; منهج القرآن في التربية | مجلة المجتمع

العنوان منهج القرآن في التربية

الكاتب علي عبد العزيز

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

مشاهدات 100

نشر في العدد 222

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

منهج القرآن في التربية لمحمد شديد إعداد وتلخيص: علي عبد العزيز بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمة متحاربة متنافرة شعارها السطو لا يرى أحدهم في الآخر إلًّا ولا ذمة. فاستطاع عليه الصلاة والسلام في فترة وجيزة أن يجعل من هؤلاء أمة قوية الدعــائم متينة الخلق يربط بينهــا الدين ويوحد بين صفوفهـــا القـــرآن.. «شعارها» لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوي. إن التربية القــــرآنية لا تعني المألوف عند الناس دون المعروف من رب الناس. فهي لا تعني المسجد دون الحقل. ولا تعني المعتكف دون الواقع. ولا تعني الـــروح دون الجسم. وإنما هي عقيدة وشريعة. وعبادة وقيادة. ومصحف وسيف. ودنيا ودين. وعاجلة وآجلة وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: 49). ● جولة مع الرعيل الأول مكث الرسول صلى الله عليــــه وسلم ثلاثة عشر عامًا بمكة كانت مهمته الأولى إيجاد النخبة الأولى من لبنات الأمـــة المنتظرة ذات الخيرية العامة بقيامها بأمر ربها وإيمانها بدينها. مكث هذه الفترة وهو يربي ويعلم ويوجه حتى وصل إلى هذه النخبة الباهرة من إيجاد أناس لا يستطيع الشيطان أن يعود المرة بعد المرة على أحدهم كما وقع لأبي هريرة ولا يستطيع الشيطان أن يجلس في مجلس أحدهم كما كان الحال مع عمر رضي اللـه عنه.. إلخ.. فكيف ربي؟ وما هي الطريقة؟ إلى آخر هذه التساؤلات. لقد كانت دار الأرقم بن أبي الأرقـــم مدرسته. وكان قيام الليل بالقرآن وسيلته. وكان الحصار في الشعب بوتقته. وكانت الهجرة إلى الحبشة سلوته. إلى ما جاء في هذا الصـــدد من وسائل وأساليب كلها كـــــانت تخدم هدفًا واحدًا لا ثاني له وهـــو إيجاد المسلم الحقيقي الذي يستطيع أن يقول لملوك الأرض : «إن اللـه ابتعثنا لنخرج الناس من عبـــودية الناس إلى عبادة رب الناس ومــن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة». لم تنتهِ التربية بانتهاء العهـد الملكي وإنما سايرت العهدين معًا ولأن القرآن لم ينتهِ نزوله بعد فقـــــد صاحب نزوله العهـــــدين فكان من الطبيعي أن يعايش الناس في سفرهم وإقامتهم حتى يتم رسالته حيــث شاء اللـه. إن الأعمال الأولى التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي بناء المسجد وبجواره على الفور السوق. وذلك لأن الإسلام طلب من الإنسان ألَّا ينس نصيبه من الدنيا وأن هذه الحياة هي رسالته الأولى من عمارة وخلافه وما شابه ذلك من أمور وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ﴾ (البقر: 30).. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105) ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ﴾ (الملك:15). و من هنا يتبين لنا رسالة المسجد أولًا وأثره في البيئة إذا ما استعمل الاستعمال الصحيح. فقد كــــانت القاعدة الأساسية لابتعاث كل شيء سرابًا وبعوثًا ثم تلتقي الوفود والجموع ثم مثابة للقضاء والزواج والشكاوى وما إلى ذلك من أمور حتى كـــان مصدر النشاط الإسلامي في تلــــــك الفترة من التاريخ فلم ينتقل الرسول صلى اللـه عليه وسلم إلى الرفيـــق الأعلى إلا وقد بلغ هذا الرعيل الأول الرشد واكتمل النضج ولم يعـــــد بحاجة إلى شيء آخــر من التربيــــة والإعداد والتدريب لأن الله قد أنهى الرسالة واختتم الأمــانة