العنوان منهج النقد عند سيد قطب
الكاتب نور الدين أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1974
مشاهدات 196
نشر في العدد 208
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 09-يوليو-1974
منهج النقد عند سيد قطب
ابتدأ سيد قطب حياته الأدبية ناقدًا أدبيًا. وكان نقده تطبيقيًا، وفي كتابه مهمة الشاعر في الحياة وجهات نظر واستنتاجات أدبية نقدية من خلال نصوص شعرية كثيرة.
أما كتابه «كتب وشخصيات» فيعتبر كتابًا نقديًا تطبيقيًا تناول فيه نماذج كثيرة من الأدب العربي وغير العربي المترجم إلى العربية في الشعر والنثر. وكان منهج هذا الكتاب خليطًا من عدة مناهج نقدية كما سنرى، إلا أن مكانته في النقد تبقى في أنه حاول وضع كتاب نقدي يتناول «أعمالًا ناضجة» في الأدب العربي بحاجة إلى كتاب نقدي يوازن ويقوم تلك الأعمال.
وكان هذا الكتاب بمقدمته في تحديد وظيفة النقد، وفصوله الأولى عن أصول النقد والفن ثم في تناوله للكتب المختلفة في الشعر والقصة والرواية، والنفس والعالم والبحوث والدراسات ثم في التراجم والتاريخ، مفتاحًا لتبلور نظرية نقدية أو منهج نقدي في الأدب العربي تضمنه كتابه «النقد الأدبي.. أصوله ومناهجه».
ونحن في هذا المقال نحاول استعراض النظرية النقدية أو منهج النقد الأدبي عند سيد قطب معتمدين على کتابیه «كتب وشخصيات» و «النقد الأدبي».
ونستطيع أن نميز مرحلتين استطاع النقد فيهما أن يشق طريقه ويتبلور على شكل منهج نقدي متكامل.
المرحلة الأولى:
- تتمثل المرحلة الأولى في كتاب سيد قطب «كتب وشخصيات» وفي هذا الكتاب يحاول سيد قطب وضع «ملامح» أو «مفتاح» للنظرية النقدية عنده ثم هو يحاول قدر الإمكان - الابتعاد عن التأثر بالنقاد الآخرين، ويبدو عليه الاهتمام بوضع كتاب نقدي، لا سيما وان هناك أعمالًا ناضجة في المكتبة العربية تستحق النقد أولًا، وثانيًا خلو مكتبة النقد العربي من كتب ودراسات نقدية تتناول هذه الأعمال، غير أن التأثر واضح كل الوضوح عند سيد قطب في تعريفه للنقد وفي مهمة النقد ووظيفته وغاياته.
يحدد مفهوم النقد فيقول «النقد هو عملية الوزن والتقويم» وهو في هذا التعريف سيعطينا الملامح الرئيسية للنقد دون تبين للأصول والمناهج، ولكنه لا يكتفي بالتعريف فقط، بل يرسم طريقة تطبيق هذا التعريف على الأعمال الأدبية لا سيما وأن عملية «الوزن» و «التقويم» عملية شاقة وشائكة تتطلب إضافة إلى الذوق النقدي والإلهام الفطري ثقافة وتعمقًا ما دامت العملية ليست فقط جعل القارئ يعيش مع النص وإنما يجب أن يحسن الناقد نقل القارئ من عالم النص إلى عالم الأديب نفسه والاندماج مع «شخصیته».
العمل الأدبي إذن ليس مجرد «ألفاظ وتراكيب ومعان» بل يجب أن نفهمه على أساس أنه خاصة فكرية، وسمعة نفسية، وطريقة شعورية.
ومن هنا يمكن تلخيص «الفكرة النقدية» عند سيد قطب - في هذه المرحلة - على أنها «تصوير الشخصية» القائمة وراء العمل الأدبي. فليس النقد أن نعرض للكتاب وحده ونتناول مادته فقط، بل على الناقد أن يتصدى إلى «شخصية» الأديب وأن يندمج مع نفسيته، وأن يحاول أن يضع «مفتاح» شخصية الأديب وفكره ومذهبه بيد القارئ.
