العنوان من أجل صناعة وطنية رائدة
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الثلاثاء 03-سبتمبر-1985
مشاهدات 58
نشر في العدد 731
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 03-سبتمبر-1985
تأخذنا الأحلام بعيدًا حينما نفكر في كويت المستقبل، وترتسم في مخيلة كل منا صور زاهية مشرقة للكويت التي سيعيش فيها أبناؤنا وأحفادنا، وبينما نحن في أحلامنا الوردية هذه تخنقنا صور من الواقع الذي هو حصيلة ما جنته أيدينا، أو بمعنى أدق ما قصرت أيدينا عن عمله.
فبينما الأمم تتسابق على تأمين مستقبل أجيالها وإقامته على أسس راسخة عميقة ذات قرار مكين، لا نزال نحن نعتمد على مصدر وحيد ناضب اعتماد من لا يجيد السباحة على الإطار المطاطي المملوء بالهواء، الذي إذا فرغ منه الهواء سيكون الغرق من نصيب صاحبنا هذا الذي اعتمد عليه.. فحالنا نحن والنفط كحال هذا الذي ربط حياته بفراغ الهواء من الإطار المطاطي. ورغم بداهة هذه الحقيقة وهي أن هذه الثروة النفطية تهددها عوامل كثيرة تجعلها معدومة الوجود بنضوبها أو معدومة الفائدة حتى في حال وجودها باكتشاف مصادر أخرى للطاقة تغني عنها، رغم ذلك تجدنا لا نحرك ساكنًا ولا نتحرك بجدية لتطويق مخاطر حصول مثل هذا الافتراض المؤكد والمحتوم.
وإذا قلنا بأن ذلك يعني وجوب بلورة مصادر للدخل مجاورة للنفط ولا تعتمد عليه اعتمادًا کاملًا حتى تستمر هي في حال نضوبه، فإن تعدادًا سريعًا لمثل هذه المصادر يضع الصناعة في مقدمة هذا الصف، فهي وإن كان البعض يرى أنه لن تكون الكويت بلدًا صناعيًّا ولو بعد عشرات السنين، إلا أننا نرى أن هناك مجالًا متاحًا لنجاح نماذج من هذه الصناعة وإن كانت من النوع الخفيف، هذا إذا توفرت لها عناصر التخطيط والدراسة والتشجيع والمساندة.
• الصناعة والحلقات المفقودة:
في ظل غياب أرضية التخطيط المدروس يصبح كل قرار أو إجراء يستهدف تطوير الصناعة وترسيخها في الكويت من قبيل تخفيف آلام الجرح النازف دون العمل على معالجته نهائيًّا، وعندما لا تكون هناك سياسات واستراتيجيات واضحة تسير عليها الصناعة يصبح الأمر تجاريًّا محضًا محكومًا بأهواء الأفراد القائمين على هذا النوع من التجارة.
وخلاصة القول في ذلك أن تنطلق الصناعة في الكويت على مرتكزين هامين وهما:
1- التبني الحكومي للقطاع الصناعي:
فعلى الرغم من كون نشاط الأفراد الخاص قد يعطي دفعًا قويًّا لقطاع الصناعة، إلا أن دور الأفراد مهما اتسع في هذا المجال فسيبقى عاملًا مساعدًا وليس أساسيًّا، ويبقى القطاع الصناعي في الأصل من مسئوليات الدولة التي تملك الإمكانيات المادية والبشرية الكافية، ثم هي تملك كذلك الرؤية الواضحة والعقليات الخبيرة التي تستطيع أن تضع الأسس السليمة لصناعة وطنية قوية وأن تبصر الكيفية الموصلة لذلك.
هذا بالإضافة إلى احتياج الصناعة الوليدة في الكويت إلى حماية ودعم لا يملك الأفراد وحدهم توفيرها دون تدخل الدور الحكومي، كما أن وجود مجلس للتعاون الخليجي يجعل مسئولية الحكومة في هذا المجال كبيرة؛ إذ توفرت لها أرضية مشتركة ذات فعالية اقتصادية وتجارية وبشرية ضخمة يمكن أن تنافس أقوى الدول الصناعية على الأقل في بعض الصناعات المشابهة التي تتوفر لها فرص النجاح محليًّا وخليجيًّا، وإذا خرجنا إلى دائرة النطاق الدولي فإن الدور الحكومي يتعاظم لدرجة تختفي معها جهود الأفراد الخاصة، بل وتنعدم.
2- أن تتغير النظرة الهامشية للقطاع الصناعي:
فإذا كنا جادين في رسم مستقبل صناعي مرموق يعتمد عليه، فيجب أن تتغير نظرتنا للقطاع الصناعي على أساس أنه قطاع تابع للقطاع الاقتصادي والتجاري، ولعل المؤتمر الصحفي الأخير الذي عقده وزير النفط والصناعة مبينًا بعض الإجراءات الحكومية المتخذة لحماية الصناعة الوطنية وتشجيعها، يحمل في ثناياه شيئًا من هذه النظرة، فعلى الرغم من كون هذه الإجراءات مطلوبة وضرورية ويجب أن تتبعها خطوات أخرى، إلا أنه وكما ذكر الوزير قد جاء ضمن الإجراءات الحكومية التي تستهدف تنشيط الاقتصاد وتحريكه، وهذا ما ينبغي أن ننبه إليه وهو أن ما تقوم به الدولة لأجل الصناعة يجب أن يكون على أساس أهمية هذا القطاع استقلالًا؛ بحيث إنه بحد ذاته يحتاج إلى تنشيط لا أن يستخدم كوسيلة لتنشيط الاقتصاد، فحسب ذلك أنه متى ما حظي القطاع الصناعي باهتمام موجه ونشطت الحركة الصناعية، فإن ذلك يعني تنشيط الاقتصاد بصورة طبيعية تبعًا لذلك.