; منهج لقمان الحكيم في تربية الأولاد | مجلة المجتمع

العنوان منهج لقمان الحكيم في تربية الأولاد

الكاتب د. وصفي عاشور أبو زيد

تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2004

مشاهدات 65

نشر في العدد 1597

نشر في الصفحة 60

السبت 17-أبريل-2004

باحث في العلوم الشرعية

wasfy75@hotmail.com

أساس المنهج.. التربية على التوحيد وشعائر الإسلام وغرس الأخلاق الفاضلة

من أهم مسؤوليات المسلم رعايته لأبنائه، تنشئة وتربية وتهذيبًا وتأديبًا، ولا غرو فالأسرة هي اللبنة التي يقوم عليها المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع، وإن فسدت فسد المجتمع كله. 

وقد أمر الله تعالى المؤمن أن يقي نفسه وأهله عذاب الله بالتربية والتقوى، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا (التحريم: ٦).

وقال النبي صلي الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول».([1]

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت».([2]

قال الصنعاني معلقًا على الحديث: «الحديث دليل على وجوب النفقة على الإنسان لمن يقوته» فإنه لا يكون آثمًا إلا على تركه لما يجب عليه, وقد بولغ هنا في إثمه أن جعل ذلك الإثم كافيًا في هلاكه عن كل إثم سواه».

وإذا كان هذا إثم من يضيع مسؤوليته تجاه أبنائه فيما يخص النفقة والكسوة وما إلى ذلك مما يتصل بالبدن، فما الحال إن ضيع ما يخص القلب وغذاء النفوس والأرواح، وهو أكثر أهمية وأبعد خطرًا.

لا شك أن إثمه سيكون أكبر؛ لأن الإنسان إنما فضل على الحيوان بالعقل والنفس والروح.

ولقد وضع القرآن الكريم لنا مثلا يحتذى, ونموذجًا يقتدى به فيهتدى، وهو مثال لقمان الحكيم مع ابنه الذي قصته علينا سورة لقمان.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ  إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ, وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ, وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ  ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ, يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ, يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ, وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ, وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ  إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان: 13- 19).

يقول الإمام ابن كثير في بدايات تفسير هذه الآيات: «هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه وتعالى عن لقمان الحكيم ليمتثلها الناس ويقتدوا بها».

وقال بعد أن أنهى تفسيرها: «فهذه وصايا نافعة جدًا، وهي من قصص القرآن العظيم عن لقمان الحكيم».

ووصف ابن كثير هنا للقمان بالحكمة له دلالة؛ فإن الذي يقتدي بلقمان في طريقته التربوية والتوجيهية إنما يستمد هذا النهج من رجل فاضت منه الحكمة، وسوف يتبع رجلًا علمه ربه وآتاه الحكمة، «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا».

الوعظ مرحلة سابقة على التعنيف والتأديب.. والقرب والإيناس أساس قبل النصيحة

المحبة والإيناس

لقد شاء لقمان عليه السلام أن يكون هناك أساس ينبني عليه كل شيء, ويتقبل به الولد ما يوجه إليه من نصح وإرشاد؛ ذلك الأساس هو المحبة، وقد ظهر ذلك جليًّا في قول لقمان في أكثر من مرة، وهي كلمة تنطوي على كثير من معاني الشفقة, وتحمل بين طياتها طاقة كبيرة من القرب منه، والحب له، والخوف عليه. 

إن المحبة والقرب والإيناس بين الآباء والأبناء هي الأساس الذي تقوم عليه الأركان، ويشيد فوقه البنيان والبدء بالأمر والزجر والتعنيف منذ البداية دون أن يكون هناك هذا الرابط الوثيق وتلك الآصرة القوية يذهب بمحاولات التربية سدى, ويهوي بالتوجيهات والإرشادات في مكان سحيق. 