وليس كافيًا أن نزن العمل الأدبي فقط بل التقويم هو شيء ضروري بالنسبة للناقد فلا بد أن تكون نتيجة النقد وزن العمل الأدبي ثم تقويمه، فالنقد الصحيح بعد «الوزن» و «التقويم» في رأي سيد قطب ينحصر في «صحة الحكم على المقال» من هنا يحدد سيد قطب مهمة الناقد ويبرزها في أمرين: أولهما: «عمله في العام وهــــــو التوجيه والتقويم ووضع الأسس وتشخيص المذاهب وتصوير أطوارها ومناهجها».
وثانيهما: «عمله مع كل مؤلف وهو وضع «مفتاحه» في أيدي قرائه الذين يقرأون أعماله متفرقة ولا يدركون الطبيعة الفنية التي تصدر عنها هذه الأعمال، ولا يتعرفون إلى شخصيته المميزة الكافية وراء كل عمل».
ومن هذا الذي وجدناه من تحديد مفهوم النقد ومهمته أو وظيفته لا يمكن استبعاد تأثر قائله بأساتذته الذين تتلمذ عليهم في هذه المرحلة وعلى رأسهم الأستاذ العقاد.
فهذا التحديد بقيمه «الشخصية» في نقد العمل الأدبي والتأكيد على أهميته في نجاح «صحة الحكم على المثال» عبارة عن منهج للعقاد سبق أن نادى به وقرره في كتبه ودراساته النقدية. ففي مقال له سنة ۱۹۲۹ يقول العقاد «فالنقد الصحيح هو الذي يفطن إلى شخصية المنقود ويألف عيوبها كما يألف حسناتها ويطالبها بالأمانة لتلك العيوب، كما يطالبها بالأمانة لتلك الحسنات» (١) وهذا نفس مراد سيد قطب في قوله «ونقد كتاب دون تصوير «الشخصية» القائمة من ورائه إنما هو عمل ناقص لا يؤدي إلى شيء» ثم يقول «من وظيفته - أي الناقد - أن يعرف هذه الطبيعة ويبلورها ويقيس أعمال المؤلف بها، ويهديه إليها إذا ضل وانحرف في فترة من الضعف والكلال» (۲) وهو من قول العقاد «إن النقد الوحيد الذي قد يساعد المنقود أية مساعدة هـــــــو ما يجيء من ناقد أقام الدليل على أنه يألف شخصية المؤلف ونظريته في الحياة» (۳).
وهذا التأثير بالعقاد في صياغة «المنهج» النقدي لم يكن بدعًا في تفكير سيد قطب، ولكنه جاء نتيجة التلمذة والتأثر، والذي نستطيع أن نستنتجه من هذا التأثر هو أن سيد قطب کأستاذه يميل إلى رد «الاتجاه النفسي» في نقد العمل الأدبي أولًا، وثانيًا أنه يميل أيضًا نحو النقد الغربي، إذا ما عرفنا أن التعريف النقدي الذي تبناه العقاد ومن بعده سيد قطب هو لناقد غربي وسنرى فيما بعد موقف سيد قطب من النقد الغربي واتجاهاته.
المرحلة الثانية
نستطيع تحديد هذه المرحلة بظهور كتابه «النقد الأدبي» وفيه يوفق المؤلف إلى وضع «أصول» ويحدد «مناهج» النقد الأدبي معتمدًا على تعريف خاص للعمل الأدبي الذي هو مادة النقد.
ونحن نلاحظ أن سيد قطب في هذا الكتاب يضع أسس نظرية نقدية جديدة في النقد العربي. فهو يدعو إلى اتباع «المنهج المتكامل» في النقد الأدبي وهو يتبنى فكرة هذا المنهج ليس كقضية مطروحة للبحث، أو كعملية فكرية ليس لها سوابق عملية، كما يلاحظ على كثير من النظريات النقدية، بل يضع فكرة المنهج المتكامل نتيجة ممارسة وخبرة استغرقت وقتًا طويلًا، تلك الممارسة تشمل أعماله الأدبية وأعمال الأدباء الآخرين في العالم العربي أمثال طه حسين والعقاد.
وفكرة «المنهج المتكامل» تجيء بعد إيمان الناقد من أن الغلو في اتباع منهج نقدي معين هو عبارة عن انحراف وفساد في التقويم الأدبي النقدي. إذ أن العمل الأدبي بحكم كونه «تعبيرًا عن تجربة شعورية في صورة موحية» يخضع لعدة عوامل ومؤثرات داخلية وخارجية تجعله في منأى عن الحصر داخل مؤثر واحد وتطبعه بالتالي بطابع كل عامل من هذه العوامل.
