى الله

من أهم عوامل الثبات على الطريق لأصحاب الدعوات هو صدق الانتماء إلى الله تبارك وتعالى -دون الارتباط بالأشخاص والأسماء- وهذا الانتماء من أهم العوامل الأساسية لصلاح الفرد داخل دعوته وصلاحه داخل مجتمعه، وما غابت قيمة من قيم المنهج عن الفرد في دعوته أو داخل مجتمعه الذي يعيش فيه كالصدق والوفاء بالوعد والجدية وغيرها من القيم إلا لغياب هذه القيمة بين الفرد وربه، مثال على ذلك: ما تأخر رجل عن موعد ما، وكان هذا من سماته، إلا لتأخره في الاستجابة لنداء ربه إلى الصلاة، فلو انضبط هنا لانضبط هناك، وهكذا باقي الأمثلة.

 لذلك كان عامل الإيمان وحسن الصلة بالله من أهم العوامل لنجاح أصحاب الدعوات في دعوتهم والثبات عليها، كما أنه من أهم عوامل الرقي والتقدم والنصرة داخل أي مجتمع، وليعلم أصحاب الدعوات أنه أساس نجاتهم يوم القيامة ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ ﴾ (الأنعام: 94)، لذلك كان لزامًا على المربين العناية بهذا الجانب بكل الوسائل المتاحة والممكنة، وبخاصة في المراحل التكوينية الأولى للفرد، حتى لا يفاجؤوا في لحظة من اللحظات بانهيار الفرد أمام أول محنة يتعرض لها نتيجة للتقصير في هذا الأمر.

وائل عبد الغفار عليّ - مصر

الرابط المختصر :