بقولـه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة:3).. و﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النصر: 2-3). ● لقد تطورت المناهج وتقدمت البشرية وتعددت الوسائل ومع ذلك ما زالت المجتمعـــات العصرية تئن تحت وطأة الفساد في شتى نواحي الحياة من أخلاق وأداب وسلــــوك وأسلوب ومعتقدات، إلى غير ذلك من الأنشطة المختلفة التي يزاولهـــــا الإنسان راضيًا كان أم كارهًا وإنمـا هو يعيش تحــــت وطأة الضغــــــط الاجتماعي وظروف البيئة، وغير ذلك من أسماء ما أنـزل الله بها من سلطان. لقد لجأت بعض النظم لمعالجة هذا الفساد بشيء من العقوبات ظنًّا منها أنها قادرة بذلك لتخفيف حـــــدته والإقلال من جرائمه ولكن عبثـًـــا ما فعلت، ســـدى ما شرعــــت لأن التربية الصحيحة لا تكون بالعقوبة دون المثوبة ولا تكون بالخشونة دون الرحمة، ثم أيضًا لا تكون بالقانون دون الضمير ولا تكون في الظاهر دون الباطن فكيف يستقيم الظل والعود أعوج. وفي الحديث: «لا يستقيم إيمان المرء حتى يستقيم قلبـه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه». إن مقارنة بسيطة بين المجتمـع الأمريكي الآن ومجتمع المدينة في حالة واحدة أثناء معالجتها في واقع الناس ترى العجب العجاب مع إيجـــــاد الفارق الكبير بين النتيجتين. إن تحريم الخمر في المدينة لــم يستغرق بضع دقائق عندما أعلـن تحريمه فلم يسع الناس آنذاك إزاء هذا الأمر إلا أن قالوا على اختــلاف أماكنهم وأحوالهم: «انتهينا يارب انتهينا يارب». لقد جاءت الروايات تحكي أن بعض الناس كانت بيــــده بقية في «كأسه»، فعندما سمع التحريم لم يسمح لنفسه أن يشرب البقية بل طرحها وهو يقول هذه الكلمـة الحبيبــــة إلى قلبــه: «انتهينا يارب انتهينا يارب». أما هذا المجتمع المتحضر بل المتقدم عندما أراد أن يحرم الخمر كرس لها كل إمكانيات الدولة من مال وإعلام وعلماء وكتاب ومدارس وأطباء إلى غير ذلك من إمكانيات ومع ذلك أصدر قراره الأخير بعد فشله في عــــــام ۱۹۳۳ م بإباحة الخمر مطلقًا بلا قيود ولا شروط. لم يكن غرام الأمريكي في الخمر أكثر من غرام العربي وما كان عزوف العربي في الخمر أكثر من عــــزوف الأمريكي إذا ما اتخذ معه من الوسائل ما اتخذت من العربي. فالعربي لم يقتحـــــم التشريع ساحته مرة واحدة ولم تفرض عليه العقوبات بالجملة ولم يتخذ يومًا عدوا لدودًا للدولة وإنما جرى عليه التشريع جريان الماء العذب الرقراق فصادق قلبًا متعطشًا ونفسًا ظمــئة فاستقام قلبه واتصل بربه فاستعدت جوارحه لقبول كل وارد فصار في الحياة يتمثل قول الله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162-163). هكذا كان القرآن حين يسمعــه المؤمن لا يسعه إلا المبادرة بتنفيذه وتحكيمه وتطبيقه على نفسه وأهله ومن يقود بل ومن كان له عليه من سلطان كالحب والود والصحبـة والصداقة وغير ذلك من وســـــائل الصلات. لقد جاء في بعض الأخبار أن نساء الأنصار حين سمعن بآية الحجـــاب سارعن على الفور في تنفيذها لا أمام الناس دون الخلوة بل كانت المـرأة هكذا في السر والعلن. وكذلك الصحابة عندما سمعـــوا بمقاطعة الثلاثة الذين خلفوا لـــم يسعهم إلا النزول علـــى الأمر دون سؤال أو استفسار، وكذلك قصة المرأة الزانية رغم عدم رؤية أحد لها فقد أمرها ضميرها بأن تعلن ذلــــك أمام رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم مع علمها بالنتيجة سلفًا و صدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9). ● مع الخليفة الأول وفي بداية عهده فقد أعلن توليه الخلافة أمـام الملأ وكأنه يعذر إلــى ربه فيقول: «أيها الناس إنما أنا متبع ولســـت مبتدعًا ولن أدع أمرًا