وعليه فإن القول بأن العمل الأدبي هو نتيجة البيئة أو النفس والعوامل الأخرى الطبيعية والبيولوجية هو قول مردود لأنه بجانبه الكثير من الصواب في عالم الواقع.
ولأجل وضع «أصول النقد» يحاول سيد قطب وضع «الإطار» للعمل الأدبي فيعرفه بأنه «التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية»، فالعمل الأدبي - وهو موضوع النقد الأدبي - بهذه الصورة يضع «أصولًا» للنقد تعتبر ممهدة للخروج نتيجة اتباع «المنهج المتكامل» بعد ثبوت أن خضوع العمل الأدبي لمنهج واحد وهو غلو وفساد في شأن التقييم النقدي للعمل الأدبي.
ولا شك في أن هذا التعريف تحديد لمهمات النقد إذ أن كون العمل الأدبي تعبيرًا، يخضعه للمنهج الفني، وكونه صادرًا بعد تجربة شعورية يعطي لـ «الانفعال» دورًا مهمًا، يتدخل فيه علم النفس لتحديد مدى التأثر والتأثير في خلق العمل الأدبي، ثم إن العمل الأدبي ليس فقط تعبيرًا عن تجربة شعورية وإنما «في صورة موحية» وهذا هو عين التكامل في العمل الأدبي.
ومن هنا تجيء مهمة الأديب في أنه «يهيئ للألفاظ نظامًا ونسقًا وجوًا يسمح لها بأن تشع أكبر شحنتها من الصور والظلال والإيقاع» وفي هذا التحديد لمهمة الأديب يطغى المنهج الفني إلا أن ذلك لا يمنع، بل هو يؤكد على «نفس الأديب» فيخضع الناقد إلى المنهج النفسي في عملية الموازنة والتقويم.
وهو - أي سيد قطب - في الوقت الذي يضع أصولًا للنقد الأدبي إلا أنه في الوقت نفسه يحاول تطبيق منهجه المتكامل خصوصًا في الفصول الأولى من كتابه لنقد المناهج الأخرى في النقد. ويظهر ذلك بوضوح في محاولاته للتوفيق بين القيم التعبيرية والقيم الشعورية في العمل الأدبي، وبين الطريقة «النفسية» والطريقة «الاستعراضية» التاريخية في كتابة السيرة. فيلاحظ عليه محاولته استخلاص التأثيرات النفسية الذاتية تحت ستار من الألفاظ والتعبيرات الفنية فيبدو ولأول وهلة - إن منهجه منهج فني وذلك لاختفاء أثر الجانب النفسي خلف الألفاظ والتعبيرات الفنية.
أما بصدد مناهج النقد الأدبي فهو لكي يمهد الطريق للخروج بنتيجة صلاحية المنهج المتكامل للنقد أكثر من غيره من المناهج، فإنه يحاول تقويم المناهج النقدية مبينًا محاسنها ومساوئها وضرر إتباع منهج معين دون غيره كحل نهائي أو كمنهج مستقل يخضع له العمل الأدبي دون سواه.
فالمنهج الفني يحاول تقويم العمل الأدبي من خلال الألفاظ والتعابير الخارجية وهو بذلك يبعد العمل الأدبي عن المؤثرات الأخرى.
ومن هنا يرفض سيد قطب الميل كليًا نحو تفضيل القيم التعبيرية على القيم الشعورية كما فعل الجاحظ ومدرسته، بل يوفق بينها كما أشرنا سابقًا.
غير أن محاسن هذا المنهج أنه يستوجب من صاحبه موهبة ذوقية تأثيرية وثقافة لغوية فنية والمنهج التاريخي «يميل إلى اعتبار العمل الأدبي ظاهرة من ظواهر البيئة» وعليه فإن من أبرز مخاطر هذه الطريقة «الاستقراء الناقص والأحكام الجازمة والتعميم العلمي» كما يتمثل ذلك عند طه حسين في حديث الأربعاء، والعقاد في دراسته عن عمر بن أبي ربيعة، وعند سيد قطب في كتابه «كتب وشخصيات».
