; من أجل.. عقيدة راسخة واعية | مجلة المجتمع

العنوان من أجل.. عقيدة راسخة واعية

الكاتب الشيخ مصطفى العالم

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1973

مشاهدات 63

نشر في العدد 150

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 15-مايو-1973

العقيدة: هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، كي تصل معتنقيها بالملأ الأعلى، وتسمو بهم من معالم الأرض إلى عوالم الكون، وتجعل حياتهم مركبة ذلولًا توصلهم للسعادة والاستقرار في الحياة الآخرة؛ فهي تصير كل أعمال المسلم «الخالصة لله المستمدة من الشرع الحنيف» منازل ودرجات، يتفاضل بها أصحابها في روضات الجنات، لا تقف بهم عند هذا الحد بل ترتفع بهم وترتفع حتى تجعلهم ضمن ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: 22-23)، ومن أصدق من الله قيلًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس: 26).

وعقيدة المسلم سهلة يسيرة، يسكن لها القلب، وترتاح النفس، وتطمئن إليها الروح، ويسعد بها الضمير، حتى تستقر في الكيان الإنساني يقينًا ثابتًا لا يداخله ريب، ولا يخامره أدنى شك.

ونظرة من الإنسان إلى جسمه وأوعيته، وغدده وأجهزته، وخلاياه وشعيراته، ومسامه وإفرازاته، وحسه ومدركاته، سوف تربطه بأولى عقائد الإيمان.

الإيمان بالله

والمؤمن يعرف خالقه بآياته، وعجائب مخلوقاته، وما الشمس والقمر والأفلاك والنجوم والكواكب والمجرات، إلى تباين الألوان واللهجات، مع تغاير ما تنتجه الأرض من أسرار الكون وغرائبه، إلا آخذة بتلابيب القلوب لتقرير وجود الله. ولذا لا عجب إذا اهتدى علماء من غير المسلمين إلى إثبات هذه الحقيقة وإعلانها على الناس جميعًا؛ يقول:

1.      مكتشف قانون الجاذبية «إسحاق نيوتن»: «لا تشكّوا في وجود الله، فإنه مما لا يعقل أن المصادفات وحدها هي قائدة هذا الوجود».

2.      العالم الفرنسي «ديكارت»: «إني مع شعوري بنقص ذاتي، أحس في الوقت نفسه وجود ذات كاملة، وأراني مضطرًا للاعتقاد بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات المتحلية بجميع صفات الكمال وهي ذات الله».

3.      «لينيه» في الكتاب المسمى (الله في الطبيعة): «إن الله الأزلي الأبدي، العالم بكل شيء، والمقتدر على كل شيء، قد تجلى لي في بدائع صنعه، حتى صرت مندهشًا، فأي قدرة وأي حكمة وأي إبداع؟! ذلك الذي أبدعه في مخلوقاته!».

4.      الفلكي الإنجليزي «هرشل»: «كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي...».

فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم، وهو صرح عظمه الله تعالى، والمسلم ليس بحاجة إلى مثل هذه الأقوال وأمامه قرآنه الذي تكفل الله بحفظه، وقد مضى عليه قرابة أربعة عشر قرنًا بذلت فيها محاولات الخلاص من القرآن الكريم نهائيًا -لا أقول تغييره وتبديله-، ثم هو لا يزال كما قال الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).

وها هو ذا دين الإسلام تحاك له المؤامرات وتجتمع كلمة الكفر على تبديده وإزالته، وتصرف الملايين للتبشير والتنصير والتهويد دون أية نتيجة أو جدوى، يتحداهم قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ (الأنفال: 36)، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32).

وأقول لدنيا الناس في القرن العشرين، بعدما وصلت لما وصلت إليه من اختراعات واكتشافات وانطلاقات، وصعود للقمر ثم محاولة الصعود للمريخ، بل وقد يصعدون لأبعد وأبعد مما هو دون السماء الدنيا: من الذي أوصل عقول البشرية إلى كل هذا؟

ألم يقف قابيل بعد أن قتل أخاه هابيل حائرًا في كيفية دفنه ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ (المائدة: 31)؟

ثم نظرة إلى أول خلق الإنسان حين عجزت الملائكة عن معرفة أسماء المسميات للأشياء التي ستظهر على وجه البسيطة من نشأتها إلى نهايتها ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ (البقرة: 31).

وأين نحن الآن من لغة الجبال والطير التي علمها داود عليه السلام ﴿فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سبأ: 10)؟ ومن الذي وهب لسليمان عليه السلام بساط الريح ﴿غُدُوُّهَا شَهۡرٌ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٌۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ﴾ (سبأ: 12)؟ وما هي عصا موسى عليه السلام التي ابتلعت من ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: 116)؟ ومن الذي جعل عيسى عليه السلام يحيي الموتى بإذن الله؟

ومن الذي أخذ الدنيا بالتربية والتوجيه من طوال طفولتها حتى أوصلها درجة النضج والاكتمال لتستطيع أن تتلقى كتابه العزيز فهمًا وتطبيقًا ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: 193-195) على قلب رسولنا محمد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (النمل: 63)؟

وهنا قد يرد مثل هذا السؤال بعد هذا التحقيق الكافي للدلالة على وجود الله: لماذا نهينا عن التفكير في ذات الله؟

والرد من البساطة بمكان؛ ألسنا لا نستطيع معرفة حقيقة أشياء تحيط بنا مع أنها من صميم وجودنا؟ كما ننتفع بأخرى لا ندرك حقيقة كنهها؛ فالعقل الذي امتاز به الإنسان عن الحيوان... ما هو؟ وما حقيقته؟ والروح التي هي سر الحياة إن فارقت الجسم فالموت المحقق.. ما هي حقيقتها؟ والكهرباء والمغناطيسية ما هما؟ وما حقيقتهما؟

وثمة أمور كثيرة لا تخضع لنطاق محسوس، والفرق بين المؤمن ومن عداه أن المؤمنين يتميزون بالإيمان بالغيب ويسعدون بتصور آماله وأبعاده، وأن الآخرين كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون. وإني لأرثي لكبار مكتشفيهم ومخترعيهم ممن لا يهديهم علمهم إلى الإيمان بوجود الله كلما قرأت: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: 10-11).

وإذا عجزنا عن معرفة حقيقة بعض الأشياء التي هي من عجائب صنع الله، فعلينا أن نسلم بأن العقول والأفهام مهما بلغت من التفهم والإدراك محدودة القوى محصورة القدرة، وأن ذات الله أكبر من أن يحيط بها عقل البشر، وذلك ليس حجرًا على حرية الفكر، ولا جمودًا في البحث، ولا تضييقًا على العقل، ولكن خوفًا علينا من التردي في المتاهات، وإبعادًا لنا عن معالجة أبحاث خارجة عن دائرة العقل لم تتوفر إمكانية إدراكها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

179

الثلاثاء 16-يونيو-1970

خير أمـة أُخرجت للنـاس!

نشر في العدد 14

158

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مع القراء- العدد 14

نشر في العدد 63

162

الثلاثاء 08-يونيو-1971

العقيدة.. أولًا