ولنلاحظ تعبير القرآن قبل التربية والإرشاد يحكي عن لقمان «وهو يعظه»، فإن الوعظ مرحلة سابقة على التعنيف والتأديب، وهو أول ما ينبغي أن يسلكه الوالد في تربية ابنه وخصوصًا في مراحل عمره الإدراكية الأولى, فالطفل في هذه المرحلة لا يعنف التعنيف الشديد، ولا يضرب أو يقسى عليه في التوجيه, بل يؤخذ بالوعظ واللين والملاينة والصبر عليه؛ نظرًا لما هو عليه من خفة العقل وعدم التكليف. ولهذا حرص لقمان أن يبدأ بذلك، ويخلله حديثه بين كل إرشاد وآخر؛ لكي يحدث نوعًا من التقريب والإيناس الذي يتأهل به الابن لتقبل كل ما يلقى إليه من تصح وإرشاد، ولم لا يضع لقمان هذا الأصل وقد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب؟

التربية على توحيد الله: إن أول ما بدأ به لقمان من وصايا يربي عليها ولده النهي عن الشرك بالله، مبينًا خطورة هذا الشرك ومغبته الوخيمة: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان:13). ويمضي القرآن مبينًا ذلك وموضحًا أنه ينبغي أن تكون هناك مفاصلة بين توحيد الله وبين كل شيء، وأن تعلو وشيجة العقيدة على كل وشيجة ولو كانت أعلى الوشائج وهي أصرة الأبوة ووشيجة الأمومة ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، وليس معنى ذلك أن تكون معاملتك لأبويك جافة ومنكرة إنما ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا، واشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية ...

ويؤكد ابن حزم هذا المعنى فيقول: «ومن الشكر إقامة أمر الله تعالى عليهما، وليس يقتضي شكرهما إسقاط ما أمر الله تعالى به فيهما، والذي أمر بشكرهما تبارك اسمه هو الذي يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ

فالعلاقة لا بد أن تسودها الرحمة والشفقة لكن لا يطغى ذلك على هذه الرابطة التي تعلو كل رابطة، وتقف عند حدودها كل الأواصر لا تتقدم. 

وقد اختلفت الأقوال: هل هذا كلام الله - أعنى الوصية بالوالدين- أم كلام لقمان، قال الإمام القرطبي: «هاتان الآيتان اعتراض بين أثناء وصية لقمان، وقيل إن هذا مما أوصى به لقمان ابنه، أخبر الله به عنه أي قال لقمان لابنه لا نشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك، فإن الله وصى بهما في طاعتهما مما لا يكون شركًا ومعصية لله تعالى ...

الإحساس بالتوحيد ومعايشته

ومن توابع التوحيد وآثاره أن يربى الولد على أن الله محيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، وهو معنى يخاطب خلجات النفس و خطراتها، ويدخل تضاعيفها وأثناءها: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) ﴾ (لقمان:16).

إنها حبة لا ترى، وهي في صخرة ومع ذلك يعلمها الله ويعلم مستقرها ومستودعها، حتى لو كانت في السماوات تلك التي يبدو فيها النجم الهائل نقطة صغيرة أو كانت في الأرض الواسعة بين ترابها وحصاها لا تكاد تظهر - يأت بها الله بعلمه ولطفه سبحانه.

يقول الأستاذ سيد قطب يرحمه الله: «ويظل الخيال يلاحق تلك المحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة، ويتملى علم الله الذي يتابعها؛ حتى يخشع القلب وينيب إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب، وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها في القلب بهذا. الأسلوب العجيب...

إن الولد الذي يتربى على هذا العلم الشامل واللطف الكامل يستحيل أن يفكر في معصية أو يقترب من نهي أو يتعدى أمرًا، إن الله حاضر في قلبه لا يغيب قوي في نفسه لا يخبو.