رأیـــت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته». كم كان صادقًا مع ربه حين قطع على نفسه هذا العهد وكم كان صادقًا حين وفي بعهده ووعده مع ربه، نعم لقد ارتد العرب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلــم فوقف بمفرده ليرد الشارد ويعود بالجاحد رغم موافقة الغلبة من القوم فكان قوله:«إن الله لم يفرق في كتابه بين الصلاة والزكاة فكيف أفرق بين فريضتين مقرونتين في القرآن؟». وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيش أسامة جاهـــــز للسفــــر لتأمين حدود الجزيرة من جهة الروم فأشار عليه القـــوم أن يستبقيه للدفاع عن المدينة فقال: كيف أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لن يكون ذلك حتى لو أن الطير تخطفتنا والسباع من حول المدينة أكلتنا والكلاب جــــرت بأذيال أمهات المؤمنين. إن المتتبع لسيرة هذا الخليفـة يرى العجب العجاب فكيف كـــــانت تربيته؟ وكيف كانت نظرته؟ وكيف كانت بالقرآن صلته؟ وكيف كـــانت للرسول صلى الله عليه وســــــلم متابعته؟ إن وقفة أبي بكر رضي الله عنه في الردة لا شك أنها ناجمة عن فقـــه عميق ونظر بعيد أنها شبيهة تمامًا بوقفة نبيه صلى الله عليه وسلـم حين استعـــدى القـــوم عليه عمه أبا طالب حتى إنه قال للرسول صلــى الله عليه وسلم أمام قريش عندما جاءوا يساومونه على التنازل في بعض الشيء من أمر الدعــــوة: قال أبو طالب: «ابن أخي إن قومك قد أعطـــوك واللـه من أنفسهم النصفة فانظر ماذا ترى». فسكت الرسول صلى اللـه عليــه وسلم برهة وكان قد أطرق رأســه ثم رفعها ونظر لعمه وعيناه تلمعان من بعض عبرات وكأنه ظن أن عمه مُسلِمه ثم قال: « واللـه يا عم لـو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمــــر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». فلو عقدنا مقـــارنة بسيطة بين التابع والمتبوع لوجدنا المطابقة تمامًا ولوجدنا النتيجة واحدة لأن علماء المنطق يقولون: «أن ترسم الخطى يقضي لا محالة بتماثل النتائج». ماذا لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازل عن بعض الرسالة لهؤلاء القوم؟ فهل تراه يكون قــد وفي بعهده؟ وبلغ رسالة ربه؟ وهل تبقي له الصفات الواجبة في حقه؟ وهي: أ- التبليغ، ب– والفطانة، ج – والصدق، د– والأمانة.. وماذا كان حال الإسلام الـــذى أكمله الله وارتضــــاه لنا دينًا واعتبره تمام النعمة علينا؟ لــكن اللـه عصمه فوقف ليصل إلينــــا كاملًا غير منقوص. أمانة ووفـاء وصدق وإخلاص: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ﴾ (الأنعام: 90) إذن ماذا كان حال الإسلام لو أن أبا بكر رضي الله عنه تنازل عن ركن من أركان الدين؟ خصوصًا وأن المعارضة التي كانت خارج الحــكم كانت جميعها مؤيدة ومباركة هذا الاتجاه. إن الله سبحانه سماه في كتابه الكريم صادقًا بل صديقًا فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: 33). كان يريد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يريد أبا بكر رضي الله عنه. فالرسول هو الذي جاء بالصــــــدق وأبو بكر هو الذي صـــــدق به.. «على أرجح الأقوال». فهل يصح للصديق أن يفرط في ركن ذكره الله مقترنًا بالصلاة؟ وهل يصح أن يكون للصديق موقف يخالف فيه رسول الله؟ إن ترسم الخطى واضح في عدم التنازل. وإن تماثل النتائج واضح في الحفاظ على دين اللـه، فهل يمكن أن يكون في جيلنا من يحفظ الله في دينه وشرعه وأمره ونهيه وكتـابه ورسوله؟ الجواب لا يعدو عن كونه رجاء ونداء ودعاء أن يسدد اللـه الخطى وأن يبارك المسعى حتى تكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر:17-18).
الرابط المختصر :