العنوان من أخطائنا الحضارية: التبرير.. وإلقاء المسئولية على الآخرين!!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1973
مشاهدات 67
نشر في العدد 150
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-مايو-1973
من جملة الآفات التي تجتاح المجتمعات الآيلة للسقوط
هو التبرير وطرح المسؤولية على الآخرين، حتى ولو كان خداعًا للنفس، وتركًا للمشكلة
تستشري وتستبد، دون محاولة التصدي لها، ومعرفة التشخيص السليم، ومحاولة العلاج
مهما كان الدواء مرًا وغالي الثمن.
كان هذا المرض المزدوج «التبرير وطرح المسؤولية على
الآخرين»، من أخطر الجراثيم التي امتصت مياه الحياة من معالم حضارتنا، وخاصة في
القرنين الأخيرين. فهل سقطنا في وادٍ من ظلمة التاريخ؟ وماذا في ذلك؟ فكم من
حضارات كثيرة قد اختلت في يدها المعايير، ثم دفعت ثمن ذلك جيلًا أو جيلين، لكنها
نجحت في أن تنهض من جديد، وكل الحضارات التي تتفوق اليوم.. قد مرت بمراحل من
التردي والطفولة، ولكن أصحابها عرفوا كيف يشددون على أنفسهم وكيف ينهضون. لم يبكوا
على الماضي، ولم يلعنوا الاستعمار، ويعلقوا عليه شماعة عجزهم وكساحهم، بل كانوا
يعلمون أن الحياة صراع، وأنه لا مكان فيها للبكائين والندّابين، والذين يبررون ويطرحون
على الآخرين مسؤولياتهم..
لأن الشيء الخطير ليس هو الخلل الذي يصيب أي حضارة،
بل تحويل هذا الخلل إلى عائق يمنع العجلة من المسير.
لقد بدأ الخلل يظهر في حضارتنا ليس منذ معارك
الصليبيين أو التتار.. بل منذ زمن قريب جدًا.. منذ النصف الثاني للقرن السابع عشر،
بالتحديد سنة (1683م) عندما اندحر حماة حضارتنا في ذلك الوقت (الأتراك) أمام أسوار
فيينا في موقعة سان جودار.. ففي هذه الموقعة أدرك المسلمون لأول مرة أنهم أمام عدو
جديد مسلح بسلاح جديد وبعقلية جديدة.
اندحرت خيول الإنكشارية أمام أشباه الفتيات من جنود
أوروبا؛ لأن أشباه الفتيات -كما أطلق عليهم الإنكشاريون قبل المعركة- كان معهم
سلاح وعقل وحضارة جديدة زاحفة.. وبعد ذلك بقرن أو أكثر قليلًا (1798م) كان
الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت يضربون مصر، ويدقون طبول الحضارة الجديدة في وجه
المماليك -أرباب السيف- هؤلاء الذين كانوا قد ناموا لفترة طويلة، وعبدوا سلاحهم
التقليدي، وتحولوا إلى أقلية مسيطرة، بدل الالتحام المستمر -عبر الجهاد- مع
الحضارات الأخرى الخارجية.
لقد كان العملاق الإسلامي قد بدأ يترنح باحثًا عن
خيط يتعلق به، وكان عدوه قد سد عليه كل المسالك، وقدم له حبل المشنقة في شكل خيط
النجاة.. وكانت العلمانية التي حملها زعماء رضعوا من ألبان الغرب، وربتهم حضارته
المادية التي قامت على أنقاض حضارة المسلمين، أكبر ضربة وجهها الأعداء في وضعهم
الجديد إلى حضارتنا وهي تترنح باحثة عن خيط النجاة.
إن المسلمين الذين عايشوا فترة التقاء الحضارتين
المختلفتي الوضعية... هؤلاء المسلمون الذين رأوا عملاقهم الإسلامي يتعرض لضربات
الإبادة من الحضارة الجديدة، والذين لا يزالون يعيشون إلى اليوم.. لم يحاولوا
البحث عن علاج لحضارتهم الإسلامية.. إنهم فقط ينهالون على الحضارة الأوروبية لعنًا
وسبًا.. يريدونها أن تتركهم في سباتهم.. أو تعطيهم ثمرات نضالها دون أن يدفعوا
ثمنًا.. إنهم بالتعبير الذي آثرناه.. يصرون على طرح المسؤولية على الآخرين..