التربية على شعائر الإسلام

بعد أن رسخ لقمان في قلب ولده توحيد الله، وبين له عواقب الشرك والمفاصلات المختلفة وموقفها إذا تعارضت مع توحيد الله تعالى، وبعد أن ملأ قلبه بمعرفة الله العليم الخبير - أخذ يبين له معالم الإسلام وشعائره الكبرى التي تلي هذا الأساس الأصيل، مثل إقامة الصلاة، وهي الفيصل بين الإسلام والكفر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المنوط به خيرية الأمة، وغير ذلك من فرائض وفضائل، يقول الإمام القرطبي: «وصى ابنه بعظم الطاعات، وهي الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا إنما يريد به بعد أن يتمثل ذلك هو في نفسه ويزدجر عن المنكر، وهنا هي الطاعات والفضائل أجمع».

ومع توصيته لولده بإقامة فرائض الله يبصره بطبيعة الطريق الوعرة، وأنه لابد أن يقابل عنتًا من الناس وأذى، ومن ثم يربيه على الصبر ويوصيه بالحلم ﴿واصبر على ما أصابك﴾ . ويرغبه في ذلك بقوله: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

التربية على الأخلاق والفضائل

ثم يعالج لقمان عليه السلام مع ولده أمرًا في غاية الأهمية، وهو الأخلاق الحسنة وحسن معاملة الخلق، فإذا كان التوحيد وعدم الشرك بالله، ومراقبته في السر والعلن، وإقامة فرائض الله في الأرض- أمورًا تتعلق بالله وحقوقه، وتخص ما بين العبد وربه، فإن هذه الأخلاق والسلوكيات تخص ما بين العبد وبين الناس، وهذه مرحلة من التربية مترتبة على السابقة، بمعنى أن المسلم لن يستجيب أو يتحلى بهذا النوع من المعاملة الحسنة إلا إذا كان هناك وازع عقيدي يدفعه إلى ذلك وهو توحيد الله ومراقبته. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا  .

والصعر هو داء يصيب الإبل فيترك أعناقها ملتوية، وهو تشبيه منفر يُبغض الإنسان في هذا السلوك المنكر، وهو أن يضع الإنسان نفسه في  منزلة أعلى ممن حوله، فيظن أنه مخلوق من غير ما خلقوا منه، فيعرض عنهم ويتكبر عليهم . ويغمط الناس ويبطر الحق.

وإضافة إلى التنفير من هذا السلوك برسم هذه الصورة الحيوانية المستنكرة، يبين لقمان أن المتصف بهذا السلوك يخسر شيئًا كبيرًا ومهما بالنسبة للمؤمن، وهو محبة الله تعالى، ويا لها من خسارة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . ثم يقول لقمان لولده: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾.

 يقول الإمام القرطبي: لما نهاه عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله». 

والقصد في المشي يعبر عن الجدية ووضوح الرؤية وتحديد الهدف، والغض من الصوت دليل الثقة بالنفس وعلامة الاطمئنان، وآية صدق الحديث والتربية العالية، يقول صاحب الظلال: والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيئ الأدب، أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق.

يل إن الوصية استنكرت رفع الصوت، ونفرت منه أن جعلته كصوت الحمير الذي هو أنكر الأصوات فإن﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) ﴾، يقول الإمام القرطبي: «في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير لأنها عالية. وفي الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً». وقد روي أنه ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانًا، وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير.

وبهذا تنتهي هذه الوصية الجامعة والمخلصة التي وجهها لقمان لولده يؤدبه بها ويربيه عليها، وهي وصية جديرة بالتأمل فيها والاقتداء بها، كما أشار الإمام ابن كثير من قبل.

 فمن أراد المنهج السليم والقدوة الطيبة في تربيته لأبنائه، فسوف يجد ذلك في هذه الآيات الكريمة. ولعلنا نلاحظ التدرج الواضح في الطريقة التربوية اللقمانية الحكيمة. يبدأ بالتوحيد وتجريده، ثم يربي في النفس علم الله الشامل ولطفه الكامل، ثم يبين له فرائض الإسلام وأركانه، ويرسم له طريق الأخلاق الحسنة مرغبًا في كل خلق حسن، ومنفرًا عن كل خلق ذميم ..

([1] رواه البخاري

([2] رواه أبو داود

الرابط المختصر :