أما المنهج النفسي فيميل «إلى اعتبار العمل الأدبي نتيجة دوافع وانفعالات تسمى بـ «العقد النفسية» وفي الوقت الذي يبدو أن لعلم النفس أنصاره ومؤيديه في العالم، فإن أثره يبدو ناقصًا في تقييم العمل الفني، باعتبار أن النفس أكبر من علم النفس وأن ما يصدر من النفس هو مزيج من الدوافع الشخصية والعوامل الخارجية. غير أن هذا المنهج يبدو شديد الصلة بالعمل الأدبي ومن هنا فإن المنهج التاريخي والفني يبدوان ممتزجين فيه إلا أن أهميته تبقى في أنه يصبح عاملًا مساعدًا في تفهم العمل الأدبي.
وبعد أن يخلص من نقد المناهج يخرج بنتيجة وهي أن المنهج المتكامل «لا يعد النتاج الفني إفرازًا للبيئة العامة» كما يفعل المنهج التاريخي، «ولا يأخذ النتاج الأدبي بوصفه إفرازًا سيكولوجيًا محدد البواعث» كما يميل المنهج النفسي، بل «يتناول العمل الأدبي من جميع زواياه» بقي أن نعرف مدى قيمة هذا المنهج من الناحية التطبيقية: إن سيد قطب يشير في بحث كل منهج إلى اتباعه والكتب التي ألفت فيه. وكثيرًا ما رأيناه يستشهد بكتاب مرة على أن فيه منهجًا فنيًا ومرة على أن فيه منهجًا تاريخيًا ونفسيًا.. وقد جعل من الفصول الأولى في كتابه النقد الأدبي على أنها جاءت تطبيقًا لمنهجه.
إذن هذا المنهج جاء يضع أصولًا لنتاجات سبق وأن تبلور فيها هذا الاتجاه. وسيد قطب يعد كتابًا مثل طه حسين في كتبه عن أبي العلاء والمتنبي والعقاد في كتبه عن ابن الرومي وعمر بن أبي ربيعة ذوي منهج تكاملي في الأدب العربي.
إن أبرز سمات هذه المرحلة هي ابتعاد الناقد سيد قطب عن الميل إلى النقد الغربي كما لاحظنا عليه ذلك في المرحلة الأولى إلا فيما وجده ملائمًا لطبيعة الأدب العربي، والشيء الآخر هو تبلور منهج نقدي في هذه المرحلة بعكس المرحلة الأولى التي كانت بشهادة الناقد نفسه - يسودها الكثير من عدم الوضوح لعدم اتباعه منهجًا معينًا.
أما ابتعاده عن التركيز على الشخصية والاهتمام بالمنهج المتكامل فقد تبعه استقلال سيد قطب في نقده عن أستاذه العقاد.
فالعقاد بقي إلى أخريات أيامه يفضل النقد النفسي على بقية مناهج النقد ومن ذلك قوله سنة ١٩٦١ «إذا لم يكن بد من تفضيل إحدى مدارس النقد على سائر مدارسه الجامعة فمدرسة «النقد السيكولوجي» أو النفساني أحقها جميعًا بالتفضيل في رأيي وفي ذوقي معًا؛ لأنها المدرسة التي نستغني بها عن غيرها ولا نفقد شيئًا من جوهر الفن والفنان المنقود» (٤).
أما سيد قطب فيقول عن منهج التكامل «إنه ينتفع بهذه المناهج الثلاثة جميعًا، ولا يحصر نفسه داخل قالب جامد أو منهج واحد» (5).
إن نقطة التلاقي بين منهج العقاد ومنهج سيد قطب في النقد تكمن من نزوع كليهما إلى «المنهج المتكامل» غير أن العقاد يعتبر ذلك منحصرًا في المنهج النفسي باعتباره يجعلنا نستغني بمدرسة النفس عن غيرها ولا نفقد شيئًا، بينما سيد قطب يجعل من كل المناهج مجتمعة منهجًا متكاملًا.
ويبدو ذلك جليًا في إخضاع العقاد كل العلوم في دراسة للشاعر ابن الرومي وقد عده سيد قطب ذا منهج تكاملي في هذه الدراسة.
نور الدين أحمد
الرابط المختصر :