ويصرون على الحصول على مبرر لترديهم وسباتهم.. لكي يظلوا في ترديهم وفي سباتهم إلى
ما شاء الله..
وإنه لمن المخجل أن يظل بعض المفكرين على اعتقادهم
بأن «صفين» أو ما يسمى «بالفتنة الكبرى» كان عامل تقويض حضارتنا.. وأن معاوية -رضي
الله عنه- يتحمل عبء «الملك العضوض» و«الحكم المطلق» الذي يسوس به بعض الحكام
شعوبهم.. كما أن من المخجل كذلك.. أن ينسب بعض هؤلاء المفكرين إلى الحجاج بن يوسف
الثقفي كل أعمال إرهابية أو لاقانونية ارتكبها كل إرهابي في تاريخ العرب
والمسلمين..
إننا لا نناقش موقف معاوية أو الحجاج.. لكن ألم يرد
في التاريخ الإسلامي تلك النماذج الراقية -بعد معاوية والحجاج وقبلهما- التي
استعملت الشورى واحترمت نصوص الشريعة؟ فلماذا الإصرار على التبرير وطرح المسؤولية
على معاوية أو الحجاج؟
ومن الغريب أن كثيرين من أصحاب النفوذ العرب يعيشون
على حساب هذا المبدأ الخطير، ولا تفوت فرصة للدعاية أو الاتجار السياسي دون أن
يلعنوا الحكام السابقين ويبرزوا أخطاء الحكام السابقين.. والاستعمار ورواسب
الاستعمار، وأن ينحوا باللائمة على «الجاهلية» التي سبقت عصرهم الذهبي.. إنهم
يصرون على العيش على حساب الماضي.. ولو بلا حاضر.. حتى ولو كان هذا الماضي..
مظلومًا، حتى ولو كانوا لا يتطلعون إلى أي أمل في مستقبل أفضل..
وفي غيبة الشعوب الإسلامية والعربية.. يظل هؤلاء
الحكام يدورون في لحن الماضي الذي خلقوه دون إضافة جديدة... ودون محاولة للتغيير..
وتظل حركة الزمان راكدة في نفوسهم ومجتمعاتهم إلى أن تسحقهم القوى التي تعمل
للمستقبل.. وتتحرك.. منطلقة من الماضي.. وليست مجترة هذا الماضي لكي تحمي به
تصورها وسكونها المميت..
وعندما تستمر الأمور لفترة طويلة -عقدين مثلًا على
هذا النحو- تكون الأمة كلها في انتظار محرك من الخارج أو انتحار انفجاري من
الداخل، لأن الحياة لا تعرف الوقوف ولا السكون. والمؤرخ الكبير «أرنولد توينبي»
يتوقع في هذه الحالة أن يظهر تحدٍ من الخارج.. يجب أن يتكرر لكي تتحرك الأمة
وتتخلى عن نقطة «السكون» التي ترجع إلى ما أسميناه بمرض التبرير وطرح المسؤولية
على الآخرين..
«أرنولد توينبي» يرى أن وقوع انقسام في داخل
المجتمع -بفعل لحظة التوقف- دليل انهياره الوشيك.. ولقد يكون ما يقوله توينبي
صحيحًا.. لكن الشيء الجدير بالذكر أن المجتمع في هذه الحالة.. يتحول من حالة
الثبات «التوقف» إلى حالة فقدان الاتزان.. إلى الترنح نحو السقوط، والأهم من ذلك
إلى فقدانه لزمام حركته.. وبتعبير آخر إلى فقدانه -بتأثير لحظة التبرير الجامدة-
ملكة تقرير المصير، وخضوع مصيره بعد ذلك للمحركات الخارجية العدائية بالتأكيد.